يقول السائل: سمعت كلامًا للدكتور عبد الله المطلق عضو لجنة الإفتاء بالسعودية يُزهِّد في الأضحية عن الأموات بكلامٍ عقليٍّ، مع أنَّ ظاهر كلامه الإقرار باستحبابها عن الميت.
الجواب:
ينبغي أن يُتنبَّه إلى أمور:
الأمر الأول:إنَّ الدكتور عبد الله المطلق قد أُبعِد مِن لجنة الإفتاء العلمية منذ سنةٍ تقريبًا.
الأمر الثاني:قد سمعت شيخنا العلامة صالحًا الفوزان يُحذِّر مِن استفتاء عبد الله المطلق وينهى عن ذلك، وكلامه موثَّق وموجود في اليوتيوب لمن أراد ذلك، ومما يؤكد كلام شيخنا -حفظه الله تعالى- أنَّ الدكتور عبد الله المطلق يُفتي في كثير من المسائل بالرأي وبالعقل، ويُخالف الأدلة والآثار برأيه وعقله، وقد روى ابن عبد البر في كتابه (جامع بيان العلم وفضله) عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أنه قال: “إياكم والرأي، فإنَّ أصحاب الرأي أعداء السنن، أعيتهم الأحاديث أن يعوها وتفلَّتت منهم أن يحفظوها، فقالوا في الدِّين برأيهم “. وروى نحوًا مِن ذلك عن الزهري -رحمه الله-.
فعبد الله المطلق كثيرًا ما يستعمل الرأي والأقيسة العقلية في الاستحسانات وغير ذلك ويترك الأدلة الشرعية، بل قد يُعارض الأدلة الشرعية كما سيأتي الكلام فيما يتعلق بالأضحية.
الأمر الثالث:إنَّ هناك خلافًا بين أهل العلم في الأضحية عن الميت على أقوالٍ ثلاثة، فمَن رأى الأضحية فليس له أن يُزهِّد في الأضحية ببيان أثر الصدقة وانتفاع الناس بها، فإنَّ مقتضى هذا الكلام أن يُزهِّد حتى عن الأضحية عن الأحياء بحُجَّة أنه يُنتفع في المال في غير الأضحية أكثر مما يُنتفَع به في الأضحية، وأنَّ الفقراء يحتاجون للمال أكثر من أن يحتاجوا إلى اللحم، وغير ذلك مِن الكلام العقلي والرأي المحض.
وهذا خطأٌ ولا يصح التعويل عليه كما سيأتي بيانه، لكن أؤكد أنَّ الكلام مع مَن يرى الأضحية عن الميت، وما ذكره مِن الأقيسة العقلية والآراء في التزهيد مِن الأضحية عن الميت -وهو يراها- هذا لازمٌ له في الأضحية عن الحي، وهذا أمر ينبغي أن يُفهم وأن يُتنبَّه إليه لئلا يُظَن أنَّ الخلاف في مثل هذا راجعٌ للخلاف في الأضحية عن الميت، بل هو لم يُنكر الأضحية عن الميت وإنما فزعَ إلى الكلام العقلي والآراء في التزهيد فيها، وأؤكد أنَّ لازم قوله التزهيد حتى في الأضحية عن الأحياء.
وبعد هذا، ينبغي أن يُعلم أنَّ فضل الأضحية عظيم، وأنَّ هناك فرقًا بين التقرُّب إلى الله بإزهاق النفس وإراقة الدم -وهو الأضحية- وبين التقرُّب إلى الله بالصدقة بدفع الأموال وغير ذلك للفقراء، فإنَّ التقرُّب إلى الله بالأضحية المقصود منه هو إزهاق النفس وإراقة الدم، ويأتي انتفاع الفقراء باللحم تبعًا، وهذه عبادة مستقلة تختلف عن التقرُّب إلى الله بالزكاة في الأموال، أو صدقات الأموال وغير ذلك، وهي عبادة عظيمة مِن أفضل العبادات التي تُفعَل في يوم العيد.
لذا قال سبحانه: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: 2] وقد ذكر غير واحد مِن السلف كعطاء وعكرمة وقتادة أنَّ المراد بها الأضحية، كما ذكر هذا الشوكاني في تفسيره، وقد قرنها بالصلاة، فدلَّ على عظيم فضلها.
وذكر شيخ الإسلام -رحمه الله- كما في (مجموع الفتاوى) أنَّ الأضحية مِن أعظم شعائر الله، والله سبحانه يقول: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ﴾ [الحج: 28] فكيف تُترك هذه الأضحية المستحبة بالنظر إلى انتفاع الفقراء؟ بل هي عبادة مستقلة كما أنَّ الصدقة عبادة، وأنَّ الصلاة عبادة، وأنَّ الحج عبادة، فكذلك الأضحية عبادة لها صفتها ومزيَّتها وأجرها، وعظيمُ ثوابها.
والأمر الثاني قد جاءت الأدلة الشرعية في بيان أنَّ النبيَّ ﷺ قدَّم التقرُّب إلى الله بإزهاق النفس وإراقة الدم على إعطاء الفقراء الأموال، فقد أهدى النبيُّ ﷺ في حجِّهِ بمائة مِن الإبل، كما أخرجه مسلم مِن حديث جابر -رضي الله عنه-، والواجب عليه هو أن يهدي بشاةٍ واحدة، فإنه كان قارِنًا، وعلى القارن شاة واحدة، ومع ذلك أهدى بمائة مِن الإبل، والواحدة مِن الإبل تُعادِل سبعة شياه، -يعني كأنه ذبح سبعمائة شاة-، والواجب عليه هي شاة واحدة، فبادَرَ إلى التقرُّبِ لله بإزهاق النفس وإراقة الدم دون الصدقة بالأموال، وعلى ما ذكر الدكتور عبد الله المطلق مِن الرأي كان يفترض أن يُقال: لو أنَّ النبيَّ ﷺ باعها وأعطى أموالها للفقراء لكانوا أحوج إليه، أو أعطاهم الإبل نفسها ليبيعوها ويستفيدوا منها في الزواج وغير ذلك، إلى غير ذلك من التعليلات.
وأؤكد في ختام الجواب، أنه ينبغي ألا يُفرَّط في هذه العبادة العظيمة وهي عبادة الأضحية، وألا يُلتفت إلى الآراء والأقيسة والعقول في مُعارضة شرع الله.
أسأل الله أن يعلمنا ما ينفعنا وأن ينفعنا بما علمنا.
