يقول السائل: لماذا النساء لا يتحمَّلن بأن يتزوج الزوج عليها بالثانية؟ وعندما أحلَّ الله أربعًا من النساء للرجل لماذا لم يجعل الله في المرأة صبرًا على هذا؟
الجواب:
هذا السؤال مهم ويُحتاج إليه، لذا أُقدم في الجواب عنه بمقدمتين باختصار:
المقدمة الأولى: أن نعلم أنَّ الله أحكم الحاكمين، كما قال سبحانه: ﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ﴾ وقال سبحانه: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ [التين: 8] إلى غير ذلك من الآيات.
إلا أنَّ كثيرًا من الناس قد لا يرى حكمة الله وقد لا يعرفها، لذا قال سبحانه: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النور: 19] في أكثر من آية، فيجب علينا أن نُسلِّم لحكمة الله، فإنَّ أحدنا إذا عرضَ نفسه على طبيبٍ حاذِقٍ سلَّمَ له، وقد يبقر الطبيب بطنه ومع ذلك قد سلَّم له بُغية الشفاء وثقةً في الطبيب، هذا إذا كان في إنسان مثلنا فكيف في حق ربنا سبحانه وتعالى؟
وإذا أردنا أن نعرف تباين الحكمة بيننا وبينه سبحانه، فلننظر إلى تباين ذاتنا بالنسبة إلى ذاته سبحانه جل جلاله وعظم سلطانه، فيجب أن نُسلم وأن نعلم أنَّ الله أحكم الحاكمين، وكلما كان الإيمان أكمل كان يقيننا بحكمة الله أعظم.
المقدمة الثانية: أن نعلم أنَّ الله لا يكلفنا إلا ما نطيق، كما قال سبحانه: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: 16] وقال سبحانه: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286].
إلا أنَّ المشقة نوعان:
النوع الأول: المشقة بمعنى التعب في القيام بالعبادة، فهذا ليس مُسقطًا للحكم الشرعي، كالتعب الموجود في الجهاد، ففي الصحيحين قال النبي ﷺ لعائشة -رضي الله عنها- لما ذكرت التعب في الحج، قال: «لَكِنَّهَا عَلَى قَدْرِ نَفَقَتِكِ أَوْ نَصَبِكِ» أي على قدر تعبك، فالتعب في الجهاد والحج وغيرهما من الأعمال ليس مُسقطًا للحكم الشرعي، بل يعظم الأجر بقدره.
النوع الثاني: المشقة بمعنى المرض أو الزيادة في المرض، أو تأخر البُرْء والعلاج …وغير ذلك، فهو عذرٌ شرعيٌّ، كما قال النبي ﷺ لعمران -رضي الله عنه- لما اشتكى إليه أنَّ به بواسير، قال النبيُّ ﷺ لعمران بن حصين: «صلِّ قائمًا فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب».
وقد ذكر هذين النوعين الإمام ابن القيم -رحمه الله تعالى-.
بعد هاتين المقدمتين، أنتقل إلى الجواب عن السؤال، وذلك يكون بذكر أمرين اثنين:
الأمر الأول: أنَّ في التعدد حِكمًا عظيمة، علمهُ من علمه وجهلهُ من جهله، وقد أقرَّ بذلك كثير من الباحثين والدارسين، سواء من المسلمين أو الكافرين، بل وأقرَّت بذلك كثير من النساء المسلمات، بل وأقرَّ بذلك جمعٌ من النساء الكافرات.
فإنَّ في التعدد فوائد كثيرة، ومن هذه الفوائد والحِكم: أنَّ عدد النساء أكثُر من الرجال، وذلك يرجع إلى أمور: وهو أنَّ أسباب الوفيات والموت عند الرجال أكثر من النساء، بأن يموت الرجل في القتال أو في القيام بمشاق العمل وغير ذلك، فلذلك شرعت الشريعة التعدد حتى تُعف أكثر عدد ممكن من النساء.
ومن الحِكم كثرة الأولاد والذرية، فإنَّ هذا محبوب إلى الله ورسوله ﷺ، ومِن الحِكم إعفاف الرجل، فإنَّ الرجل قد لا تُعَف نفسه بامرأة، فيحتاج إلى امرأة ثانية وثالثة، بل ورابعة حتى يعف نفسه، فإنه ما خُلق إلا لعبادة الله ومن عبادة الله إعفاف النفس حتى لا يقع فيما حرم الله.
ومن الحِكم أنَّ المرأة كلما تقدَّم بها العمر قَلَّ تعلقها بزوجها وانشغلت بطبيعتها البشرية بأولادها وأولاد أولادها، والرجل كلما تقدم العمر تعلَّق بالمرأة أكثر، لذا شرعت الشريعة التعدد، فإنَّ في هذا رحمةً بالرجل حتى يجد امرأة يتعلق بها وهي تتعلق به ولازالت في أوائل عمرها، وفي المقابل يُوسِّع على زوجته الأولى بألا يُشغلها ويُتعبها لأنها بدأت تميل إلى أولادها وأولاد أولادها وبناتها وبنات بناتها، إلى غير ذلك.
فحِكم التعدد كثيرة لا يتسع المقام لذكر إلا ما تقدم، وهو إشارة لبعض حكمها.
الأمر الثاني: أن تعلم المرأة أنها غير مُلامة على غيرتها وعلى تأثُّرها لأجل تعدد زوجها، وهذا ليس محرمًا، بل هذا كره طبعي، وقد قال الله تعالى في القتال: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 216].
فالكره الطبعي لا يأثم عليه العبد، وإذا احتسبه أُثيب على ذلك، فلا لوم عليها، وخير النساء أزواج النبي ﷺ، وقد رُويَ عنهُنَّ قِصصٌ كثيرة في غيرتِهِنَّ لاسيما عن الصدِّيقة بنت الصدِّيق أم عبد الله عائشة بنت أبي بكر الصديق -رضي الله عنهما-.
وهذا فيه تسلية للمؤمنات ألَّا يحزنَّ حزنًا شديدًا على وجود الغيرة، وإن كانت تسعى إلى تخفيفها، وأيضًا فيه تسلية للأزواج أن يحلموا على أزواجهنَّ كما حَلِمَ رسولُ اللهِ ﷺ على زوجته، لكن أَدْعُو المرأة أن تجاهد نفسها على أن تُخفف هذه الغيرة.
فإذن المرأة لا تُلام على كرهها الكره الطبيعي وإن كانت تُقر به شرعًا ولا تُنكره؛ لأنَّ إنكاره شرعًا كفر -والعياذ بالله- فهو منصوصٌ في القرآن: ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: 3].
لكن لتعلم المرأة أنَّ التعدد مصيبة من المصائب التي قدَّره الله عليها، كأن تُصاب المرأة بشللٍ أو بسرطان -عافاني الله وإياكم- أو بموت ولدها، أو بموت جميع أولادها، أو بموت أمها وأبيها، أو بذهاب بصرها، إلى غير ذلك من الأمراض، والواجب أن يُقابل بالصبر، وأن يُجتهد أن يصل العبد إلى درجة الرضا، فإنها درجةٌ عالية.
وقد ذكر الله أجر الصابرين وأجر الصبر كما قال سبحانه: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: 10].
الله أكبر! أجرٌ عظيمٌ لِمَن صبرَ، والصبر يحصل بأمور عظيمة، وهو سببٌ لراحة البال، حتى قال عمر فيما علَّق البخاري: “وجدنا خير عيشنا بالصبر“.
والصبر يحصل بأمور، من أهمها:
الأمر الأول: الدعاء، فهو مفتاحٌ عظيمٌ لكل خير.
الأمر الثاني: المصابَرة والمجاهدة لحصولِ درجة الصبر، كما قال النبي ﷺ في حديث أبي سعيد في الصحيحين: «ومن يتصبَّر يُصبِّرهُ الله».
الأمر الثالث: تذكر أجر الصبر، فإنَّ أجره عظيم كما تقدم ذكر شيء من ذلك.
الأمر الرابع: أن يتفكَّر العاقل في حاله إذا لم يصبر، فإذا لم يصبر ذهب عليه الأجر، بل أثم؛ لأنَّ الصبر واجب بالاتفاق كما حكاه شيخ الإسلام ابن تيمية كما في (مجموع الفتاوى) وابن القيم في كتابه (عدة الصابرين) وغيرها من كتبه، ثم الذي لا يصبر لا يحصل له مراده.
إلى غير ذلك من الأمور، ولا أحب الإطالة لأن في مثل هذه الأجوبة يكون الجواب مختصرًا.
وختامًا أوصي الرجال إذا أرادوا أن يعددوا أن يتقوا الله في الزوجة الأولى، ولا ينسوا ما كان بينهم من عيشٍ طيِّبٍ وأنه وإن تزوج الثانية فليقم بحق الاثنتين وليعدل وليتق الله فإنَّ الظلم شديد وقد حرمه الله على نفسه، كما أخرج مسلم من حديث أبي ذر أنَّ النبي ﷺ قال: «قال الله تعالى: يا عبادي، إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرمًا فلا تظالموا».
أسأل الله أن يعلمنا ما ينفعنا وأن ينفعنا بما علمنا.