يقول السائل: ما الضابط في العدل بين الزوجات؟ وهل تجب التسوية بينهن في السفر والمناسبات والهدايا ونحو ذلك؟
الجواب:
إنَّ الكلام على هذا الجواب يطول إطالةً لا يناسب عادةً في مثل الإجابات عن هذه الأسئلة، لكني أُشير إلى ما تيسَّر إن شاء الله تعالى.
ينبغي أن يُعلَم أنَّ في العدل بين الزوجات أدلةً هي أصلٌ في ذلك، ومِن ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ [النساء: 129] ففي هذه الآية بيَّن ربنا سبحانه أنَّ المُعدِّد لا يستطيع أن يعدل بين النساء، وفي المقابل لا يصح له أن يميل كُلَّ الميل، لكن لو حصل له بعض الميل فإنه غيرُ مُؤاخذٍ بذلك.
وقد روى ابن جرير عن عَبيدة السلماني أنه فسَّر ذلك بالحب والجماع، أي ليس مؤاخذًا في عدم العدل في الحب والجماع، وأشار ابن بطَّال إلى أمرٍ دقيقٍ، وهو أنَّ المحرم هو الميل كُلَّ الميل، لكن لو حصل شيءٌ مِن الميل فإنه ليس محرمًا، وهذا سيأتي فيما يتعلق بالعدل في السكن والنفقة والكسوة والمبيت -إن شاء الله تعالى-.
ومِن الأدلة ما ثبت عند أبي داود مِن حديث حكيم بن معاوية بن حيدة القشيري عن أبيه، قال: قلت يا رسول الله، ما حق زوجة إحدانا عليه؟ قال: «أن تطعمها إذا طعمت، وتكسوها إذا اكتسيت، ولا تضرب الوجه ولا تُقبِّح ولا تهجر إلا في البيت».
وأخرج مسلم مِن حديث جابر -رضي الله عنه- أنَّ النبي ﷺ قال: «ولهُنَّ عليكم رزقهنَّ وكسوتهنَّ بالمعروف».
فهذه الأدلة أصلٌ في باب العدل بين النساء.
إذا تبيَّن هذا فإنه ينبغي أن يُعلَم أنَّ العدل بين الزوجات واجبٌ بإجماع أهل العلم، حكى الإجماع الإمام الشافعي، وابن قدامة، وشيخ الإسلام ابن تيمية، ويدل على ذلك عموم الأدلة في وجوب العدل.
ثم ينبغي أن يُعلَم أنَّ العدل في أمورٍ خمسة:
الأمر الأول: العدل في السكن، بحيث إنه يكون لكلِّ امرأةٍ سكنٌ يكفي حاجتها ويليق بمثلها عُرفًا، ولا يتقصَّد الظلم في تفضيل إحداهُنَّ على الأخرى، كما بيَّن ذلك الإمام الشافعي -رحمه الله تعالى-، أي لا يتقصَّد التفاوت بينهن في السكن لدافع الظلم، فإنَّ هذا محرم.
لكن ليُعلم أنَّ العدل في السكن ليس واجبًا مِن جهة دون جهة، هو واجب مِن جهة أن يكون لكل امرأةٍ سكنٌ يليق بمثلِها ويكفي لحاجتِها، لكن ليس واجبًا بمعنى التساوي بينهنَّ في السكن، فقد تُفضَّل إحداهُنَّ في السكن على الأخرى لأسبابٍ، فإنَّ مثل هذا جائز، فالعدلُ فيما زاد على الحاجة ليس واجبًا وليس داخلًا في قوله تعالى: ﴿فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ﴾ بل هو مَيْلٌ دون الكُل، كما يُستفاد مِن كلام جمهور العلماء، وقد ذهب إلى هذا المالكية والشافعية والحنابلة في قول، وهو قول الإمام أحمد في رواية.
الأمر الثاني: العدلُ في النفقة، والنفقةُ واجبةٌ على الرجل بالدليل المتقدم ذكره، لما قال ﷺ: «أن تطعمها إذا طعمت، وتكسوها إذا اكتسيت …» الحديث، وبإجماع أهل العلم الذي حكاه النوويُّ -رحمه الله تعالى-.
لكن ينبغي أن يُعلَم أنَّ مقتضى العدل أن يُنفَق على كلِّ امرأةٍ ما يكفيها ويكفي حاجتها ويصلُح لمثلِها، وما زاد على ذلك بأن تُفضَّل إحداهُنَّ على الأخرى في الهدايا وغير ذلك، فإنَّ هذا ليس محرَّمًا، كما ذهب إلى هذا المالكية والشافعية وهو قول عند الحنابلة، ورواية عن الإمام أحمد، ومثل هذا ليس داخلًا في قوله تعالى: ﴿فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ﴾، بل هو بعضُ الميل الذي ليس محرَّمًا.
واستدلَّ العلماء على ذلك بأمور، وهو بفعل النبي ﷺ مع عائشة -رضي الله عنها- في كثيرٍ مِن الأمور، بأن جعل لها ما لا يجعل لغيرِها ﷺ، كما في قصة عائشة وحفصة لما سافرا معه ﷺ، وكان يأتي دائمًا عند عائشة ويحدِّثُها في كل ليلة، دون أن يأتي إلى حفصة -رضي الله عنها-، والقصة معروفة.
الأمر الثالث: العدلُ في الكِسوة، ومثل هذا واجب بدلالة الإجماع الذي حكاهُ ابن قدامة، والنووي، -رحمهما الله تعالى-، وكسوة الرجل للمرأة واجبة كما تقدم في حديث معاوية بن حيدة القشيري عن أبيه.
إلا أنه يُقال في الكِسوة ما تقدم وذُكِر في النفقة، بأن تُكسى كلُّ امرأة ما يناسبها ويكفي حاجتها، ولو فضَّل إحداهُنَّ على الأخرى فيما زاد عن ذلك، فليس مُخالفًا للعدل.
الأمر الرابع: العدلُ في المبيت، بأن يبيتُ عندَ كلِّ امرأةٍ ليلة، أو ليلتين، بعدلٍ بالتساوي بينهنَّ، وليس معنى العدل في المبيت أن يعدِل في الجماع أو في الحب، فإنَّ العدل في الجماع ليس واجبًا بالإجماع، حكى الإجماع ابن قدامة -رحمه الله تعالى-، وتقدم تفسير عَبيدة السلماني لقوله تعالى: ﴿فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ﴾.
وينبغي أن يُعلَم أنه إذا تزوَّج الرجلُ بِكرًا -أي امرأةً ثانيةً أو ثالثةً أو رابعةً- فإنَّ له أن يجعل لها سبعة أيام، وهذا حقٌّ لها، ويجعل لبقية نسائِه يومًا يومًا، وإن تزوَّج ثيِّبًا فإنه يجعل لها ثلاثة أيام ويجعل لباقي نسائِه يومًا يومًا، لكن يصح أيضًا أن يجعل للثيِّب سبعة أيام ثم بعد ذلك يُسبِّع لكُلِّ نسائِه، أي أن يجعل للثاني والثالثة والرابعة سبعة أيام أيضًا، يعني يجعل للبقية سبعة أيام.
ويدل لذلك ما خرَّج مسلم مِن حديث أم سلمة -رضي الله عنها- أنَّ رسول الله ﷺ لمَّا تزوَّج أمَّ سلمة أقامَ عندها ثلاثًا، وقال: «إنه ليس بكِ على أهلِك هوان، إن شئتِ سبَّعتُ لكِ، وإن سبَّعتُ لكِ سبَّعتُ لنسائي»، إذن إذا تزوَّج ثيِّبًا وجعلَ لها سبعة أيام فإنه يجعل لبقية نسائه سبعة أيام، وقد ذهب إلى هذا الإمام الشافعي والإمام أحمد وغيرُهما مِن أهل العلم.
وإذا أراد السفر فقد ثبت في الصحيحين مِن حديث عائشة -رضي الله عنها- أنَّ النبي ﷺ إذا أراد السفر أقرَع بين نسائِه، فأيَّتهنَّ خرجت عليها القُرعة سافرَتْ معه ﷺ، فهذا هو الأصل وهو أن يُقرِع بين نسائِه إذا أراد أن يسافر، لكن يُفرَّق -والله أعلم- بين أن يريد الرجل السفر فيحتاج إلى امرأة فإنه يُقرِع بينهنَّ، وبين أن يُسافر لأجل المرأة نفسها، لأجل أن يُنزِّهها، فإنَّ مثل هذا -والله أعلم- لا يكون بالقرعة؛ لأنَّ سفره ليس لحاجتِه هو وكانت المرأة تبعًا له، بل سفره في الأصل لأن يُنزِّه زوجته، وهكذا، ففي الحال الثاني -والله أعلم- يحتاج إلى العدل ولا يرجِع إلى القرعة، بخلاف أن يُسافر هو سفرًا لحاجتِه ثم يريد أن تصحبه إحدى نسائه، فإنَّ في مثل هذا يقرَع بينهنَّ قرعةً كما فعلَ النبيُّ ﷺ.
الأمر الخامس: الإيواء، والمراد بالإيواء: أي مُكثُه عند زوجتِه، ينبغي أن يُعلَم أنَّ عِماد القَسَم هو الليل، وهذا بلا خلاف بين أهل العلم كما حكاهُ ابن قدامة، إلا أن يكون الرجل ممن يعمل ليلًا ويبيت ببيتِه نهارًا، فإنَّ عِماد القَسَم يكون نهارًا، ذكر هذا الشافعية والحنابلة.
وينبغي أن يُعلَم أمرٌ يُفرِّط فيه كثيرٌ مِن المُعدِّدين، وهو أنه لا يخرُج في يوم الأولى إلى بيت الثانية أو إلى بيت الثالثة وهكذا، إلا لحاجة، ويُشدَّد في الحاجة في الليل أكثَر مِن النهار؛ لأنَّ عِماد القَسَم ليلًا، وكلام الفقهاء مِن علماء المذاهب الأربعة وغيرهم شديدٌ في هذا للغاية، فلا يخرج إلا لحاجةٍ لا بد منها لاسيما ليلًا؛ لأنَّ وقت الإيواء هذا لزوجته الذي هو يومُها، فلا يخرج إلى زوجته الأخرى إلا لحاجة، ويُشدَّد في الحاجة ليلًا أكثر منها نهارًا، وكلام العلماء شديدٌ للغاية، ومَن نظرَ فيه عرفَ أنَّ كثيرًا مِن المعددين مُقصِّرون في مثل هذا.
هذه جملة ما يتعلق بالعدل بين النساء المُعدَّدات.
أسأل الله الذي لا إله إلا هو أن يعلمنا ما ينفعنا وأن ينفعنا بما علمنا.
