ما تعليقك على قول بعض الدعاة: كانت البلاد في عهد النبي ﷺ مُقسمةً إلى بلاد الإسلام وبلاد الحرب، أما الآن فهناك بلاد جمهورية توفر حرية الأديان فلا يجب ولا تستحب الهجرة من هذه البلاد الحرة


يقول السائل: ما تعليقك على قول بعض الدعاة: كانت البلاد في عهد النبي ﷺ مُقسمةً إلى بلاد الإسلام وبلاد الحرب، أما الآن فهناك بلاد جمهورية توفر حرية الأديان فلا يجب ولا تستحب الهجرة من هذه البلاد الحرة.

الجواب:

إنَّ هذا الذي ذكره هؤلاء الدعاة خطأ مِن جهتين:

الجهة الأولى: في تصوير الواقع في عهد النبي ﷺ.

الجهة الثانية: فيما استنتجوه مِن أحكام الهجرة.

ليُعلَم أنَّ الكفار في الشريعة أربعة أقسام:

القسم الأول: أهل ذمة، قال الله عز وجل فيهم: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: 29].

القسم الثاني: المُستأمَن -بفتح الميم- وهم الذين يدخلون بلاد المسلمين وقد أعطاهم المسلمون الأمن والأمان، كالسفراء وغيرهم، وفيهم قال الله عز وجل: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ [التوبة: 6].

القسم الثالث: المُعاهدون، وهم الذين بينهم وبين المسلمين عهد وميثاق في ألا يُقاتلهم المسلمون، ومِن ذلك قول الله عز وجل: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ مِنْ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: 4].

القسم الرابع: المحاربون، وهم الذين بينهم وبين المسلمين حرب، وقد قال الله عز وجل فيهم: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ [النساء: 91] وقد بيَّن عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما- كما أخرج البخاري أنَّ المشركين كانوا على عهد النبي ﷺ على منزلتين من النبي ﷺ والمؤمنين، كانوا مشركين أهل حرب يُقاتلهم ويُقاتلونه، ومشركين أهل عهدٍ لا يقاتلهم ولا يُقاتلونه.

إذا تبيَّن هذا تبيَّنَ ما يظنُّ هؤلاء الدعاة فيما نقله السائل عنهم.

بعد هذا، ليُعلم أنَّ المسلمين الذين يُقيمون في بلاد الكفار لهم حالان:

الحال الأولى: مَن لم يستطع إظهار دينه، فتجب عليه الهجرة بدلالة الأدلة وإجماع علماء الملة، أما الأدلة كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمْ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: 97] أما الإجماع فقد حكاه غير واحد مِن أهل العلم كابن كثير، وابن حجر، والعيني، وبيَّنوا أنه يحرُم على المستضعَف ومَن لم يستطع إظهار دينه أن يبقى في بلاد الكفار.

وأصح الأقوال في بيان ضابط إظهار الدِّين أنهم إذا علموا أنه مسلم لم يُعذبوه لأنه مسلم، هذا الذي ذكره الشافعي والماوردي في كتابه (الحاوي)، وقريبٌ منه قول العلامة عبد الرحمن بن سعدي -رحمه الله تعالى-.

الحال الثانية: مَن يستطيع إظهار دينه، فيجوز له البقاء، وإن كان الأفضل أن يُهاجر، والهجرة مستحبة في حقه؛ لأنه يُفارق بلاد الكفار ويكون في بلاد المسلمين، فيأمَن على نفسه أولاده في المستقبل، وتكون شعائر الإسلام ظاهرة، ويبعُد عن الكفار وعن إظهار ما عندهم من الكفر، إلى غير ذلك من المعاني.

وقد ذهب إلى الاستحباب جمعٌ مِن أهل العلم كالشافعي، وهو المشهور عند الحنابلة، وهو اختيار ابن قدامة وشيخ الإسلام ابن تيمية.

لكن لو قُدِّر أنَّ في بقاء المسلم في بلاد الكفار مصلحةً أرجح فإنَّ بقاءه أفضل مِن ذهابه، كأن يكون في بقائه نفع للدعوة إلى دين الله وغير ذلك، كما بيَّن هذا ابن قدامة -رحمه الله تعالى- وذكره غيره من أهل العلم.

إذا تبيَّنَ هذا، تبيَّنَ خطأ الإجمال في كلام هذا الداعية، فأؤكِّد أنَّ خطأه في تصوير حال الكفار وأقسامهم في عهد النبي ﷺ، والخطأ الثاني فيما ترتَّب عليه من أحكام، فإنَّ بلاد الكفار وإن كان بعضها -لا كلها- فيها نوعٌ مِن الحرية -لا الحرية المطلقة- إلا أنهم يُضيقون على المسلم لو أراد أن يُبيِّن خطأ مَن أخطأ مِن الكفار وأهل البدع وغير ذلك، وهم يُضيقون على المسلم بأن يمنعوه أن يُربِّي أبناءه على التربية الإسلامية التي يريدها بحُجَّة الحرية، وبسبب الحرية يزعمون أنَّ أبناءه أحرار وأنَّ بناته أحرار فيما يريدون فعله مِن لباسٍ واعتقادٍ وغير ذلك من المفاسد.

والأفضل للمسلم إذا كان في هذه البلاد أن يُهاجر، إلا إذا كان في بقائه خير فبقاؤه أنفع، لكن ينبغي أن يكون حذرًا؛ لأنه قد يكون في بقائه خير لكن في المستقبل يسكن أولاده هذه الأرض ويتوارثونها فينحرف أبناؤه وأبناء أبنائه عن الدِّين بأن يرتدَّوا أو على أقل تقدير يضعُف تديُّنهم، إلى غير ذلك من المفاسد.

أسأل الله الذي لا إله إلا هو أن يعلمنا ما ينفعنا وأن ينفعنا بما علمنا.

426_1


شارك المحتوى:
0