جاءت أحاديث مختلفة في الذكر بعد الصلاة، فما الذي ثبتَ من الذكر بعد الصلاة؟ وما الأفضل منها؟


يقول السائل: جاءت أحاديث مختلفة في الذكر بعد الصلاة، فما الذي ثبتَ من الذكر بعد الصلاة؟ وما الأفضل منها؟

الجواب:

قد جاءت أحاديث عِدَّة عن رسول الله ﷺ في الذكر بعد الصلاة، والذي رأيته ثابتًا مِنها هي صفاتٌ خمس:

الصفة الأولى: أن يُسبح الله دبر كل صلاة ثلاثًا وثلاثين، ويحمده ثلاثًا وثلاثين، ويكبره ثلاثًا وثلاثين، ثبت هذا في الصحيحين من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- أنَّ فقراء المجاهرين أتوا رسول الله ﷺ فقالوا: ذهب أهل الدثور بالأجور …الحديث.

الصفة الثانية: أنَّ التسبيح ثلاثًا وثلاثين والتحميد ثلاثًا وثلاثين، والتكبير أربعًا وثلاثين، ثبت في صحيح مسلم من حديث كعب بن عجرة.

الصفة الثالثة: أنَّ التسبيح ثلاثًا وثلاثين، وأنَّ التحميد ثلاثًا وثلاثين، وأنَّ التكبير ثلاثًا وثلاثين، ثم يقول: لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير. مرةً واحدة، ثبت هذا في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.

الصفة الرابعة: أن يسبح عشرًا وأن يكبِّر عشرًا وأن يحمدَ عشرًا، ثبت هذا عند أبي داود والنسائي من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنه-.

الصفة الخامسة: أن يسبح خمسًا وعشرين، وأن يُكبِّر خمسًا وعشرين، وأن يحمد خمسًا وعشرين، وأن يُهلِّل خمسًا وعشرين، ثبت هذا عند النسائي والترمذي وأحمد من حديث زيد بن ثابت -رضي الله عنه-.

فهذه صفاتٌ خمس ثبتت عن رسول الله ﷺ.

ويستحبُّ للمسلم أن يُنوِّع، تارةً يأتي بهذه وتارةً يأتي بهذه، حتى يأتي بالسنة التي جاءت عن رسول الله ﷺ، ولأنَّ في التنويع حِفظًا لها، فإنه إذا نَوَّعَ المصلي بالإتيان بهذه الصفات الخمس، فإنه يحفظها ويضبطها.

وأفضل هذه الصفات -والله أعلم- هو أن يسبح دبر كل صلاة ثلاثًا وثلاثين، ويحمد الله ثلاثًا وثلاثين، ويُكبِّر الله ثلاثًا وثلاثين، ثم يقول مرةً واحدة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيءٍ قدير. ويدل لذلك أنه ذكر في هذا الحديث فضلًا، وهو أنه تحط خطاياه ولو كانت مثل زبد البحر، وقد ذهب إلى أنَّ هذا أفضل الإمام أحمد في رواية، وهو قول إسحاق بن راهويه.

إلا أني أُنبِّه إلى أمور:

الأمر الأول: أنه إذا جاء في الأحاديث ذِكرُ التهليل، كما في حديث زيد بن ثابت الذي تقدم، فإنَّ أكمل التهليل أن يقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير. هذا أكمله، كما اختاره ابن تيمية -رحمه الله تعالى-؛ وذلك أنَّه جاء في الأحاديث ذِكرُ التهليل وأُطلِق وأُريد به هذا الوجه الكامل، كما في حديث عبد الله بن الزبير في صحيح مسلم لما قال: كان يُهلِّل بهِنَّ دبر كل صلاة. وهذا التهليل هو قول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيءٍ قدير.

ولو أتى بقول: لا إله إلا الله. لكفى، لكن الأكمل أن يأتي بهذه الصفة، فإنَّ التهليل أُطلِق وأُريدَ به ما هو أكمل مما تقدم ذكره.

الأمر الثاني: الأفضل في الذكر في قول: (سبحان الله) و(الحمد لله) و(الله أكبر) أن يأتي بكل واحدة وحدها ثلاثًا وثلاثين وبحسب العدد الذي تقدم ذكره، فمثلًا يقول: سبحان الله، سبحان الله، سبحانه الله …ثلاثًا وثلاثين، ويقول: الحمد لله، الحمد لله، الحمد لله … ثلاثًا وثلاثين، ويقول: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر …ثلاثًا وثلاثين، ثم يقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له … إلخ مرة واحدة.

وذلك أنَّ الأحاديث جاءت بلفظ الإفراد، فقال ﷺ: «مَن سبَّح الله دبُر كل صلاة ثلاثًا وثلاثين، وحمده ثلاثًا وثلاثين …»، وإلى هذا ذهب الإمام إسحاق بن راهويه، وهو ترجيح الحافظ ابن رجب في شرحه على البخاري.

الأمر الثالث: جاءت زيادة بعض الأحاديث وهي شاذة، في حديث: ذهب أهل الدثور بالأجور…، فمن الروايات:

الرواية الأولى: أنَّ هناك رواية في البخاري أنه يكبر إحدى عشرة مرة بدل ثلاثًا وثلاثين، لكن هذا من كلام سهيل لا من كلام النبي ﷺ كما بيَّن ذلك ابن رجب في شرحه على البخاري، فالبخاري أوردها لكن جاءت الرواية الأخرى وبيَّنت أنه من كلام سهيل لا من كلام النبي ﷺ.

وأيضًا من بعض الأخطاء في هذا الحديث أنه جاءت رواية في الحديث نفسه أنَّ التكبير يكون عشر مرات بدل إحدى عشرة مرة، لكن بيَّن ابن حجر أنَّ هذه الرواية شاذة، وأنَّ ورقاء تفرَّد بها، وأنَّ أكثر الروايات لم تأتِ بهذه.

وأيضًا مما جاء في هذا الحديث خطأً أنَّ في بعض الروايات يُكبِّر أربعًا وثلاثين؛ لأنَّ الرواية في الصحيحين -وهي المشهورة- أنه يسبح ثلاثًا وثلاثين ويحمد ثلاثًا ثلاثين ويكبر ثلاثًا وثلاثين، وقد تقدم ذكرها في الصفة الأولى، لكن جاءت رواية أنه يُكبِّر أربعًا وثلاثين، لكن الأكثرين رووه على أن يُكبر ثلاثًا وثلاثين، وهذا هو حديث: ذهب أهل الدثور بالأجور، فالأكثر من رواياته ما تقدم ذكره في الصفة الأولى، أن يسبحه ثلاثًا وثلاثين وأن يحمد ثلاثًا وثلاثين، وأن يكبر ثلاثًا وثلاثين، وجاءت رواية أن يكبر أربعًا وثلاثين، لكنها خلاف الأكثر الذي رُوي في هذا الحديث كما بيَّن ذلك الحافظ ابن حجر في شرحه على البخاري.

أسأل الله الذي لا إله إلا هو أن يعلمنا ما ينفعنا وأن ينفعنا بما علمنا.

411_1


شارك المحتوى:
0