بدعُ الأقوالِ والأفعال تستلزم محاذير فاسدة، ما هي؟


يقول السائل: بدعُ الأقوالِ والأفعال تستلزم محاذير فاسدة، ما هي؟

الجواب:

إنَّ للبدعِ مفاسِد عظيمة وكثيرة، وقبلَ ذكر بعضها أُقدِّم بما يلي:

المقدمة الأولى: معنى البدعة: إحداثٌ في الدِّين بعبادة لم يتعبَّد بها رسول الله ﷺ ولا صحابته، فكلُّ عبادةٍ لم يتعبَّد بها رسول الله ﷺ ولا صحابته فهي بدعة، إذَن البدعةُ إحداثٌ في الدِّين لا في الدنيا.

المقدمة الثانية: الأصل في العبادات الحظرُ والمنعُ، وقد دلَّ على هذا الكتاب والسنة والإجماع، أما الكتاب قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنْ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: 21] قال شيخ الإسلام ابن تيمية في كتاب (القواعد النورانية): وقد ذهب فقهاء أهل الحديث كالإمام أحمد وغيره إلى الاستدلال بهذه الآية في ذم البدع.

وثبت في الصحيحين من حديث عائشة -رضي الله عنها- أنَّ النبي ﷺ قال: «مَن أحدثَ في أمرنا هذا ما ليس منهُ فهو ردٌّ».

وقد حكى شيخ الإسلام ابن تيمية الإجماع على أنَّ الأصل في العبادات الحظر والمنع.

روَّجَ كثيرٌ من أهل البدع كثيرًا من البدع بحُجَّة أنه يوجد في الدِّين بدعةٌ حسنة، وهذا مِن الضلال المُبين؛ وذلك أنه مُخالف للأدلة التي تقدم ذكر بعضها، ومِن جهةٍ أخرى مُخالف للإجماع، فقد حكى شيخ الإسلام الإجماع على أنه لا يوجد في الدِّين بدعةٌ حسنة.

ويدل لذلك ما روى البيهقي في (المدخل) عن ابن عمر -رضي الله عنهما- أنه قال: كل بدعةٍ ضلالة وإن رآها الناس حسنةً.

ويكفي في ذلك أنَّ النبيَّ ﷺ قال فيما أخرج مسلم مِن حديث جابر: «وكلُّ بدعةٍ ضلالة».

ثم إنَّ للبدع مفاسد عظيمة، أذكر بعضها على عجالة سريعة:

المفسدة الأولى: أنَّ حقيقة البدعة كذبٌ على الله؛ لأنَّ المبتدع إذا ابتدعَ بدعةً فهو يزعم أنَّ هذا دين الله، وهذا كذب على الله، فالذي ابتدعَ الاحتفال بمولد النبي ﷺ أو احتفَل به وزعمَه دينًا، فهو قد كذبَ على الله، كما بيَّن هذا الشاطبيُّ -رحمه الله- في كتابه (الاعتصام).

المفسدة الثانية: أنَّ البدع تلتبس على كثير من العامة؛ لأنَّها تجمع في الظاهر بين خيرٍ وشر، فلذا تكون الفتنة بها أكثر مِن غيرها، فالالتباس والتلبيس على العامة في البدع أكثر من غيرها، وهذا بخلاف المعاصي الشهوانية، فإنه لا يحصل بها التباسٌ كما يحصل بالبدع.

المفسدة الثالثة: -وهي فرع عن التي قبلها- بما أنَّ البدع كذلك، فإنَّ أتباع المبتدع على الباطل كثيرون، لذا يتحمَّل أوزارهم وأوزار مَن تبعهم.

المفسدة الرابعة: بما أنَّ البدعة تجمع بين الخير في الظاهر والشر، فإنَّ أصحابها لا يتوبون مِنها، لأجل هذا قال سفيان الثوري: البدعة أحبُّ إلى الشيطان مِن المعصية، المعصية يُتاب منها والبدعة لا يُتاب منها. رواه اللالكائي.

وقد بيَّن هذا وشرحه شيخ الإسلام ابن تيمية كما في (مجموع الفتاوى)، وذلك أنَّ أصحابها يظنون أنفسهم على خير، فإذا سمع المبتدع داعية الخير يقول: اتقوا الله واجتهدوا في الطاعة والعبادة. فإنه يجتهد في بدعِه -عافاني الله وإياكم-.

المفسدة الخامسة: أنه كلما أُحييت وأُحدثت بدعة فإنه في مقابل ذلك تموت سنة، قال البربهاري -رحمه الله-: واعلم أنَّ الناس لم يبتدعوا بدعةً قط حتى تركوا مِن السنة مثلها.

وروى الدارمي عن حسان بن عطية أنه قال: ما ابتدع قوم بدعة في دينهم إلا نُزع من سنتهم مثلها.

المفسدة السادسة: أنَّ البدعة تزداد يومًا بعد يوم -عافاني الله وإياكم- لذا قال عامر بن عبد الله: ما ابتدع رجلٌ بدعة إلا أتى غدًا بما كان يُنكره اليوم. ذكره ابن بطة في (الإبانة الصغرى).

وقال البربهاري -رحمه الله-: واحذر صغار المُحدثات مِن الأمور، فإنَّ صغير البدع يعود حتى يصير كبيرًا.

وقال شيخ الإسلام -رحمه الله- كما في (مجموع الفتاوى): إنَّ البدع تبدأ شبرًا ثم تكون في أصحابها ذراعًا، ثم باعًا.

المفسدة السابعة: أنَّ حقيقة البدعة تخوينٌ لرسول الله ﷺ، قال الإمام مالك فيما ذكره ابن حزم والشاطبي في كتاب (الاعتصام): مَن أحدَث في الدِّين بدعة فقد زعمَ أنَّ محمدًا ﷺ خانَ الرسالة؛ لأنَّ الله يقول: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة: 3].

إلى غير ذلك مِن المفاسد الكثيرة، لأجل هذه المفاسد وغيرها أجمعَ أهل العلم على أنَّ البدع أشدُّ إثمًا مِن المعاصي الشهوانية، حكى الإجماع شيخ الإسلام ابن تيمية كما في (مجموع الفتاوى)، وظواهر الأدلة وكلام السلف مُؤيِّد لهذا ومُؤكِّد لهذا الإجماع.

أسأل الله الذين لا إله إلا هو أن يُجنِّبنا البدع كلها، وأن يُحيينا جميعًا على التوحيد والسنة وأن يميتنا على ذلك.

449_1


شارك المحتوى:
0