قال الإمام ابن جرير الطبري في كتابه (التبصير في معالم الدين): فنقولُ يسمعُ جَلَّ ثناؤهُ الأصواتَ لا بخرقٍ في أذُنٍ ولا جارِحةٍ كجوارِحِ بني آدمَ… ثم قالَ: ونقولُ: يضحَكُ إلى مَن شاءَ مِن خلقِهِ، ولا نقولُ إنَّ ذلكَ كَشْرٌ عَن أسنانٍ …إلخ، قال السائل: فما الموقف مِن كلامِه؟


يقول السائل: قال الإمام ابن جرير الطبري في كتابه (التبصير في معالم الدين): فنقولُ يسمعُ جَلَّ ثناؤهُ الأصواتَ لا بخرقٍ في أذُنٍ ولا جارِحةٍ كجوارِحِ بني آدمَ… ثم قالَ: ونقولُ: يضحَكُ إلى مَن شاءَ مِن خلقِهِ، ولا نقولُ إنَّ ذلكَ كَشْرٌ عَن أسنانٍ …إلخ، قال السائل: فما الموقف مِن كلامِه؟

الجواب:

إنَّ مِن القواعد المتقررة عند أهل السنة والجماعة أنَّ أسماء الله وصفاته توقيفية، وقد أجمعَ العلماء على ذلك كما حكى الإجماع السجزي في رسالته إلى أهل زبيد، ويدل على ذلك كلام أئمة السنة قبله وبعده، ومِن ذلك قول الإمام أحمد -رحمه الله-: لا نتجاوز فيها القرآن والحديث. إلى غير ذلك مِن كلام أئمة السنة.

فإذا تبيَّن أنَّ أسماء الله وصفاته توقيفية، فإذَن لا يُثبَت منها إلا ما أثبته الله ورسوله ﷺ، ولا يُنفَى مِنها إلا ما نفاه اللهُ ورسوله ﷺ، وما لم يأتِ نفيهُ ولا إثباتهُ نتوقَّف فيه فلا نُثبتهُ ولا ننفيه، قرَّر هذه القاعدة شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه (التدمرية) وكما في (مجموع الفتاوى)، وذكر هذه القاعدة ابن أبي العز الحنفي في شرحه على الطحاوية، وذكرها شيخنا ابن باز في رده على الصابوني، وشيخنا العلامة محمد بن صالح العثيمين في مقدمة شرح (لمعة الاعتقاد) وفي كتابه (القواعد المثلى).

فعلى هذا، لو قال قائل: إنَّ الله يتكلم، فهل نُثبت لله لسانًا؟

فيقال: اللسانُ لم يأتِ نفيهُ ولا إثباتهُ، فيُتوقَّف فيه، لا يُثبَت ولا يُنفى.

ولو قال قائل: قد ثبَت في الصحيحين أنَّ النبي ﷺ قال: «لخلوفُ فمِ الصائم أطيبُ عند الله مِن رائحة المسك»، فهل نُثبت أنَّ الله يشُم؟ ونقول: إنَّ لله أنفًا؟

يقال: الشمُّ والأنفُ لا يُثبَت للهِ ولا يُنفَى؛ لأنه لم يأتِ نفيهُ ولا إثباتُه، وهذه قاعدة ينبغي أن تُطَّرد.

والقاعدة التي تلي هذه: طريقةُ أهل السنة أنهم يُثبتون الإثبات المُفصَّل وينفون النفي المُجمَل، وهذه هي طريقة القرآن، كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ هذا نفيٌّ مُجمل ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى: 11] هذا إثباتٌ مفصَّل، وقد بيَّن هذا ابن تيمية -رحمه الله- كما في (مجموع الفتاوى)، والإمام ابن القيم -رحمه الله-، وذكروا أنَّ هذه طريقة القرآن وطريقة الأنبياء والمرسلين.

إذا تبيَّن هذا فإنَّ ابن جرير -رحمه الله- نفى بقوله: (لا بخرقٍ في أُذُن) وينبغي أن يُعلَم أنَّ الخَرْقَ يُنفى عن اللهِ، كما بيَّن هذا ابن تيمية -رحمه الله-؛ لأنَّ الله صمد، والصمد: الذي لا خَرْقَ فيهِ، وذكر هذا شيخ الإسلام ونقلَ فيه كلامًا عن أهل السنة -رحمهم الله تعالى-، فالصمد الذي لا جوفَ له، ذكر ذلك شيخُ الإسلام ونقله عن جمعٍ مِن السلف -رحمهم الله تعالى- فدلَّ هذا على أنَّ الخرق يُنفى عن الله ولا يُثبَت له سبحانه.

وأما الأُذن فلا يُثبت ولا يُنفى؛ لأنه لم يأتِ نفيه ولا إثباته.

أما قوله: (ولا جارحةٍ جوارحِ بني آدم) الجارحة تُنفى عن الله؛ لأنَّ معنى الجارحة إذا قيل يسمع بجارحة، أو له يد بجارحة، أو قيل جارحة، الجارحة معناها: المخلوق، والمخلوق يُنفى عن الله، كما يُستفاد هذا مِن كلام شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- ومِن كلام غيره.

وقال: (يضحكُ إلى مَن شاءَ مِن خلقِهِ، ولا نقولُ إنَّ ذلكَ كَشْرٌ عَن أسنانِه) أما إثباتُ الضحكِ فقد ثبتَ في الصحيحين: «يضحكُ اللهُ إلى رجلين …» إلى آخر الأحاديث الكثيرة في إثبات الضحك.

أما قوله: (ولا نقولُ إنَّ ذلكَ كَشْرٌ عَن أسنانِه) فمثلُ هذا لا يُنفَى ولا يُثبَت؛ لأنه لم يأتِ نفيهُ ولا إثباتُه.

إذَن الخلاصة: أنَّ كلام ابن جرير في نفي الخَرْقِ صحيح، وأنَّ كلامه في نفي الجارحة صحيح، أما كلامه في أنَّ ضحكه مِن غيرِ كَشْرٍ عن أسنانٍ فمثلُ هذا لا يصح نفيهُ كما لا يصح إثباتُه؛ لأنه لم يأتِ نفيهُ ولا إثباتهُ.

أسأل الله أن يعلمنا ما ينفعنا وأن ينفعنا بما علمنا.

469_1


شارك المحتوى:
0