ما الرد على من قال بأنَّ أهل السنة في مسائل الاعتقاد على ثلاثة مذاهب، متأخرو الحنابلة والأشاعرة والماتريدية؟ ومَن أول من قسم هذا التقسيم؟


يقول السائل: ما الرد على من قال بأنَّ أهل السنة في مسائل الاعتقاد على ثلاثة مذاهب، متأخرو الحنابلة والأشاعرة والماتريدية؟ ومَن أول من قسم هذا التقسيم؟

الجواب:

إنَّ مَن ذكر هذا فهو مخطئ ولابد؛ وذلك أنَّ الأدلة صريحة في أنَّ أهل الحق فرقة واحدة، فاعتقادهم واحد، كما قال الله عز وجل: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: 153].

وثبت عند أحمد والنسائي في (الكبرى) عن ابن مسعود -رضي الله عنه- أنَّ النبي ﷺ خطَّ خطًّا مستقيمًا، وخطَّ خطوطًا عن يمينه وعن شماله، وقال: «هذه سبل، وعلى رأس كل واحدة منها شيطان يدعو إليها»، وقال عن الخط المستقيم: «﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾»، فدلَّ هذا على أنَّ أهل الحق فرقة واحدة.

وثبت عند أحمد وأبي داود من حديث معاوية بن أبي سفيان -رضي الله عنه- أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «ستفترق أمتي على ثلاثٍ وسبعين ملة، كلها في النار إلا مِلة واحدة وهي الجماعة» فدلَّ هذا على أنَّ أهل الحق فرقة واحدة.

وثبت عند الخمسة إلا النسائي من حديث العرباض بن سارية أنَّ النبي ﷺ قال: «إنه من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإنَّ كل محدثةٍ بدعة».

والحديث صححه البزار وابن عبد البر، وأبو نعيم الأصفهاني، وابن القيم، والعلامة الألباني، وهو صريحٌ في أنَّ التفرُّق في الأمة بسبب البدع، وأنَّ أهل الحق فرقة واحدة وهم ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه.

إلى غير ذلك من الأدلة.

إذا تبيَّن هذا، تبيَّن أنَّ ما تقدم السؤال عنه من أنَّ هذه الفرق الثلاث كلها على الحق خطأ قطعًا؛ لأنه بالأدلة الشرعية أهل الحق فرقة واحدة، وهذه الفرق الثلاث ليست على عقيدة واحدة، فليست الأشاعرة ولا الماتريدية على اعتقاد أهل السنة، وذلك أنَّ الأشاعرة مُخالفون لأهل السنة ومثلهم الماتريدية في أشياء كثيرة، فكلاهما يقولان إنَّ العمل ليس من الإيمان، وكلاهما لا يقبلان خبر الآحاد في العقائد، وكلاهما لا يُثبتان الإرادة الشرعية وإنما يقتصران على الإرادة الكونية، لذا هم جبرية في باب أفعال الله عز وجل، إلى غير ذلك.

وأيضًا كلاهما لا يُثبتان الأسماء والصفات على طريقة أهل السنة، بل الدليل في الإثبات عندهم العقل، ثم الأشاعرة اشتهر عنهم أنهم يُثبتون سبعًا أو ثمانيًا من الصفات، والماتريدية أكثر، بخلاف بقية الصفات التي جاءت بها الأدلة الشرعية.

فالمقصود أنهم على طريقة ضالة ومبتدعة على خلاف معتقد أهل السنة.

أما متأخرو الحنابلة فهم مختلفون، وكثير منهم عنده اضطراب، فأبو يعلى عنده اضطراب في باب الاعتقاد، فقد أصَّلَ كتاب (إبطال التأويلات) على طريقة المفوضة، وفي المجلد الأخير وقع في التأويل، وابن قدامة يُؤصِّل للتفويض كما في كتابه (روضة الناظر) وفي كتابه (لمعة الاعتقاد)، وقد ذكر أنَّ ما أشكل فإنه يُفوَّض مِن جهة العلم، وهذا خلاف معتقد أهل السنة.

فإذن الحنابلة عندهم اضطراب، وقد أشار لهذا شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى-.

أما البهوتي وغيره فإنَّ عندهم تأويلًا للصفات واضح في شروحهم وكتبهم، فقد أوَّلوا الرحمة بإرادة الإنعام، إلى غير ذلك، فمتأخرو الحنابلة ليسوا على درجة واحدة في الاعتقاد، منهم من اضطرب ومنهم من سلَكَ مسلك التفويض، ومنهم من سلكَ مسلك التأويل.

أما شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم وابن رجب، إلى أمثال هؤلاء، فإنهم أئمة مبرِّزون في هذا الباب، ولا يُشق لهم غبار، بل إنهم المحققون والمرجع في معرفة اعتقاد السلف وبيانه -رحمهم الله تعالى-.

لكن من حيث الجملة اعتقاد الحنابلة خيرٌ مِن اعتقاد متأخري أصحاب المذاهب الأربعة من حيث الجملة، كما بيَّن هذا ابن تيمية -رحمه الله تعالى-.

فالواجب أن نعرف الحق وأن نسلكه وأن نتبعه، وأن نعرف الباطل وأن ننتهي عنه وأن نتركه، أسأل الله عز وجل أن يجعلنا للحق متبعين، وألا نتعصب لأحد ولا على أحد.

ومما تأسَّفت له أني رأيت أحد المعاصرين ممن يهتم بشرح المذهب الحنبلي قد قرَّر التفويض اعتقادًا للسلف، وقال: إنَّ الاعتقاد السلفي فيه قولان، إما التفويض أو الإثبات، وهذا خطأ قطعًا ومُخالف لما أجمع عليه أهل السنة ولما بيَّنه شيخ الإسلام وبسط الكلام فيه، إلى غير ذلك.

أسأل الله أن يحيينا جميعًا على التوحيد والسنة وأن يُميتنا على ذلك.

402_1


شارك المحتوى:
0