ما الفرق بين الليبرالية والعلمانية؟ وهل هي كفر؟


يقول السائل: ما الفرق بين الليبرالية والعلمانية؟ وهل هي كفر؟

الجواب:

ينبغي أن يُعلَم أنَّ الكفر حقٌّ لله ولرسولهِ ﷺ، كما يقول الإمام ابن القيم في النونية:

الكفرُ حقُّ اللهِ ثُمَّ رسولِهِ … بالنَّصِّ يَثْبُتُ لا بِقولِ فُلانِ

وقد قرَّر هذا ابن تيمية في كتابه (الرد على البكري) وفي كتابه (منهاج السنة)، فليس لأحدٍ أن يُكفِّرَ أحدًا إلا بدليلٍ شرعيٍّ، فينبغي أن نكون في التكفير وسطًا لا إفراط ولا تفريط، بأن نكون متمسكين بكتاب الله وسنة النبي ﷺ على فهم سلف هذه الأمة، فلا نكون أهل غلوٍّ كما هو حال التكفيريين بغير حق، ولا في المقابل نكون أهل جفاءٍ ممن لا يريد أن يُكفِّر أحدًا حتى ولو كفَّرته الأدلة الشرعية، فإنَّ كِلا الأمرين خطأ.

ومما ينبغي أن يُعلَم أنَّ هناك فرقًا بين تكفير النوع والعين، وبعبارة أخرى: إنَّ هناك فرقًا بين تكفير الفعل والفاعل، يُقال عن هذا الفعل كفر وعن هذا النوع كفر، لكن المعيَّن لا يُكفَّر إلا بعد توافر الشروط وانتفاء الموانع، وقد قال ابن تيمية كما في (مجموع الفتاوى): قد دلَّ على هذا كتاب الله وسنة النبي ﷺ والإجماع والاعتبار. وليس هذا موضع بسط مثل هذا، إلا أنَّ هذا هو الأصل وهو أنَّ هناك فرقًا بين تكفير النوع وتكفير العين، فإذا قيل إنَّ هذا الفعل كفرٌ فلا يلزم منه أنَّ كُلَّ فاعلٍ له فهو كافر، فقد تكون عنده شيء مِن موانع التكفير فيُكفَّر فعله ولا يُكفَّر عينه، أما إذا توافرت في حقه الشروط وانتفت عنه الموانع فإنه يُكفَّر عينًا.

بعد هذا، ينبغي أن يُعلم أنَّ الفرق بين الليبرالية والعلمانية كالتالي: أنَّ العلمانية نظام حكم، فنظام الدولة تحكم بالعلمانية، -أي تفصل الدِّين عن السياسة-، بحيث إنَّ الدِّين لا يكون حكمًا على السياسة، فهي نظام حكم، كما أنَّ مِن الأنظمة الرأسمالية والشيوعية، إلى غير ذلك، فهي نظام حكم ولا يتعلق من حيث الأصل بالأفراد وإنما بسياسة الدولة.

أما الليبرالية فهي تتعلق بالأفراد، وتعني: الحرية، وهي أنَّ كُلَّ شخصٍ حر ولا يُقيَّد بقيود الشرع ولا غير ذلك، فهو حر ما لم تتعدَّ حريته إلى غيره، فلو تراضى اثنان على الزنا فليس مذمومًا عند الليبرالية، ولا يصح لأحد أن يُنكر عليهما ولا أن يُخطئهما، وهكذا لو أراد أحد أن يشرب الخمر فليس لأحدٍ أن يُخطئه ولا أن يُنكر عليه ولا أن يمنعه، لكن لو اغتصب الرجل المرأة لكان ممنوعًا في نظام الليبرالية؛ لأنَّ حريته تعدت إلى غيره.

والليبرالية والعلمانية كفرٌ مُخرجٌ مِن الملة؛ وذلك أنَّ العلمانية تزعُم أنَّ الدِّين ليس حاكمًا على السياسة، والأدلة الشرعية واضحة في أنَّ الدِّين حاكمٌ على كُلِّ شيء، كما قال سبحانه: ﴿وَأَنْ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: 49] وقال سبحانه: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: 44] فالدِّين حَكَمٌ على كُلِّ شيء ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء: 65] وقال سبحانه: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: 36] وأخرج مسلم عن سلمان الفارسي -رضي الله عنه- أنَّ اليهود قالوا له: إنَّ نبيكم علمكم كل شيء، قال: نعم، علمنا كل شيء حتى الخراءة. أي حتى آداب قضاء الحاجة.

فديننا حاكمٌ على كلِّ شيءٍ في حياتنا، ومَن زعمَ أنَّ الدِّين لا يحكم على كل شيء فهذا كفرٌ وتكذيبٌ للقرآن والسنة.

والليبرالية كفرٌ مِن جهةٍ أخرى؛ وذلك أنها تًكفر بكُلِّ شيءٍ يُقيِّد حرية الفرد، سواء كان دينيًّا أو غير دينيٍّ، فتَكفر بالدِّين الذي يُقيِّد حرية الشخص، وتَكفر بكل نصٍّ فيه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهي كفرٌ بكل نصٍّ فيه إقامة الحدود، وهكذا.

فكلاهما كفرٌ مُخرجٌ مِن الملة، أما المعين فيحتاج إلى توافر الشروط وانتفاء الموانع.

لكن أنبه إلى أمر: بعض الناس جهلًا منه لا يعرف معنى الليبرالية ويظن أنَّ الليبرالية تعني الثقافة والاطلاع والمعرفة… إلى غير ذلك، بل بعضهم صار يسمي كل داعية للاختلاط ليبراليًّا، وهذا خطأ، داعية الاختلاط قد يكون شهوانيًّا ولا يلزم أن يكون ليبرالية، فليس مَن فعلَ معصية أو دعا إلى معصية يكون ليبراليًّا.

وأيضًا الزعم بأنَّ الليبرالية هي الثقافة هذا خطأ، فإنها لا تعني الثقافة بحال، لا مِن قريب ولا من بعيد، وإنما تعني الحرية، لذلك تجد مِن أجهل الناس وأغبى الناس هؤلاء الليبراليون؛ لأنهم مِن أبعد الناس عن الثقافة، وإنما اشتهروا بأمور ليس هذا موضع بسطه والكلام عليه، لكن المهم الذي يهمني أن تعرف أنَّ الليبرالية كفر، لكن بعض الناس ينتسب إليها ويظن أنَّ معناها الثقافة، فمثل هذا لا يُكفَّر لكن يُخطَّأ ويُبيَّن له الحقيقة.

وفي المقابل مَن يُبالغ ويسمي كُلَّ داعيةٍ للاختلاط أو سماع الغناء أو غير ذلك يسمي هؤلاء بالليبرالية، هذا خطأ، بل هم أصحاب شهوات، بل صدقوني إن تسمية هؤلاء بالليبرالية فيه ضرر كبير وهو تكثير سواد الليبراليين الذين تبنَّوا الليبرالية على مبادئها الكفرية، فيجب أن نُفرِّق بين هؤلاء وهؤلاء.

هذا هو الجواب المختصر حول هذا، وأسأل الله أن يعلمنا ما ينفعنا وأن ينفعنا بما علمنا.

521_1


شارك المحتوى:
0