الخُطْبَةُ الْأُولَى
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ الْعَدْلَ قِوَامَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاءِ، وَحَرَّمَ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِهِ وَجَعَلَهُ بَيْنَ عِبَادِهِ مُحَرَّمًا بِلَا امْتِرَاءِ، نَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ حَمْدَ الشَّاكِرِينَ، وَنَسْتَغْفِرُهُ اسْتِغْفَارَ الْمُنِيبِينَ، وَنَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، الْعَدْلُ فِي قَضَائِهِ، الرَّحِيمُ بِبَرِيَّتِهِ، الْقَائِلُ فِي مُحْكَمِ التَّنْزِيلِ: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾. وَنَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، إِمَامُ الْعَادِلِينَ، وَسَيِّدُ الْمُرْسَلِينَ، الَّذِي تَرَكَنَا عَلَى الْمَحَجَّةِ الْبَيْضَاءِ لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ الْأَتْقِيَاءِ، وَصَحَابَتِهِ الْأَوْفِيَاءِ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ مَا دَامَتِ الْأَرْضُ وَالسَّمَاءُ.
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [لقمان: 33].
أَمَّا بَعْدُ:
فَأُوصِيكُمْ وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللَّهِ، فَهِيَ الْعُرْوَةُ الْوُثْقَى، وَالنَّجَاةُ فِي الدُّنْيَا وَالْأُخْرى، وَاعْلَمُوا أَنَّ أَقْدَامَنَا عَلَى النَّارِ لَا تَقْوَى، فَاتَّقُوا يَوْمًا تَرْجِعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ، يَوْمَ يُوضَعُ الْمِيزَانُ، وَيُنْصَبُ الصِّرَاطُ، وَيُقْتَصُّ لِلشَّاةِ الْجَمَّاءِ مِنَ الْقَرْنَاءِ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ… إِنَّ الْحَدِيثَ عَنِ الظُّلْمِ لَيْسَ حَدِيثًا عَنْ ذَنْبٍ عَابِرٍ، بَلْ هُوَ حَدِيثٌ عَنْ ظُلُمَاتٍ تَتَرَاكَمُ فَوْقَ رُؤُوسِ أَصْحَابِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ؛ فَالظُّلْمُ مَرْتَعُهُ خَطِيرٌ، وَمَآلهُ أَلِيمٌ، وَهُوَ الدَّاءُ الَّذِي إِذَا فَشَا فِي أُمَّةٍ أَهْلَكَهَا، وَإِذَا دَخَلَ فِي بُيُوتٍ دَمَّرَهَا.
وَالظُّلْمُ -يَا رَعَاكُمُ اللَّهُ- لَيْسَ لَوْنًا وَاحِدًا يُجْتَنَبُ، بَلْ هُوَ دَرَكَاتٌ وَمَسَالِكُ، وَشِبَاكٌ وَحَبَائِلُ، قَدْ يَقَعُ فِيهَا الْعَبْدُ وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّهُ يُحْسِنُ صُنْعًا.
وَأَوَّلُ هَذِهِ الدَّرَكَاتِ وَأَظْلَمُهَا: الشِّركُ الأكبرُ، وهو صَرْفُ الْعِبَادَةِ لِغَيْرِ اللهِ بأن يذبحَ لغيرِ اللهِ أو أنْ يدعوَ الأمواتِ والأولياءِ، أَوِ الْإِشْرَاكُ مَعَهُ فِي مِلْكِهِ، فَذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ، كَمَا قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾.
وَإِذَا جَاوَزَ الْعَبْدُ مِحْنَةَ الشِّرْكِ، فَإِنَّهُ قَدْ يَقَعُ فِي فَخِّ “ظُلْمِ النَّفْسِ”؛ وَهَذَا نَوْعٌ مِنَ الظُّلْمِ خَفِيُّ الْمَدَاخِلِ، فيَظُنُّ الْإِنْسَانُ أَنَّهُ يُمَتِّعُ نَفْسَهُ بِالشَّهَوَاتِ، وَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ يَسُوقُهَا إِلَى الْمَهَالِكِ بِسِيَاطِ الْمَعَاصِي.
فَكُلُّ نَظْرَةٍ مُحَرَّمَةٍ، وَكُلُّ صَلَاةٍ ضَائِعَةٍ، وَكُلُّ تَوْبَةٍ مُؤَجَّلَةٍ، هِيَ طَعْنَةٌ يُوَجِّهُهَا الْعَبْدُ لِرُوحِهِ، وَظُلْمٌ يُوجِبُ الْحَسْرَةَ غَدًا، فَمَا ظَلَمَنَا اللَّهُ وَلَكِنْ كُنَّا لِأَنْفُسِنَا ظَالِمِينَ.
ثُمَّ إِنَّ قِطَارَ الظُّلْمِ لَا يَقِفُ عِنْدَ حُدُودِ النَّفسِ، بَلْ يَتَعَدَّاهُ لِيَتَغَوَّلَ فِي “حُقُوقِ الْعِبَادِ”، وَهَهُنَا مَكْمَنُ الْخَطَرِ الْأَكْبَرِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ قَدْ يَغْفِرُ مَا كَانَ فِي حَقِّهِ، لَكِنَّهُ سُبْحَانَهُ لَا يَغْفِرُ حُقُوقَ الْعِبَادِ -في الجملةِ- إِلَّا بِمُسَامَحَتِهِمْ.
فَيَا وَيْحَ مَنْ أَكَلَ مَالَ الْيَتِيمِ ظُلْمًا، وَيَا بُؤْسَ مَنْ مَاطَلَ أَجِيرًا فِي حَقِّهِ وَهُوَ يَتَقَلَّبُ فِي النَّعِيمِ، وَقَدْ روى البخاريُّ ومسلمٌ عن أبي هريرةَ -رضيَ اللهُ عنهُ- أن النبيَّ ﷺ قال: «مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ».
والدِّرْهَمَ الْحَرَامَ الَّذِي يَدْخُلُ الْجَوْفَ لَيْسَ طَعَامًا، بَلْ هُوَ نَارٌ تَتَلَظَّى، وَخِزْيَةٌ يَوْمَ تُعْرَضُ النَّوَايَا وَالسَّرَائِرُ.
عِبَادَ اللَّهِ.. إِنَّ الظُّلْمَ قَدْ يَكُونُ بِكَلِمَةٍ تَجْرَحُ الْفُؤَادَ، أَوْ نَظْرَةِ اسْتِصْغَارٍ تَكْسِرُ الْخَاطِرَ، انْظُرُوا فِي بُيُوتِكُمْ؛ هَلْ عَدَلْتُمْ بَيْنَ أَبْنَائِكُمْ؟ هَلْ رَعَيْتُمُ الْقَوَارِيرَ حَقَّ رِعَايَتِهَا؟ فَظُلْمُ الزَّوْجَةِ بِتَرْكِهَا كَالْمُعَلَّقَةِ، أَوْ كَبْتِ مَشَاعِرِهَا، أَوِ اسْتِغْلَالِ ضَعْفِهَا، هُوَ خِيَانَةٌ لِمِيثَاقِ اللَّهِ الْغَلِيظِ.
وَانْظُرُوا فِي مَقَارِّ أَعْمَالِكُمْ؛ أَيُّهَا الْمُدِيرُ، هَلْ تَسَلَّطْتَ بِكُرْسِيِّكَ عَلَى مَنْ هُمْ تَحْتَ يَدِكَ؟ تَذَكَّرْ دَائِمًا أَنَّ قُدْرَةَ اللَّهِ عَلَيْكَ أَعْظَمُ مِنْ قُدْرَتِكَ عَلَيْهِمْ، وَدَعْوَةَ الْمَظْلُومِ فِي غَسَقِ الدُّجَى لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ؛ يَرْفَعُهَا اللَّهُ فَوْقَ الْغَمَامِ وَيَقُولُ: «وَعِزَّتِي لَأَنْصُرَنَّكَ وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ».
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ فَاسْتَغْفِرُوهُ، إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.
الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ
الْحَمْدُ لِلَّهِ وَكَفَى، وَصَلَاةً وَسَلَامًا عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى، وَبَعْدَ:
فاعْلَمُوا أَنَّ الْمُفْلِسَ الْحَقِيقِيَّ لَيْسَ مَنْ فَقَدَ الدِّرْهَمَ وَالدِّينَارَ، بَلْ هُوَ مَنْ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَوَاتٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ، وَلَكِنَّهُ يَأْتِي وَقَدْ شَتَمَ هَذَا، وَقَذَفَ هَذَا، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا، وَسَفَكَ دَمَ هَذَا، فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِذَا فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ، أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ، ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ، كما ثبتَ الحديثُ في صحيحِ مسلمِ عن أبي هُريرَةَ -رضيَ اللهُ عنهُ – .
هَذَا هُوَ الْمَشْهَدُ الرَّهِيبُ الَّذِي يَجِبُ أَنْ يَتَرَاءَى أَمَامَ أَعْيُنِنَا قَبْلَ أَنْ نَمُدَّ أَيْدِيَنَا بِأَذَى، أَوْ نُطْلِقَ أَلْسِنَتَنَا بِسُوءٍ، إِنَّ الدُّنْيَا رِحْلَةٌ عَابِرَةٌ، وَاللِّقَاءَ غَدًا عِنْدَ مَلِكٍ عَدْلٍ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا.
ومن العقوباتِ المعجَّلةِ لِبعضِ الظلمةِ أنّ اللهَ يُزَيِّنُ لهمْ ظُلمَهمْ فَيزْدادوا ظلمًا، لتكثُرَ آثامُهم وتعظُمَ أوزارُهم، فَفَتّشْ نفسَكَ، واحذرْ ألّا تكونَ منهمْ.
اللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِكَ أَنْ نَظْلِمَ أَوْ نُظْلَمَ، أَوْ نَجْهَلَ أَوْ يُجْهَلَ عَلَيْنَا.
اللَّهُمَّ طَهِّرْ سَجِلَّاتِنَا مِنْ مَظَالِمِ الْعِبَادِ، وَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْحَرَامِ بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا.
اللَّهُمَّ أَصْلِحْ أَحْوَالَ الْمُسْلِمِينَ، وَانْصُرِ الْمَظْلُومِينَ فِي كُلِّ مَكَانٍ، وَرُدَّ كَيْدَ الظَّالِمِينَ فِي نُحُورِهِمْ.
اللَّهُمَّ اشْفِ مَرْضَانَا ، وَعَافِ مُبْتَلَانَا، وَارْحَمْ مَوْتَانَا.