ما الرد على من يقول إن المسلمين طلقوا الدنيا وتزوجها الكفار واستغلوها ضدنا وأن الأمر بالإصلاح في الآيات هو عمارة الأرض؟


يقول السائل: أرسلت لك مقطعًا للذي يقول: بسبب تطليقنا الدنيا تزوجها الكفار واستغلوها ضدنا. وذكر بعض آيات الإصلاح فأرجعها إلى إصلاح الدنيا ودعا للديمقراطية دون الشورى …إلخ، فليتك تُعلق عليه.

الجواب:

قد استمعت لهذا المقطع الذي لا أعرف المتكلم فيه، لكن استمعت إلى الكلام كاملًا، وقبل الإجابة عن هذا الكلام أحب أن أُقدم بمقدمتين مختصرتين:

المقدمة الأولى: إننا مأمورون أن نتحاكم في كل ما تنازعنا فيه إلى كتاب الله وإلى سنة النبي ﷺ، كما قال سبحانه: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِر﴾ [النساء: 59].

ومأمورون ألَّا نستقِلَّ بأفهامِنا وما تُزيِّنه لنا زبالة أذهاننا، بل نرجع إلى ما عليه سلف هذه الأمة حتى لا نُحدِث أفكارًا وآراءً تُخالف شرع الله، قال الله عز وجل: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ﴾ [التوبة: 100] وقال سبحانه: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنتُمْ بِهِ فَقَدْ اهْتَدَوا﴾ [البقرة: 137] فلا بد أن نؤمن كما آمن الصحابة الأولون حتى نكون مهتدين.

وقال سبحانه: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقْ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: 115] فيجب أن نتبع سبيل المؤمنين وألا ننفرد بأفهامنا، نتبع ما عليه الصحابة والتابعون لهم بإحسان، وهذا مهم للغاية حتى نُغلق الاجتهادات البشرية والفلسفات التي تكون من بعض الناس.

المقدمة الثانية: إنَّ كثيرًا مِن الليبراليين والعلمانيين وأمثالهم هم في حقيقة أمرهم يدعون للتحرر من شرع الله بدافع شهواني لأجل الوصول للمرأة ولغير ذلك من الأمور الكثيرة، ومما يتذرَّعون به في ذلك أنهم يقولون: إنَّ الدِّين لما تسلَّط في القرون الوسطى على أوربا حرمها التقدُّم، وحرَّم عليها الصناعات والابتكارات وغير ذلك، فلا نريد الدِّين أن يتسلط علينا حتى لا يحرمنا التقدم …إلخ.

فيقال: شتان بين ديننا ودين النصارى، فدين النصارى دين كفريٌّ محرَّف ومنسوخ بديننا المُنزَّل مِن الله، الذي فيه الهداية في الدنيا والآخرة، ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: 9] في الدنيا والآخرة.

والأمر الثاني: مَن مِن علمائنا يقول لا تتقدَّموا في الصناعة؟ ولا تسابقوا الكفار في الصناعات وغير ذلك؟ أيُّ دليل مِن كتابٍ أو سنة يدعو إلى ذلك؟ هذا لا وجود له إلا في خيال هؤلاء ليتذرَّعوا به إلى غيرهم، فلذلك لا يصح أن نرد دين الله بهذه الأوهام، والله يقول في القرآن في آية واضحة بيِّنةٍ: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: 60].

فنحن مأمورون أن نعد لهم في كل ما نستطيع من الصناعات وغيرها، بشرط ألا تُخالف شرع الله.

فهذا الذي يفتريه هؤلاء لأجل محاولة خلع اللباس الدِّيني باسم الدِّين -لأنهم لا يستطيعون أن يواجهوا الناس بالحقيقة- هذا ينبغي أن نكون له فطنين وأن نكون حذرين.

بعد هاتين المقدمتين أُعلق على كلامه سريعًا كما هو حال الإجابات بأن تكون مختصرةً، قال: (طلقنا الدنيا فتزوجها الغربيون فأنشأت لهم القوة …)، يقال: هذا لا وجود له إلا في ذهن هذا المتكلم، وإلا شريعتنا تدعو لما تقدم ذكره، وتطليق الدنيا بهذا المعنى خطأ، أما الزهد فيها وعدم تعلق القلب بها فهذا شيء آخر.

لكن ألا نستعملها في طاعة الله وفي عز الإسلام والمسلمين وكسر الكافرين، فهذا من الوهم الذي لا يوجد إلا في ذهن هذا المتكلم، وهو من جهله وعدم معرفته بشرع الله، وإلا نبئوني أي عالم يدعو إلى هذا؟ والله لو طاف الأرض شرقًا وغربًا فلن يجد أحدًا من علمائنا المعروفين من أئمة السنة يدعون إلى تطليق الدنيا بهذا المعنى، فلذلك هو افترض شيئًا في ذهنه فزخرف القول بإنكاره.

الأمر الثاني: دعا إلى الديمقراطية دون الشورى، وبرَّر بمبررات عجيبة، فإن كان يتكلم بمنطلق شرع الله وما تقدم ذكره من الأدلة، فشرع الله واضح، فالله سبحانه يقول لمحمد ﷺ: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ [آل عمران: 159] ولم يأمر بالديمقراطية التي لم يعرفها إلا الكافرون ولم يأت بها إلا أولئك الكافرون، فكيف بالله عليك باسم الدِّين تدعو إلى ترك الدِّين وما أمرت به الشريعة؟ وهذا يدل على أحد أمرين، إما أنك تجهل دين الله، أو أنك تدعو إلى ترك دين الله باسم الدِّين.

وهذا ليس غريبًا، وأنا لا أجزم في حال المتكلم لكن أتكلم من حيث الجنس والنوع، فليس غريبًا، فإنَّ المنافقين كانوا يتكلمون بدين الله حتى يُخرجوا الناس من دين الله، وحتى يجعلوا ذلك تذرُّعًا في حمايتهم مِن قيل الناس وقولهم أو من سيف السلطان.

قال سبحانه: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ﴾ بنشر الباطل والتلبيس والمعاصي والذنوب ﴿قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * أَلا إِنَّهُمْ هُمْ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [البقرة: 11-12].

فلا يُغترّ بأقوالهم وتحسين قولهم، وذكر الله في سورة المنافقون: ﴿وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ﴾ [المنافقون: 4] فيُخرجون القول الحسن، ويريدون إخراج الناس من الدين باسم الدين.

والشريعة جاءت بالشورى ولم تأت بالديمقراطية؛ لأنَّ الديمقراطية مبنيةٌ على ما يُصوت ويدعو إليه الأكثرون ولو دعوا إلى ما يُخالف شرع الله، فلو دعا أكثر الناس إلى عدم تحكيم شرع الله، وإلى عدم قطع يد السارق، وإلى عدم …إلخ الأحكام التي جاءت بها الشريعة، فإنَّ مقتضى الديمقراطية القول بقولهم.

وأيضًا مشكلة الديمقراطية أنها ترجع إلى الكم لا إلى الكيف، ومن باب التقريب: لو أتى عالمٌ فذٌّ في أمور الدنيا وصوَّت بصوتٍ، فإنَّ صوته مثل صوت رجلٍ آخر جاهل بأمر الدنيا والدين، بل لو صوَّت اثنان من هؤلاء الجهَّال بأمر الدنيا والدِّين فإنَّ صوتهما مُقدم على ذلك العالم المتميز.

لذا أكثر مَن يفوز بالديمقراطية من له نفوذ، إما نفوذ قبلي، أو سياسي، أو مالي …إلى غير لك، لا أنها ترجع إلى إبراز الأميَز، فهي مبنية على الكم لا على الكيف.

أما الشورى: فإنَّ الأمر بيد الحاكم، والله حسيبه، والناس وأهل الحل والعقد والرأي يشورون عليه، وهو يأخذ مشورة ما يراه الأنسب، فإن قصَّر فالله حسيبه، وإن جاء تقصير أو ظلم فهو من جهة رجل واحد وهو الحاكم ومن حوله، بخلاف الديمقراطية فإنه يتولى اليوم جماعة فيسرقون وينهبون؛ لأنهم سيعلمون أنه يأتي يوم وينفلت الأمر منهم ثم يأتي مَن بعدهم، وهكذا.

فبدلًا من أن يكون البلاء من حاكم واحد ظالم ومَن حوله -وهم معدودون- ومهما سرقوا فليس بالعدد الكبير الذي يفعله دعاة الديمقراطية ومَن تولَّى الديمقراطية، لأن عددهم محدود وهو يريد البقاء ويريد أن يُثبت نجاحه، إلى آخر المبررات الكثيرة، فإنَّ هناك فرقًا بين هذه الديمقراطية وبين ما جاءت به الشريعة.

فإن كان الرجل محكِّمًا لشرع الله ومُعظِّمًا له كما يُظهر ذلك بذكر الأدلة، فيجب أن يَعلم أنَّ شرع الله جاء بالشورى ولم يأت بالديمقراطية، فإن كان صادقًا في تعظيم شرع الله فليتمسَّك به دون ما زيَّنت له نفسه.

ثم ذكر كلامًا للمودودي وأنه يعتمد على هذا الكلام، ويُقال: إنَّ المودودي معروف بمخالفاته الشرعية العظيمة في باب التوحيد وغيره، بل هو ضد توحيد الله الذي أجمعت عليه الأنبياء والمرسلون، والكلام على المودودي وضلالاته كثيرة، والعجيب أنَّ الكاتب لم يجد إلا مثل المودودي ويفزع إلى كلامه وهو الذي تقدم أنه محاربٌ لتوحيد الله ولا يُبالي بصحابة رسول الله ﷺ، فكيف يفزع إلى المودودي دون غيره؟

أما الأمر الأخير الذي أريد أن أذكره على عجالة: يذكر أنَّ الإصلاح المذكور في كتاب الله هو راجعٌ لإصلاح الدنيا دون إصلاح الدِّين، ويقول: هذا الإصلاح الذي يكون به البقاء في الأرض، فإذا كنت تريد البقاء في الأرض فلابد أن تكون مصلحًا في الدنيا لا في الدين.

وهذا من الضلال المبين، وأُذكر المتكلم بقوم عاد، فقد أوتوا قوة وإصلاحًا وتميزًا في أمور الدنيا، ومع ذلك سلط الله عليهم سبحانه وتعالى، وذكر المتكلم قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِي الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء: 105] وجعلَ المتكلم الصالحين في إقامة الدنيا، وهذا خطأ لأسباب كثيرة، من أهمها أنَّ قوم عاد أصلحوا الدنيا وعاقبهم الله وسلط عليهم بعقوبته، ثم إن تكملة الآية: ﴿إِنَّ فِي هَذَا لَبَلاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ﴾ ففيها نظرٌ إلى الصلاح في الدين لا في الدنيا فحسب.

ثم لو تأملتم المنافقين جعلهم الله مفسدين لأنهم مفسدون في الدين لا في الدنيا، قال: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون: 1] وفي سورة البقرة قال: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ [البقرة: 11] أيُّ إفساد؟ هو إفساد الدِّين.

إذن الصلاح الذي امتدحه الله في كتابه في الصلاح الدينيّ لا الدنيوي كما يظن هذا الكاتب، ويؤكد ذلك أنَّ الله خلقنا للآخرة والدنيا تبع، وليس معنى هذا ترك إصلاح الدنيا، بل هذا مطلوب، لكن هذا شيء وتحريف كتاب الله وتغييره بحسب الأمزجة والآراء المُخالفة لشرع الله شيءٌ آخر.

والتعليق على كلام هذا الرجل كثير، لكن أردت بهذا الإشارة لعل فيها هداية لمن أراد الله هدايته، أسأل الله أن يهديني وإياكم وهذا المتكلم والمسلمين أجمعين لما يُحب ويرضى.

أسأل الله أن يعلمنا ما ينفعنا وأن ينفعنا بما علمنا.

394_1


شارك المحتوى:
0