(طَوافُ الوداع)، وحُكمُه، وأحكَامُه .
وحُكم خروج الحجَّاجِ من مكَّة إلى جُدَّة، ونحوها لحاجة دون أن يطوفوا طواف الوداع؛ فإذا عادوا إلى مكَّة طافوا طواف الوداع قبل سفرهم إلى بلدانهم؟ فهل عليهم شيءٌ في فِعلِهِم هذا؟ .
بسم الله الرَّحمن الرَّحيم
الحمدُ لله الَّذي أتمَّ النِّعمة أعظم تتمَّة، وصلَّى الله وسلَّم على نبيِّنا الَّذي بلَّغ دينَه أحسنَ بلاغٍ للأُمَّة، ورضي الله عن صحابته حمَلَة الشَّريعة العُدول الثِّقَاتِ الهُدَاةِ الأئمَّة، ومَن تَبعهم بإحسانٍ، وعزمٍ صادقٍ، ونيَّةٍ، وهمَّة .
أمَّا بعدُ :
فإنَّ من المسَائل الَّتي كثُر عنها السُّؤال، وحصلَ لبعض الناس فيها الإشكال :
مسأَلة خروجِ الحاجِّ قبلَ طواف الوداع من مكَّة إلى جُدَّة، أو الطَّائف، أو نحوها لغرضٍ، وحاجةٍ، ثمَّ يعود إلى مكَّة بعد ذلك، ويأتي بطواف الوداع قبل سفرهِ المحدَّد؛ هل في خروج ذلك الحاجِّ من غيرِ طوافِ الودَاع من مكَّة حرجٌ ؟ مع أنَّه قد عاد إلى مكَّة بعد إتمام حاجته تِلكَ .
أم يلزمه طواف الوداع كلَّما خرج من مكَّة ؟ .
وما هو المخرجُ الشَّرعيُّ في هذا ؟ .
والجوابُ هُنَا على وَجهَين : (مجمَلٍ)، و(مفصَّلٍ) .
فأمَّا الجَوابُ المُجمَلُ؛ فهو ما يحتاجُه مَن لَيسَ مِن طُلَّاب العِلمِ مِن المشتغلين بغير العلم النَّافع الشَّرعيِّ .
وأمَّا الجوابُ المُفصَّلُ؛ فهو مَا يسعدُ بهِ طَالبُ العِلم النَّافعِ؛ لأنَّه من المُذَاكرَات العِلميَّة، الَّتي فيهَا (فِقهُ النصُّوص)، وهو من عَوَالي العِلم .
• • •
الجَوابُ المُجمَلُ :
وهو أن يُقال :
يقول الله تعالى في محكم تنزيله: (وأتِّمُوا الحجَّ والعُمرَةَ لله)، ويقول تعالى: {ثم محلها إلى البيت العتيق} [الحج: 33] .
ومنَاسِكُ الحجِّ تبدأ مِن بَيتِ الله، وتنتهي ببَيتِ الله تعَالى، وبهذا يتمُّ نُسُك الحجِّ .
قال الله تبارك وتعالى: {ومن يعظم شعائر الله، فإنها من تقوى القلوب} [الحج: 32] .
ولا يجوز لأحدٍ أتَمَّ نُسُكَه برميه جمرة العقبة الكبرى يوم الثَّاني عشر، أو اليوم الثَّالث عشر، وكان قد طاف طواف الإفاضة، ولم يَبق عليه إلَّا طواف الوداع أن يخرُج من مكَّة إلى مدينة أخرى – وبلدُه من بابٍ أولى- إلَّا بعد أن يطوف بالبيت سبعةَ أشواطٍ، بلا رَمَلٍ، ولا اضطبَاع، ثمَّ يركع ركعتي الطَّواف .
فإذا طافَ هذا الطَّوافَ؛ فله أن يخرج إلى أيِّ مدينةٍ شاء خارج مكَّة، وله أن يبقى فيها ما شاءَ .
لقوله – صلى الله عليه، وعلى آله، وسلَّم- : «لَا يَنفِرَنَّ أَحَدٌ حَتَّى يَكُونَ آخِرُ عَهدِهِ بِالبَيتِ» .
ولحديث ابنِ عباسٍ – رضي الله عنهما- قال: «أُمِرَ الناسُ أن يكُونَ آخرُ عهدِهم بالبيتِ؛ إلا أنهُ خُفِّفَ عن الحائضِ» .
فإذا عاد إلى مكَّة، ولم يكن يريد العمرة، بل يريد التَّجَهُّز للسَّفر إلى بلده عمِلَ طَوافَ وداعٍ جديدٍ قبل سفره، وهذا مقتضى النُّصُوص، وبه قال جماهير العلماء .
فإنَّ نوَى النُّسك والعمرة، دخل مكَّة محرمًا، واعتمر، وتجزئُه عمرتُه هذه عن طواف الوداع إذا لم يتأخَّر .
ولا يجوز التَّهاون بـ(طوَاف الوداع)؛ لأنَّه واجبٌ في أصحِّ قَولَي العلماء، ونسكٌ لازمٌ من أَنساك الحجِّ، يجبُ فيهِ عند الجماهير من أهل العلم دمٌ عند تركِه شاةً، أو سُبعَ بقرة، أو سُبعَ بدنة لفقراء مكَّة، ولا يأكل منها .
وعلى الحاجِّ الَّذي وفَّقه الله تعالى إلى أداء هذه الشَّعيرة العظيمة أن يتَّقي الله تعالى، وأن يكونَ حريصًا على إتمامِ نُسُكِه، وعدَم الإخلالِ به تَساهُلًا، وتَفريطًا؛ فهَذا ذنبٌ يوجبُ عليهِ التَّوبة مِنه، والاستغفارَ، والنَّدمَ، وعدمَ العَودِ بعدَ العلم، والبيَان، وظهورِ الحجَّة إِلى مثلِهِ، واللهُ أعلَم .
• • •
إذا فُهِمَ هَذَا فهمًا حَسنًا؛ فقد بقيَ صورتان مُهمَّتان :
الصُّورَة الأولى:
من لم يتمَّ نُسُكه، وبقي عليه بعض النُّسُك، ثمَّ خرج لحاجةٍ إلى جُدَّة، أو نحوها؛ فهذا يجوز له الذهاب إلى جُدَّة، ونحوها – ممَّا هُو لَيسَ بَلَدَهُ-لحاجته؛ لأنَّه لم يكمل حجَّه، وطواف الوداع إنَّما يجب بعد إتمام مناسك الحجِّ إذا أراد الحاجُّ السَّفر إلى بلده، أو إلى غيرها [«مجموع فتاوى ابن باز» (17/392)، و«مجموع فتاوى ابن عثيمين» (23/349)] .
الصُّورَة الثانية :
مَن أتمَّ حَجَّهُ وبقيَ عليه طواف الوداع؛ فخرجَ من مكَّة، وهي دار إقامته في الحجِّ، ومنها سيكون سفره إلى بلده الأصليَّة، ولكنَّه خرج من مكَّة إلى جُدَّة – وليسَت بلدَه- بل خرجَ لحاجةٍ، إذا قضَاها عادَ إلى مكَّة الَّتي هي مُستَقَرُّه في الحجِّ، وهذه الصُّورة هي الَّتي يسأل عنها كثيرون في هذه الأيَّام؛ لوقوعهم فيها .
قال الإمام سماحة الشيخ عبد العزيز ابن باز – رحمه الله تعالى- :
«وأمَّا مَن خرجَ إليها [أي: جُدَّة] لحاجةٍ، وقصدُه الرُّجوع إلى مكَّة؛ لأنها محلُّ إقامَته أيَّام الحجِّ، فهذا فيه نظرٌ، وشبهةٌ .
والأقربُ أنَّه لا ينبغي له الخروج إلَّا بوداعٍ عملا بعموم الحديثِ .. » .
إلى أن قال – رحمه الله تعالى- :
« [فهذا] الَّذي خرجَ إلى جُدَّة، أو الطَّائف، أو نحوهما لحاجةٍ، وليسا بلَدَه، وإنَّما خرج إليهما لحاجة، عارضةٍ، ونيَّتُه الرُّجوع إلى مكَّة، ثمَّ الوداع إذا أراد الخروجَ إلى بلده؛ فهذا لا يظهر لي لزوم الدَّم له، فَإن فدَى على سبيل الاحتياط، فلا بأس، والله أعلم» انتهى من [«مجموع فتاوى ابن باز» (17/396- 397)].
• • •
الجوابُ المُفصَّلُ :
وهُوَ يحتاج إلى مقدِّمة، وبيانٍ يُتوصَّل منه إلى الجواب النَّافع :
وهيَ أن يُقال :
اعلم – رحمني الله وإيَّاك- أنَّهُ قد اجتمع في (طوافُ الوداع) :
أحاديثُ جَمعَت ثَلاثةَ أوصافٍ، وأَنواعٍ .
[1] (الأمرُ بالفعل) .
و[2] (النَّهي عن التَّرك) .
و[3] (عمَلُ النَّبيِّ – صلى الله عليه، وعلى آله، وسلَّم-) .
وسيأتي – إن شاء الله تعالى- شرحُ ذَلكَ .
ولهَذا :
فـ(طوافُ الوَداع) بالبيت واجبٌ على مَن أتمَّ نسكه في الأظهر من قولي العلماء، خلافًا للإمام مالك؛ فقد ذهب إلى أنَّه سنة لا شيء بتركه، وهو أحد القولين عند الشَّافعيَّة، وذهب الجمهور من الحنفيَّة، والحنابلة، والأصحِّ عند الشافعيَّة، وهو قول الثوريِّ، وأكثر أهل العلم أنَّه واجبٌ على من أتمَّ نسكه .
• • •
النَّوع الأَوَّل مِن أَحاديث البَاب؛ وهُوَ (الأمرُ) :
فقَد جاء في «صحيح البخاري» (1755)، و«مسلم» (1328) من حديث ابنِ عباسٍ – رضي الله عنهما- قال: «أُمِرَ الناسُ أن يكُونَ آخرُ عهدِهم بالبيتِ؛ إلا أنهُ خُفِّفَ عن الحائضِ».
وفي الحديث فوائد مِنهَا :
[1] أنَّ الآمر هو رسول الله – صلى الله عليه، وعلى آله، وسلَّم- .
[2] سقوطُ طوَاف الوداع عن الحائض؛ دليلٌ على أن غير الحائض – والنُّفساء في معناها-، لا يسقط عنه، وهذا هو معنى الوجوب .
[3] وسقوطُه عن الحائض دليلٌ على أنَّ طواف الوداع ليس بركنٍ؛ إذ الرُّكن لا يسقط بحالٍ بخلاف الواجب .
[4] كونُ طواف الوداع آخر العهد بالبيت يقتضي عدم الاسترسال في التَّأخُّر؛ فإن استرسل لزيارة مريض، ونحو ذلك أعاد الطواف؛ خلافًا للحنفيَّة .
بل تجب المعاجلة في الخروج من مكَّة إثرَه؛ ولهذا أفتى عطاءٌ أنَّ الحاجَّ الَّذي لم يبق له إلَّا الركوب للسَّفر، هو الَّذي يكون عليه طواف الوداع؛ ليكون آخر عهده بالبيت، وبه قال الشافعي، وأحمد، وغيرهم، وأجاز مالك شراء حاجة، وجهاز يحتاجه، قال الشافعي: إن كان على طريقه، وإلَّا أعاد .
وهذا هو الأحوط وهو فعل رسول الله – صلى الله عليه، وعلى آله، وسلَّم- .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في «المنسك» :
«وهذا الطَّواف يؤخِّره الصَّادر من مكة؛ حتَّى يكون بعد جميع أموره؛ فلا يشتغل بعده بتجارة، ونحوها، لكن إن قضى حاجته، أو اشترى شيئا في طريقه بعد الوداع، أو دخل إلى المنزل الَّذي هو فيه؛ ليحمل المتاع على دابته، ونحو ذلك ممَّا هو من أسباب الرَّحيل، فلا إعادة عليه، وإن أقام بعد الوداع أعاده» انتهى .
[5] هذا الحديث، وأمثالُه ممَّا سيَأتي – إن شاء الله تعالى- نصٌّ في (طواف الوداع) على من كان حاجًّا؛ فهل المعتَمرُ يكون عليه طوافُ وداعٍ كالحاجِّ – أيضًا- ؟ .
هذا مَوضعُ نِزَاعٍ بينَ أهل العلم، وليسَ مِن محلِّ النِّزاع: استحبابُ (طواف الوداع) للمعتَمر، بل وجوبُه على المعتَمر كوجُوبِ (طوافُ الوداع) عَلى الحاجِّ – على الصَّحيح-، هذا موضعُ النِّزاعِ .
والراَّجح وهو قول أكثر العلماء عدم الوجوب في حقِّ المعتمر؛ لعدم الدليل الصَّريح في ذلك أمرًا منه – صلى الله عليه، وعلى آله، وسلَّم-، أو فعلًا له، وليس هذا موضع بسط هذه المسألة، ولعلِّي أفردُها بفائدة مستقلِّةٍ، والله وحدَه المستعان .
[6] إذا أخَّر الحاجُّ طواف الإفاضة إلى آخر الحجِّ؛ ثمَّ طافه وفي نيَّته الوداع للبيت، وأنَّه آخرُ العهدِ به، أجزأه عن طواف الوداع بلا خلافٍ بينَ العلماء .
وهذا يدلُّ على أنَّ قولَ ابنِ عباسٍ – رضي الله عنهما-: «أُمِرَ الناسُ أن يكُونَ آخرُ عهدِهم بالبيتِ» دليلٌ على أنَّ طواف الوداع ليس مقصودًا لذاته؛ فإذا حصل أن يكون آخر العهد بالبيت بطواف الإفاضة أجزأ عن طواف وداعٍ مستقلٍّ .
ونظيرُه إجزاء الفريضة عن تحيَّة المسجدِ .
وكذلك لو اعتمر الحاجُّ فطواف عمرته مجزئ عن طواف الوداع، والدَّليلُ :
ما جاء في صحيح البخاري (1788)، ومسلم (1211) في قصَّة عائشة – رضي الله عنها-، وفيها :
فَدَعَا عَبدَ الرَّحمَنِ، فَقَالَ: «اخرُج بِأُختِكَ الحَرَمَ، فَلتُهِلَّ بِعُمرَةٍ، ثُمَّ افرُغَا مِن طَوَافِكُمَا، أَنتَظِركُمَا هَا هُنَا»؛ فَأَتَينَا فِي جَوفِ اللَّيلِ فَقَالَ: «فَرَغتُمَا». قُلتُ: نَعَم، فَنَادَى بِالرَّحِيلِ فِي أَصحَابِهِ، فَارتَحَلَ النَّاسُ وَمَن طَافَ بِالبَيتِ قَبلَ صَلاَةِ الصُّبحِ، ثُمَّ خَرَجَ مُوَجِّهًا إِلَى المَدِينَة» .
قال الحافظ أبو الحسن ابن بطَّال (ت449) في «شرح صحيح البخارى» (4/445): «لا خلاف بين العلماء أن المعتمر إذا طاف، وخرج إلى بلده أنه يجزئه من طواف الوداع، كما فعلت عائشة» انتهى .
ومن الغرائب – هنا- : ما ذكره بعض الحنابلة خلافًا للأكثر منهم مِن إجزاء طواف القدوم عن طواف الوداع ! .
قال العلَّامة علاء الدِّين المردواي (ت885) في «تصحيح الفروع» (6/65) :
«لكنَّ تصوير المسألة فيه عسرٌ!, ويمكن تصوير إجزاء طواف القدوم عن طواف الوداع أنَّه لم يكن قدِمَ مكَّة لضيق وقت الوقوفِ, بل قصدَ عرفة, فلمَّا رجعَ وأراد العَود طافَ للزِّيارة، ثمَّ للقُدوم, إمَّا نسيانًا، أو غيرَه؛ فهذا الطَّوَاف يكفيه عن طوَاف الوداع, والله أعلم» انتَهى .
قلتُ: يعني: (يكفيه عن طوَاف الوداع) وهو في نيَّته أنَّه طواف قدومٍ فعلَه نسيانًا، أو قضاءً، أو غيرَ ذلكَ، والعسرُ في تصويرها ظاهرٌ، واللهُ المستعانُ .
• • •
وأمَّا النَّوع الثَّاني وهُوَ (النَّهي) :
فقد جاء في «صحيح مسلم» (1327) عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ، قَالَ:
«كَانَ النَّاسُ يَنصَرِفُونَ فِي كُلِّ وَجهٍ؛ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «لَا يَنفِرَنَّ أَحَدٌ حَتَّى يَكُونَ آخِرُ عَهدِهِ بِالبَيتِ» .
والحديث دليل على أُمورٍ مِنها :
[1] أنَّ هذا النهي الصَّريح عن مفارقة الحرم قبل (طواف الوداع) هو في حقِّ الحاجِّ الآفاقيِّ المسافر العائد إلى بلده؛ فيخرج عنه مَن لا ينفر أصلًا لكونه مكيًّا، أو أقام بمكَّة .
[2] أنَّ هذا النَّهي الصَّريح عن مفارقة الحرم قبل (طواف الوداع) عند التَّحقيق شاملٌ لـ(ـكلِّ خارج خرجَ من الحرم إِلَى أي مكانٍ قَرُبَ الموضعُ، أو بَعُدَ لقولِ ابن عبَّاس : (كَانَ النَّاسُ يَنصَرِفُونَ فِي كُلِّ وَجهٍ)، وهذا يشملُ كلَّ سفرٍ عن الحرم بحسب بلد الحاجِّ، ومسكنه .
ويدخل في ذلك أهل (جُدَّة)، و(الطَّائف)، ونحوهم، والله أعلم .
وكذلك يدخل – أيضًا- في هذا الحكم – احتيَاطًا- مَن كَانوا دون مسافة السَّفر كأهل (بحرة)، و(بدر)، ونحوهم .
قال الإمام سماحة الشيخ عبد العزيز ابن باز :
«فالواجب على جميع أهل البلدان – سواء في جدة، أو الطَّائف، وغيرهم- أن يودِّعوا البيت، وقد تسامح بعض العلماء في هذا بالنِّسبة لمَن منزله دون مسافة قصر، كأهل بحرة، وأشباههم، وقالوا: (إنه لا وداع عليه)، والأحوطُ لكلِّ مَن كان خارج الحرم أن يودع إذا انتهى حجُّه .
وأهل جُدَّة بعيدون، وهكذا أهل الطائف؛ فالواجب عليهم أن يودِّعوا قبل أن يخرجوا؛ لأنَّهم يشملهم الحديث» [«مجموع فتاوى ابن باز» (17/394)] .
وأفتى العلَّامة الشيخ صالحٌ الفوزان – حفظه الله- أنَّ هذا الحكم يدخل فيه – أيضًا- بعضُ أهل (الشَّرائع)، وهم: (شرائع أبي سليمان) الَّذين هم خارج حدِّ الحرم، وبيوتهم منفصلة عن مكَّة، بخلاف أهل الشَّرائع الَّذين تتَّصل بيوتهم بمكَّة؛ فلا وداع عليهم، وإن كانوا خارج حدِّ الحرم .
*قلتُ: وهذه الفتوى على قول الحنابلةِ: *(إنَّ طواف الوداع لا يسقط إلَّا عمَّن كان منزلُه في الحرم فقط)*، وهذا موضعُ تأمُّل؛ *فإن ظاهر أحاديث طواف الوداع يَشملُ أمرين: (مفارقة الحرم)، و(الخروج عنه سفرًا)*؛ ولهذا قال المالكية، والشافعية: *(يُطلب طواف الوداع في حقِّ كلِّ مَن قصَد السَّفر من مكَّة، ولو كان مكيًّا إذا قصد سفرًا تُقصر فيه الصَّلاة)* .
قلتُ :
وهذا هو الأقرب للنُّصوص، وعليه فليس على من خرج إلى التَّنعيم، أو الحلِّ (طوافُ الوداع) مادام بمكَّة لم يسافر عنها، ويدخل في ذلك أهل الشَّرائع، ونحوها؛ لأنَّهم من أهل مكَّة، والله أعلم .
ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية :
«وأما طواف الوداع فليس من الحج؛ وإنَّما هو لمَن أراد الخروج من مكَّة، ولهذا لا يطوف من أقام بمكَّة» انتهى [«مجموع الفتاوى» (26/8)] .
وقال الإمام يحيى ابن هبيرة (ت560) في كتابه «اختلاف الأئمة العلماء» (1/291) :
«وَأجمع موجبوا طواف الوَدَاع على أَنه إِنَّمَا يجب على أهل الأَمصَار، وَلَا يجب على أهل مَكَّة» انتهَى .
وسأل الإمام إسحاق بن منصور الكوسج (ت251) الإمامَ أحمدَ بنَ حنبل (ت241)، والإمامَ إسحاقَ ابنَ راهويه (ت238)؛ فقال :
«قلتُ: لأهل مكة متعةٌ، ومَن أهل مكَّة ؟ .
قال أحمدُ: كلُّ مَن كان من مكَّة على نحو ما يقصر فيه الصلاةُ؛ فليسَ هو من أهل مكَّة .
قالَ إسحاق: كمَا قال» انتهى من «مسائل الإمام أحمد وإسحاق بن راهويه» (5/2111) .
ثمَّ وقفتُ على فتوًى جليلة لإمام فتوى المسلمين في عصرنا :
سماحة الشيخ عبد العزيز ابن باز – رحمه الله تعالى- ، أفادَ فيها :
«أنَّ الحاجَّ والمعتمر ليس عليهما طواف وداع إذا أرادا الخروج خارج الحرم في ضواحي مكَّة، وقد خرج الصَّحابة – رضي الله عنهم، وأرضاهم- الَّذين حلُّوا من عمرتهم إلى منى، وعرفات، ولم يؤمروا بطواف الوداع» انتهى المقصود بتصرُّفٍ . [« مجموع فتاوى ابن باز» (17/390-391)] .
[3] مَن ترك طواف الوداع متعمِّدًا، وليس ممَّن عُذِر كالحائض، والنُّفساء، فعليه دمٌ يجبره عند جمهور العلماء القائلين بوجوبه؛ لأنَّه ترك نسكًا، وواجبًا، وفي الأثر الثَّابتِ الموقوفِ على ابن عبَّاس – رضي الله عنه- : «مَن نَسِيَ مِن نُسُكِهِ شَيئًا، أَو تَرَكَهُ فَليُهرِق دَمًا» أخرجه مالك في «الموطإ» (ص419)، وإسناده صحيح، وعليه العمل عند الجماهير في إيجاب الدَّم على ترك الواجب في الحجِّ .
قلتُ :
ومَن توسَّع في إطلاق هذا القول بوجوب الدَّم على كلِّ مَن ترك طواف الوداع وردَ عليه إشكال؛ وهو :
(أنَّ الحائض تتركه، ولا دمَ عليها)، و(كذلك المكيُّ) وهذه هي حجَّة المالكيَّة في نفي الوجوب عنه، وانظر: [«المعونة على مذهب عالم المدينة» (1/589)، و«الاستذكار» (4/212)، و«أضواء البيان» (4/405)] .
وعلى أثر ابن عباس – رضي الله عنه- هذا إشكالات أخر، ليس هذا موضع طرحها .
ولهذا فلو أُلحق بالحائض في عدم الإلزام بالدَّمِ هنا (الجاهل)، و(النَّاسي)، و(المتأوِّل)، ونحوهم، وخفِّف عنهم كان أَوفَق للنَّصِّ، والله أعلم .
بل ذهب الإمام أبو بكر ابن المنذر (ت319) إلى أنه لا يجب بترك (طواف الوداع) دمٌ، مع كونه عنده واجبًا !، خلافًا لما نقلَه عنه النَّووي في «شرح مسلم» (9/79) أنَّه يرى سُنيَّته! .
قال الحافظُ ابن حجر في «الفتحِ» (3/585) متعقِّبًا النَّوويَّ :
«والَّذي رأيتُه في الأوسَط لابن المنذر أنه واجبٌ للأمر به إلَّا أنَّه لا يجبُ بتركه شيءٌ» انتهى .
قلتُ: وهو قولٌ قويٌ جدًّا، وهو من اختيارات الفقيه الشيخ عبد المحسن العبيكان .
والأحوطُ للقادر قدرة جسم، وقدرة مالٍ، الَّذي تركَ طوافَ الوداع متعمِّدًا أنَّ عليه دمًا من تركهِ الواجبَ، والله أعلم .
فإن كان فقيرًا، ويشُقُّ عليه أمر الدَّم؛ فقد قال بعض الفقهاء يصوم عشرة أيَّام، والظَّاهر أنه لا يلزمه إلَّا التَّوبة، والاستغفار، والله أعلم .
[4] لا يَبطُل الحجِّ بترك (طواف الوداع) عمدًا، ويجزئُ عنه دمٌ بخلاف طواف الإفاضة .
وقد نصَّ الإمام الشافعي على هذا كما في «معرفة السنن والآثار» (7/349) .
[5] مَن خرجَ من مكَّة ولم يودع البيت؛ ولم يتمَّ نسكه – أيضًا- إلى بلده، (جُدَّة) مَثلًا؛ فقد خالفَ هذه الأحاديث الصريحة في النَّهي عن الخروج من مكَّة، والنُّفُور إلى بلده؛ حتَّى يُتمَّ نُسُكَه، وهي باقيةٌ في حقِّ مَن لم يُتمَّ النُّسُكَ، كما أن طواف الوداع متعِّينٌ على من أتَمَّ نُسُكَه، واللهُ أعلم .
[6] مَن خرجَ ولم يودع البيت؛ ثمَّ عاد فودَّع هل عليه شيء ؟ .
وهذه الحال لها صورتان :
الأولى: أن يرجع من قريب .
الأخرى: أن يرجع بعد مسافة سفر بعيدة .
فلا شيء عليه في الصُّورة الأولى؛ لكونه قريبًا، وهو قد رجعَ فودَّع .
وبهذا قال جماهير العلماء، وذهب الثوري إلى أنه إن خرج من الحرم لزمه دمٌ ، وإلَّا فلا [«المجموع شرح المهذب» (8/285)] .
قال مالك في «الموطإ» (ص370): «ولو أن رجلا جهل أن يكون آخر عهده الطواف بالبيت، حتى صدر، لم أر عليه شيئا، إلَّا أن يكون قريبا؛ فيرجع فيطوف بالبيت، ثم ينصرف إذا كان قد أفاض» .
والصُّورة الأخرى :
قال الجمهور: عليه دمٌ في مثل هذه الصُّورة .
وقد أخرج الإمام مالك في «الموطإ» (ص370) عن يحيى بن سعيد، أنَّ عُمر بنَ الخطَّاب «رَدَّ رَجُلًا مِن مَرِّ الظَّهرَانِ، لَم يَكُن وَدَّعَ البَيتَ، حَتَّى وَدَّعَ» .
وهذا إسناد معضَلٌ، وقال الإمام مالك – معلِّقًا-: «هذا عندي بعيدٌ، وفيه ضررٌ داخلٌ على النَّاس، وإنَّما يرجع إلى طواف الوداع مَن كان قريبًا، ولم يكن عليه في انصرافه ضررٌ» [«التمهيد» (17/270)] . .
قال ابن عبد البر في «الاستذكار» (4/212) مُوضِّحًا مذهب المالكيَّة :
«ويقولُون: إن بين مرِّ الظهران وبين مكة ثمانية عشر ميلا، وهذا بعيد عند مالك، وأصحابه، ولا يرون على أحدٍ طواف الوداع من مثل هذا الموضع .
وجملة قول مالك فيمن لم يطف للوداع أنَّه إذا كان قريبًا رجع فطاف لوداع البيت، وإن بعدَ فلا شيء عليه» انتهى .
قلتُ: وقد تقدَّم الجمهور يوجبون عليه الدَّم، وهذا هو الأحوط له إن تيسَّر له دون شقَّة، وإلَّا فعليه الاستغفار، ولا يكلف الله نفسًا إلَّا وسعها، والله أعلم .
وبنحو هذا كان يفتي الإمام سماحة الشيخ عبد العزيز ابن باز – رحمه الله تعالى-، قالَ في هذه الصُّورة :
«فلا يجوز لأهل جدة، ولا لأهل الطائف ولا غيرهم الخروج من مكة بعد الحج إلَّا بعد الوداع؛ فمن سافر قبل الوداع؛ فإن عليه دمًا؛ لكونه ترك واجبًا، وقيل في ذلك أقوال أخرى، ولكن هذا هو الصَّوَابُ عند أهل العلم في هذه المسألة .
وقال بعض أهل العلم: لو رجع بنيَّةِ طوَاف الوداع أجزَأه ذلك، وسقطَ عنه الدَّم، ولكن هذا فيه نظرٌ، والأحوطُ للمؤمن ما دامَ سافر مسافة قصر، ولم يودِّع البيتَ؛ فإنَّ عليه دمًا يجبرُ به حجَّه» انتهَى . [« مجموع فتاوى ابن باز» (17/395-396)] .
[7] ليسَ في (طَواف الودَاع) توكيلٌ، بل يتعيَّن فعله على كلِّ حاجٍّ إلَّا مَن استثناه الدَّليل ممَّن طافَ طواف الإفاضَة .
[8] قالَ الإمام أبو محمَّد البغوي (ت516) :
«طواف الوداع، لا رخصة في تركه لمَن أراد مفارقة مكَّة إلى مسافة القصر، مكِّيًّا كان، أو آفاقيًّا، حجَّ، أو لم يحجَّ» انتهى. [«شرح السُّنَّة» (7/235)].
قلتُ: هذه المسألة سببها هو :
هل طواف الوداع (نسكٌ خاصٌّ) بالحاجِّ؟، أم (عبادةٌ مستقلَّةٌ) ؟ .
فالحنفيَّة على الأوَّل، وتفرَّع عن قولهم أنَّه لا يلزمُ من لم يكن حاجًّا إذا خرج من مكَّة مسافرًا، وهذا اختيار إمام الحرمين، والغزالي، ومن المعاصرين الشيخ ابن عثيمين، وعزاه ابن مفلح إلى ظاهر قول ابن تيميَّة، وقال الشيخ ابن عثيمين: يُحتملُ أنَّ له قولَين .
والجمهور من المالكية، والشافعيَّة، والحنابلة يقُولون: ليس (طواف الوداع) من المناسك، بل هو (عبادةٌ مستقلِّةٌ) يؤمرُ بها كلُّ مَن أراد مفارقة مكَّة إلى مسافة القصر سواءً كان مكِّيًّا، أو آفاقيًّا، حاجًّا، أو لَيسَ حَاجًّا .
وهذا عندهم من تعظيم بيت الله تعالى . [«المجموع شرح المهذب» (8/ 256)، و«الفروع وتصحيحها» (6/64) ] .
قلتُ: والظَّاهرُ أنَّ الأقرب إلى الصَّواب، والتَّحقيق:
أنَّ (طوَاف الودَاع) يُنظرُ إليه من جهتَين :
فهو من جهةِ الحاجِّ (نُسُكٌ) له، واجبٌ عليه، وبه يتمُّ حجُّه، وأوجبَ الجمهورُ الدَّم بتركه، ولو نسيانًا .
وهو من جهة غيرِ الحاجِّ المسَافر الخارج من مكَّة إلى غيرها (عبادةٌ جليلةٌ) تتضَّمَّن عباداتٍ مختلفَة، منها: تعظيم شعائر الله تعالى، والله أعلم .
ولهذا مَن نظر إلى أنَّه يفعَلُه غير الحاجِّ، قال: (طواف الوداع ليس من الحجِّ) أي: من خصَائصهِ، وهو قولٌ لشيخ الإسلام ابنِ تيميَّة، نقلَه عنهُ الحجَّاوي (ت968) في «الإقناع» (1/398)، وهو مَنصوصٌ في «مجموع الفتاوى» (26/8) .
ومن نظرَ إلى وجوبه على الحاجِّ، وما وردَ فيه من الأحاديث الآمرةِ الحاجَّ بهِ كحَديث: «أُمِرَ الناسُ أن يكُونَ آخرُ عهدِهم بالبيتِ؛ إلا أنهُ خُفِّفَ عن الحائضِ»، وحديث: «لَا يَنفِرَنَّ أَحَدٌ؛ حَتَّى يَكُونَ آخِرُ عَهدِهِ بِالبَيتِ»، قالَ: (هو من نُسُك الحاجِّ الواجبِ، أو المستحبِّ) .
ومن هُنَا: نقل الإمام ابن مفلح في «الفروع» (6/64) أنَّ ظاهرَ كلام شيخه شيخ الإسلامِ ابن تيميَّةَ أنَّ غير الحاجِّ لا يودِّع .
• • •
وفي مَعنى النَّهي :
ما جاء في «صحيح البخاري» (1757)، و«مسلم» (1211) عن عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا، أَنَّ صَفِيَّةَ بِنتَ حُيَيٍّ – زَوجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ – حَاضَت، فَذَكَرتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: «أَحَابِسَتُنَا هِيَ» قَالُوا: إِنَّهَا قَد أَفَاضَت قَالَ: «فَلَا إِذًا» .
والشَّاهدُ من الحَدِيثِ:
أنَّ ظاهر الحديث وجوب طواف الوداع، والنَّهي عن تركه، لأنَّ النَّفل، والتَّطوع لا يحبس أحدًا، بل هو مخيَّرٌ بينَ أَفضَليَّة الفعل، وجواز التَّرك؛ فتدبَّر .
فلولا وجوبُه ما حصل الحبس .
• • •
وأمَّا النَّوع الثَّالثُ وهو: (الفِعلُ) :
ففي «صحيح البخاري» (1756) عن أَنَسَ بنَ مَالِكٍ – رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ- : «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ صَلَّى الظُّهرَ، وَالعَصرَ، وَالمَغرِبَ، وَالعِشَاءَ، ثُمَّ رَقَدَ رَقدَةً بِالمُحَصَّبِ، ثُمَّ رَكِبَ إِلَى البَيتِ؛ فَطَافَ بِهِ» .
وههنا فائدتان :
[1] بيان أنَّ ما كان من أفعال المناسك؛ فالأصل فيه الوجوب إلَّا أن يرد الدَّليلُ الصَّارف من خبرٍ صحيحٍ، أو إجماعٍ معتبرٍ؛ لقوله – صلى الله عليه، وعلى آله، وسلَّم- : «خذوا عنِّي مناسككم»، وفي رواية: «لتأخذوا» .
[2] كان – صلى الله عليه وسلم – طاف طواف الوداع ليلا سحَرًا، ولم يرمل في هذا الطَّواف، وصلَّى الفجر بالحرم، وقرأ بـ {الطور} ، ثم نادى بالرَّحيل، فارتحلَ راجعًا إلى المدينة .
• • •
هذا :
والمسلم والمسلمة مأموران بإتمام النُّسُك على الوجه الَّذي أمر الله تعالى به في قوله تعالى: (وأتِّمُوا الحجَّ والعُمرَةَ لله)، ومناسك الحجِّ تبدأ وتنتهي ببيت الله تعالى، وبهذا يتمُّ نُسُك الحجِّ، ولهذا ثبت في «المُوطإ » (ص369) عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب – رضي الله عنه- أنَّه قال: «لَا يَصدُرَنَّ أَحَدٌ مِنَ الحَاجِّ، حَتَّى يَطُوفَ بِالبَيتِ، فَإِنَّ آخِرَ النُّسُكِ الطَّوَافُ بِالبَيتِ» .
قال الإمام مالك :
«في قول عمر بن الخطاب : (فإن آخر النسك الطواف بالبيت)، إن ذلك فيما نرى، والله أعلم، لقول الله تبارك وتعالى: {ومن يعظم شعائر الله، فإنها من تقوى القلوب} [الحج: 32]، وقال: {ثم محلها إلى البيت العتيق} [الحج: 33]، فمحلُّ الشعائر كلها، وانقضاؤها إلى البيت العتيق» انتهى .
والله تعالى أعلم، وصلَّى الله على نبيِّنا محمد، وعلى آله، وصحبه وسلم .
كتبه
أبو العبَّاس الشحري
مغرب ليلة الأحد 17/من ذي الحجَّة/1440
مكَّة المكرَّمة
