خمسة أسباب للنصر والظفر


الْخُطْبَةُ الْأُولَى:

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ، وَنَصَرَ عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ، وَجَعَلَ الِابْتِلَاءَ سُنَّةً فِي الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ؛ يَرْفَعُ بِالْبَلَاءِ أَقْوَامًا وَيَضَعُ آخَرِينَ، وَيُمَحِّصُ بِالشَّدَائِدِ قُلُوبَ الصَّادِقِينَ، وَيَكْشِفُ بِالْمِحَنِ زَيْفَ الْمُدَّعِينَ؛ أَحْمَدُهُ حَمْدَ الشَّاكِرِينَ، وَأَسْتَعِينُهُ اسْتِعَانَةَ الْمُوقِنِينَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، نَاصِرُ الْمُسْتَضْعَفِينَ وَقَاصِمُ الْجَبَّارِينَ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، إِمَامُ الْمُجَاهِدِينَ وَسَيِّدُ الصَّابِرِينَ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آلُ عمران: 102].

أَمَّا بَعْدُ: فَأُوصِيكُمْ وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللَّهِ، فَإِنَّ التَّقْوَى سَبِيلُ النَّصْرِ وَالتَّمْكِينِ.

فَإِنَّ اللَّهَ يَبْتَلِي عِبَادَهُ بِالسَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ؛ لِعِلْمِهِ بِضَعْفِ نُفُوسِهِمْ وَمَا جَبَلَهَا اللَّهُ عَلَيْهِ، وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ الْقَيِّمِ -رَحِمَهُ اللَّهُ- عَدَدًا مِنَ الْحِكَمِ فِي الِابْتِلَاءِ بِالضَّرَّاءِ، وَمِنْهَا قَوْلُهُ -رَحِمَهُ اللَّهُ- فِي كِتَابِهِ (زَادِ الْمَعَادِ): «… وَمِنْهَا: اسْتِخْرَاجُ عُبُودِيَّةِ أَوْلِيَائِهِ وَحِزْبِهِ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ، وَفِيمَا يُحِبُّونَ وَمَا يَكْرَهُونَ، وَفِي حَالِ ظَفَرِهِمْ وَظَفَرِ أَعْدَائِهِمْ بِهِمْ، فَإِذَا ثَبَتُوا عَلَى الطَّاعَةِ وَالْعُبُودِيَّةِ فِيمَا يُحِبُّونَ وَمَا يَكْرَهُونَ فَهُمْ عَبِيدُهُ حَقًّا، وَلَيْسُوا كَمَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ وَاحِدٍ مِنَ السَّرَّاءِ وَالنِّعْمَةِ وَالْعَافِيَةِ.

وَمِنْهَا: أَنَّهُ سُبْحَانَهُ لَوْ نَصَرَهُمْ دَائِمًا، وَأَظْفَرَهُمْ بِعَدُوِّهِمْ فِي كُلِّ مَوْطِنٍ، وَجَعَلَ لَهُمُ التَّمْكِينَ وَالْقَهْرَ لِأَعْدَائِهِمْ أَبَدًا= لَطَغَتْ نُفُوسُهُمْ وَشَمَخَتْ وَارْتَفَعَتْ، …

وَمِنْهَا: أَنَّهُ إِذَا امْتَحَنَهُمْ بِالْغَلَبَةِ وَالْكَسْرَةِ وَالْهَزِيمَةِ ذَلُّوا وَانْكَسَرُوا وَخَضَعُوا، فَاسْتَوْجَبُوا مِنْهُ الْعِزَّ وَالنَّصْرَ، فَإِنَّ خِلْعَةَ النَّصْرِ إِنَّمَا تَكُونُ مَعَ وِلَايَةٍ» انْتَهَى كَلَامُهُ -رَحِمَهُ اللَّهُ-.

وَإِنَّ لِلنَّصْرِ أَسْبَابًا كَوْنِيَّةً وَشَرْعِيَّةً إِيمَانِيَّةً، وَمِنْ أَهَمِّهَا:

السَّبَبُ الْأَوَّلُ: الدُّعَاءُ، وَالدُّعَاءُ هُوَ سُؤَالُ مَنْ بِيَدِهِ كُلُّ شَيْءٍ، قَالَ سُبْحَانَهُ، ﴿قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ [الْمُؤْمِنُونَ: 88-89] وَمَنْ بِيَدِهِ النَّصْرُ وَحْدَهُ، ﴿أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ﴾ [الْمُلْكُ: 20] وَقَالَ -عَزَّ وَجَلَّ-: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [آلُ عمران: 126].

فَكَيْفَ لَا نَسْأَلُهُ وَهُوَ الَّذِي بِيَدِهِ كُلُّ شَيْءٍ؟ وَقَدْ أَمَرَنَا بِدُعَائِهِ وَالِالْتِجَاءِ إِلَيْهِ: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [الْأَعْرَافُ: 55].

قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ -رَحِمَهُ اللَّهُ-: «وَقُلُوبُهُمُ الصَّادِقَةُ وَأَدْعِيَتُهُمُ الصَّالِحَةُ هِيَ الْعَسْكَرُ الَّذِي لَا يُغْلَبُ وَالْجُنْدُ الَّذِي لَا يُخْذَلُ».

وَقَالَ: «… وَهُوَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِذَا قَدَّرَ أَمْرًا فَإِنَّهُ يُقَدِّرُ أَسْبَابَهُ، وَالدُّعَاءُ مِنْ جُمْلَةِ أَسْبَابِهِ كَمَا أَنَّهُ لَمَّا قَدَّرَ النَّصْرَ يَوْمَ بَدْرٍ وَأَخْبَرَ النَّبِيَّ ﷺ قَبْلَ وُقُوعِهِ أَصْحَابَهُ بِالنَّصْرِ وَبِمَصَارِعِ الْقَوْمِ كَانَ مِنْ أَسْبَابِ ذَلِكَ اسْتِغَاثَةُ النَّبِيِّ ﷺ وَدُعَاؤُهُ وَكَذَلِكَ».

وَقَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ -رَحِمَهُ اللَّهُ-: «وَكَذَلِكَ الدُّعَاءُ، فَإِنَّهُ مِنْ أَقْوَى الْأَسْبَابِ فِي دَفْعِ الْمَكْرُوهِ وَحُصُولِ الْمَطْلُوبِ، وَلَكِنْ قَدْ يَتَخَلَّفُ عَنْهُ أَثَرُهُ، إِمَّا لِضَعْفِهِ فِي نَفْسِهِ بِأَنْ يَكُونَ دُعَاءً لَا يُحِبُّهُ اللَّهُ لِمَا فِيهِ مِنَ الْعُدْوَانِ، وَإِمَّا لِضَعْفِ الْقَلْبِ وَعَدَمِ إِقْبَالِهِ عَلَى اللَّهِ وَجَمْعِيَّتِهِ عَلَيْهِ وَقْتَ الدُّعَاءِ، فَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الْقَوْسِ الرَّخْوِ جِدًّا فَإِنَّ السَّهْمَ يَخْرُجُ مِنْهُ خُرُوجًا ضَعِيفًا، وَإِمَّا لِحُصُولِ الْمَانِعِ مِنَ الْإِجَابَةِ مِنْ أَكْلِ الْحَرَامِ، وَالظُّلْمِ، وَرَيْنِ الذُّنُوبِ عَلَى الْقُلُوبِ، وَاسْتِيلَاءِ الْغَفْلَةِ وَالسَّهْوِ وَاللَّهْوِ وَغَلَبَتِهَا عَلَيْهَا».

السَّبَبُ الثَّانِي: الِاسْتِغْفَارُ وَالتَّوْبَةُ.

قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: «وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} فَأَخْبَرَ أَنَّهُ لَا يُعَذِّبُ مُسْتَغْفِرًا؛ لِأَنَّ الِاسْتِغْفَارَ يَمْحُو الذَّنْبَ الَّذِي هُوَ سَبَبُ الْعَذَابِ فَيَنْدَفِعُ الْعَذَابُ كَمَا فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ وَابْنِ مَاجَهْ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ أَكْثَرَ الِاسْتِغْفَارَ جَعَلَ اللَّهُ لَهُ مِنْ كُلِّ هَمٍّ فَرَجًا وَمِنْ كُلِّ ضِيقٍ مَخْرَجًا وَرَزَقَهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ» وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ. وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ}. فَبَيَّنَ أَنَّ مَنْ وَحَّدَهُ وَاسْتَغْفَرَهُ مَتَّعَهُ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى … وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: {فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ. فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا} أَيْ فَهَلَّا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا فَحَقُّهُمْ عِنْدَ مَجِيءِ الْبَأْسِ التَّضَرُّعُ وَقَالَ تَعَالَى: {وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ} قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: مَا نَزَلَ بَلَاءٌ إِلَّا بِذَنْبٍ وَلَا رُفِعَ إِلَّا بِتَوْبَةٍ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ. فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ. إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ}. فَنَهَى الْمُؤْمِنِينَ عَنْ خَوْفِ أَوْلِيَاءِ الشَّيْطَانِ وَأَمَرَهُمْ بِخَوْفِهِ وَخَوْفُهُ يُوجِبُ فِعْلَ مَا أَمَرَ بِهِ وَتَرْكَ مَا نَهَى عَنْهُ وَالِاسْتِغْفَارُ مِنَ الذُّنُوبِ وَحِينَئِذٍ يَنْدَفِعُ الْبَلَاءُ وَيَنْتَصِرُ عَلَى الْأَعْدَاءِ فَلِهَذَا قَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَا يَخَافَنَّ عَبْدٌ إِلَّا ذَنْبَهُ. وَإِنْ سُلِّطَ عَلَيْهِ مَخْلُوقٌ فَمَا سُلِّطَ عَلَيْهِ إِلَّا بِذُنُوبِهِ فَلْيَخَفِ اللَّهَ وَلْيَتُبْ مِنْ ذُنُوبِهِ الَّتِي نَالَهُ بِهَا مَا نَالَهُ» انْتَهَى كَلَامُهُ.

قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ -رَحِمَهُ اللَّهُ-: «ثُمَّ أَخْبَرَ سُبْحَانَهُ عَمَّا اسْتَنْصَرَتْ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ وَأُمَمُهُمْ عَلَى قَوْمِهِمْ مِنِ اعْتِرَافِهِمْ وَتَوْبَتِهِمْ وَاسْتِغْفَارِهِمْ وَسُؤَالِهِمْ رَبَّهُمْ أَنْ يُثَبِّتَ أَقْدَامَهُمْ وَأَنْ يَنْصُرَهُمْ عَلَى أَعْدَائِهِمْ، فَقَالَ: {وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (147) فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [آلُ عمران: 147 – 148].

لَمَّا عَلِمَ الْقَوْمُ أَنَّ الْعَدُوَّ إِنَّمَا يُدَالُ عَلَيْهِمْ بِذُنُوبِهِمْ، وَأَنَّ الشَّيْطَانَ إِنَّمَا يَسْتَزِلُّهُمْ وَيَهْزِمُهُمْ بِهَا، … وَأَنَّ النُّصْرَةَ مَنُوطَةٌ بِالطَّاعَةِ قَالُوا: {رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا}.

ثُمَّ عَلِمُوا أَنَّ رَبَّهُمْ تَبَارَكَ وَتَعَالَى إِنْ لَمْ يُثَبِّتْ أَقْدَامَهُمْ وَيَنْصُرْهُمْ لَمْ يَقْدِرُوا هُمْ عَلَى تَثْبِيتِ أَقْدَامِ أَنْفُسِهِمْ وَنَصْرِهَا عَلَى أَعْدَائِهِمْ، فَسَأَلُوهُ مَا يَعْلَمُونَ أَنَّهُ بِيَدِهِ دُونَهُمْ، وَأَنَّهُ إِنْ لَمْ يُثَبِّتْ أَقْدَامَهُمْ وَيَنْصُرْهُمْ لَمْ يَثْبُتُوا وَلَمْ يَنْتَصِرُوا» انْتَهَى كَلَامُهُ.

أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ وَلِسَائِرِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ، فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.

الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ:

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَا غَالِبَ لِمَنْ نَصَرَهُ، وَلَا نَاصِرَ لِمَنْ خَذَلَهُ، أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ فَازْدَادُوا إِيمَانًا، وَأَيَّدَهُمْ بِجُنُودٍ لَمْ يَرَوْهَا فَكَانُوا بِنَصْرِهِ أَعِزَّةً؛ يَبْتَلِي فَيَصْبِرُ الصَّابِرُونَ، وَيُعْطِي فَيَشْكُرُ الشَّاكِرُونَ، وَيُمْهِلُ فَيَتُوبُ التَّائِبُونَ، وَيَتَوَكَّلُ عَلَى رَبِّهِ الْمُتَوَكِّلُونَ؛ أَحْمَدُهُ حَمْدًا يَلِيقُ بِجَلَالِهِ، وَأُثْنِي عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، بَلَّغَ الرِّسَالَةَ وَأَدَّى الْأَمَانَةَ وَنَصَحَ الْأُمَّةَ، فَصَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: 7].

أَمَّا بَعْدُ: فَقَدْ مَضَى مِنْ أَسْبَابِ النَّصْرِ الدُّعَاءُ وَالِاسْتِغْفَارُ وَالتَّوْبَةُ، وَمِنَ الْأَسْبَابِ:

السَّبَبُ الثَّالِثُ: التَّوَكُّلُ، وَهُوَ اعْتِمَادُ الْقَلْبِ عَلَى اللَّهِ مَعَ فِعْلِ الْأَسْبَابِ، وَالتَّوَكُّلُ خَاصٌّ بِاللَّهِ كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [الْمَائِدَةُ: 23].

وَالتَّوَكُّلُ مِنْ أَعْظَمِ الْعِبَادَاتِ الْقَلْبِيَّةِ، قَالَ الْإِمَامُ ابْنُ الْقَيِّمِ: “فَظَهَرَ أَنَّ التَّوَكُّلَ أَصْلٌ لِجَمِيعِ مَقَامَاتِ الْإِيمَانِ وَالْإِحْسَانِ، وَلِجَمِيعِ أَعْمَالِ الْإِسْلَامِ، وَأَنَّ مَنْزِلَتَهُ مِنْهَا مَنْزِلَةُ الْجَسَدِ مِنَ الرَّأْسِ” انْتَهَى كَلَامُهُ.

قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: «قَالَ تَعَالَى: {فَاعْفُ عَنْهُمُ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ * إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} فَأَمَرَهُ إِذَا عَزَمَ أَنْ يَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ فَلَوْ كَانَ الْمُتَوَكِّلُ لَا يُعِينُهُ عَلَى مِثْلِ مَا عَزَمَ عَلَيْهِ لَمْ يَكُنْ بِهِ عِنْدَ الْعَزْمِ فَائِدَةٌ يُبَيِّنُ سُبْحَانَهُ أَنَّهُ هُوَ النَّاصِرُ دُونَ غَيْرِهِ فَقَالَ: {وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} فَنَهَى عَنِ التَّوَكُّلِ عَلَى غَيْرِهِ وَأَمَرَ بِالتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ لِيَحْصُلَ لِلْمُتَوَكِّلِ عَلَيْهِ النَّصْرُ الَّذِي لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ» انْتَهَى كَلَامُهُ.

وَإِنَّ لِضَعْفِ عَقِيدَةِ التَّوَكُّلِ آثَارًا خَطِيرَةً، مِنْهَا شِدَّةُ التَّعَلُّقِ بِالْأَسْبَابِ الْمَادِّيَّةِ، فَالْمَرِيضُ يَشْتَدُّ تَعَلُّقُهُ بِالطَّبِيبِ مُتَغَافِلًا عَنْ رَبِّ الطَّبِيبِ، وَمُحْتَاجُ الْمَالِ يَطْلُبُهُ وَلَوْ كَانَ مُحَرَّمًا كَأَنْ يَسْرِقَ أَوْ يَعْمَلَ فِي الْبُنُوكِ الرِّبَوِيَّةِ وَهَكَذَا… وَمِنَ الْخَطَأِ الْكَبِيرِ أَنْ يُعْتَقَدَ أَنَّ تَرْكَ الْأَسْبَابِ مِنْ تَحْقِيقِ التَّوْحِيدِ، بَلِ التَّوَكُّلُ وَالتَّوْحِيدُ حَقًّا هُوَ الْجَمْعُ بَيْنَ فِعْلِ الْأَسْبَابِ وَالِاعْتِمَادِ عَلَى رَبِّ الْأَسْبَابِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، قَالَ الْإِمَامُ ابْنُ الْقَيِّمِ: “وَأَجْمَعَ الْقَوْمُ عَلَى أَنَّ التَّوَكُّلَ لَا يُنَافِي الْقِيَامَ بِالْأَسْبَابِ، بَلْ لَا يَصِحُّ التَّوَكُّلُ إِلَّا مَعَ الْقِيَامِ بِهَا، وَإِلَّا فَهُوَ بَطَالَةٌ وَتَوَكُّلٌ فَاسِدٌ” انْتَهَى كَلَامُهُ.

السَّبَبُ الرَّابِعُ: الصَّبْرُ، قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ -رَحِمَهُ اللَّهُ-: «وَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى الصَّبْرَ وَالتَّقْوَى جَمِيعًا فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ كِتَابِهِ وَبَيَّنَ أَنَّهُ يَنْصُرُ الْعَبْدَ عَلَى عَدُوِّهِ مِنَ الْكُفَّارِ الْمُحَارِبِينَ وَالْمُعَاهَدِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَعَلَى مَنْ ظَلَمَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَلِصَاحِبِهِ تَكُونُ الْعَاقِبَةُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ وَقَالَ ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾».

السَّبَبُ الْخَامِسُ: الْفَأْلُ وَحُسْنُ الظَّنِّ بِاللَّهِ، وَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَنْهَى عَنِ التَّطَيُّرِ وَيُعْجِبُهُ الْفَأْلُ، رَوَى الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنْ أَنَسٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَا عَدْوَى وَلَا طِيَرَةَ، وَيُعْجِبُنِي الْفَأْلُ الصَّالِحُ الْكَلِمَةُ الْحَسَنَةُ».

وَإِنَّ لِحُسْنِ الظَّنِّ بِاللَّهِ وَالْفَأْلِ الطَّيِّبِ الْأَثَرَ الْعَظِيمَ عَلَى نَفْسِ الْمُؤْمِنِ، قَالَ الْإِمَامُ ابْنُ الْقَيِّمِ -رَحِمَهُ اللَّهُ-: «كَمَا قَالَ بَعْضُ الْعَارِفِينَ: الْمُتَوَكِّلُ كَالطِّفْلِ، لَا يَعْرِفُ شَيْئًا يَأْوِي إِلَيْهِ إِلَّا ثَدْيَ أُمِّهِ، كَذَلِكَ الْمُتَوَكِّلُ لَا يَأْوِي إِلَّا إِلَى رَبِّهِ». ثُمَّ قَالَ -رَحِمَهُ اللَّهُ-: «فَعَلَى قَدْرِ حُسْنِ ظَنِّكَ بِهِ وَرَجَائِكَ لَهُ يَكُونُ تَوَكُّلُكَ عَلَيْهِ. وَلِذَلِكَ فَسَّرَ بَعْضُهُمُ التَّوَكُّلَ بِحُسْنِ الظَّنِّ فَقَالَ: التَّوَكُّلُ حُسْنُ الظَّنِّ بِاللَّهِ.» انْتَهَى كَلَامُهُ.

وَاعْلَمُوا -إِخْوَةَ الْإِيمَانِ- أَنَّ حُسْنَ الظَّنِّ بِاللَّهِ لَا يَكُونُ بِإِسَاءَةِ الْعَمَلِ، وَلَكِنْ مَنْ تَابَ وَاسْتَغْفَرَ وَتَوَكَّلَ عَلَى رَبِّهِ وَفَعَلَ الْأَسْبَابَ، وَدَعَا اللَّهَ وَالْتَجَأَ إِلَيْهِ، فَإِنَّهُ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِرَبِّهِ، قَالَ الْإِمَامُ ابْنُ الْقَيِّمِ -رَحِمَهُ اللَّهُ-: «وَقَدْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِقَوْمِهِ: {أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ – فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [الصافات: 86 – 87].

أَيْ مَا ظَنُّكُمْ أَنْ يَفْعَلَ بِكُمْ إِذَا لَقِيتُمُوهُ وَقَدْ عَبَدْتُمْ غَيْرَهُ.

وَمَنْ تَأَمَّلَ هَذَا الْمَوْضِعَ حَقَّ التَّأَمُّلِ عَلِمَ أَنَّ حُسْنَ الظَّنِّ بِاللَّهِ هُوَ حُسْنُ الْعَمَلِ نَفْسُهُ، فَإِنَّ الْعَبْدَ إِنَّمَا يَحْمِلُهُ عَلَى حُسْنِ الْعَمَلِ ظَنُّهُ بِرَبِّهِ أَنْ يُجَازِيَهُ عَلَى أَعْمَالِهِ وَيُثِيبَهُ عَلَيْهَا وَيَتَقَبَّلَهَا مِنْهُ، فَالَّذِي حَمَلَهُ عَلَى الْعَمَلِ حُسْنُ الظَّنِّ، فَكُلَّمَا حَسُنَ ظَنُّهُ حَسُنَ عَمَلُهُ، وَإِلَّا فَحُسْنُ الظَّنِّ مَعَ اتِّبَاعِ الْهَوَى عَجْزٌ، .. وَبِالْجُمْلَةِ فَحُسْنُ الظَّنِّ إِنَّمَا يَكُونُ مَعَ انْعِقَادِ أَسْبَابِ النَّجَاةِ، وَأَمَّا مَعَ انْعِقَادِ أَسْبَابِ الْهَلَاكِ فَلَا يَتَأَتَّى إِحْسَانُ الظَّنِّ» انْتَهَى كَلَامُهُ.

وَقَالَ -رَحِمَهُ اللَّهُ-: «وَأَمَّا الْمُسِيءُ الْمُصِرُّ عَلَى الْكَبَائِرِ وَالظُّلْمِ وَالْمُخَالَفَاتِ فَإِنَّ وَحْشَةَ الْمَعَاصِي وَالظُّلْمِ وَالْحَرَامِ تَمْنَعُهُ مِنْ حُسْنِ الظَّنِّ بِرَبِّهِ،» انْتَهَى كَلَامُهُ.

فَاتَّقُوا اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ، وَادْعُوهُ وَتُوبُوا إِلَيْهِ، وَتَوَكَّلُوا عَلَيْهِ وَاصْبِرُوا، وَأَحْسِنُوا الظَّنَّ بِهِ وَأَحْسِنُوا الْعَمَلَ، فَإِنَّ النَّصْرَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَهُوَ لِمَنْ أَخَذَ بِأَسْبَابِهِ وَصَدَقَ فِي طَلَبِهِ.

اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلَامَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَانْصُرْ عِبَادَكَ الْمُؤْمِنِينَ وَعَلَيْكَ بِالرَّافِضَةِ الْحُوثِيِّينَ وَمَنْ نَاصَرَهُمْ…

نسخة للطباعة
تنزيل الكتاب
نسخة للجوال
تنزيل الكتاب

شارك المحتوى:
0