« الْمُحَافَظَةُ عَلَى الطَّاعَاتِ »
محمد بن سليمان المهوس /جامع الحمادي بالدمام
19/12/ 1447
الخُطْبَةُ الأُولَى
إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ، وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلاَ مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلاَ هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.
أَمَّا بَعْدُ: أَيُّهَا النَّاسُ: أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُمْ مُّسْلِمُونَ﴾[آل عمران: 102].
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ : قَبْلَ أَيَّامٍ كُنَّا مَعَ أَيَّامِ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ، الَّتِي هِيَ أَحَبُّ الْأَيَّامِ إِلَى اللهِ، فَتَقَرَّبَ مَنْ تَقَرَّبَ فِيهَا مِنْ أَعْمَالٍ مُتَنَوِّعَةٍ، ثُمَّ انْقَضَتْ كَغَيْرِهَا مِنَ الْأَزْمِنَةِ الْفَاضِلَةِ، وَبَقِيَ مَا عَمِلَهُ الْمُسْلِمُ فِيهَا مِنْ أَعْمَالٍ صَالِحَةٍ يَنْبَغِي أَنْ يُحَافِظَ عَلَيْهَا لِكَيْ لَا تَذْهَبَ هَدْرًا؛ كَحَالِ السَّلَفِ الصَّالِحِ الَّذِينَ كَانُوا يُحَافِظُونَ عَلَى أَعْمَالِ الْبِرِّ فِي الرَّخَاءِ وَالشِّدَّةِ، وَفِي النَّشَاطِ وَالْفُتُورِ؛ لِأَنَّ الْأَعْمَالَ إِنَّمَا تُوزَنُ بِخَوَاتِيمِهَا، وَتُعْرَفُ حَقِيقَةُ الِاسْتِقَامَةِ بِدَوَامِهَا؛ فَاسْتَقَامُوا عَلَى الطَّاعَةِ حَتَّى لَقُوا رَبَّهُمْ، فَفَازُوا بِرِضْوَانِهِ وَجَزِيلِ ثَوَابِهِ.
قُدْوَتُهُمْ بِذَلِكَ رَسُولُهُمْ – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ – الَّذِي كَانَ أَخْشَى النَّاسِ لِلَّهِ وَأَتْقَاهُمْ لَهُ، وَقَدْ غَفَرَ اللهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ، وَمَعَ ذَلِكَ فَقَدْ ضَرَبَ أَرْوَعَ الْأَمْثِلَةِ وَأَعْظَمَهَا فِي الْمُحَافَظَةِ عَلَى الطَّاعَةِ ؛ وَذَلِكَ بِالْمُدَاوَمَةِ عَلَيْهَا؛ فَقَدْ كَانَ – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ – يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ حَتَّى تَتَفَطَّرَ قَدَمَاهُ، وَحِينَ سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ، قَالَ: «أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا؟» [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ].
وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ عَائِشَةَ – رَضِيَ اللهُ عَنْهَا – أَنَّ رَسُولَ اللهِ – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ – سُئِلَ: «أَيُّ الْعَمَلِ أَحَبُّ إِلَى اللهِ؟» قَالَ: «أَدْوَمُهُ وَإِنْ قَلَّ».
فَعَلَيْنَا – عِبَادَ اللهِ – أَنْ نُجَاهِدَ أَنْفُسَنَا عَلَى الْمُحَافَظَةِ عَلَى مَا اكْتَسَبْنَاهُ مِنَ الْحَسَنَاتِ، وَمِنْ ذَلِكَ أَوَّلًا:
الْحَذَرُ كُلُّ الْحَذَرِ مِنَ السَّيِّئَاتِ الْمُتَأَخِّرَةِ؛فَإِنَّ لَهَا تَأْثِيرًا عَلَى الْحَسَنَاتِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَكَمَا أَنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هُود: 114] فَكَذَلِكَ السَّيِّئَاتُ قَدْ تُذْهِبُ الْحَسَنَاتِ أَوْ تُنْقِصُ مِنْهَا، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾[مُحَمَّد: 33].
قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ – رَحِمَهُ اللهُ –: «بِالْمَعَاصِي».
ثَانِيًا: الْحَذَرُ مِنَ التَّسْمِيعِ وَالتَّحَدُّثِ بِالطَّاعَاتِ الْمَعْمُولَةِ؛ فَبَعْضُهُمْ يَتَكَلَّمُ بِكُلِّ طَاعَةٍ فَعَلَهَا مِنْ صَلَاةٍ، أَوْ حَجٍّ، أَوْ صَدَقَةٍ، أَوْ صِيَامٍ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الطَّاعَاتِ، وَهَذَا قَدْ يُؤَثِّرُ فِي ثَوَابِ مَا فَعَلَ ؛ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللهِ – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ –: «مَنْ سَمَّعَ سَمَّعَ اللهُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» أَيْ: فَضَحَهُ وَكَشَفَ أَمْرَهُ وَبَيَّنَ عَيْبَهُ لِلنَّاسِ. [رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ].
فَكُنْ دَائِمًا سَاتِرًا لِحَسَنَاتِكَ كَمَا تُحِبُّ أَنْ تَكُونَ دَائِمًا سَاتِرًا لِسَيِّئَاتِكَ ؛ قَالَ – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ -: «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ» – وَذَكَرَ مِنْهُمْ –: «وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ». [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ].
وَعَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ – رَضِيَ اللهُ عَنْهُ – قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ -: «مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَكُونَ لَهُ خَبِيءٌ مِنْ عَمَلٍ صَالِحٍ فَلْيَفْعَلْ». [صَحَّحَهُ الْأَلْبَانِيُّ فِي السِّلْسِلَةِ الصَّحِيحَةِ].
قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ – رَحِمَهُ اللهُ -: «فَمَنْ أَصْلَحَ سَرِيرَتَهُ فَاحَ عَبِيرُ فَضْلِهِ، وَعَبِقَتِ الْقُلُوبُ بِنَشْرِ طِيبِهِ، فَاللهَ اللهَ فِي السَّرَائِرِ، فَإِنَّهُ مَا يَنْفَعُ مَعَ فَسَادِهَا صَلَاحٌ ظَاهِرٌ» [صَيْدُ الْخَاطِرِ لِلْإِمَامِ ابْنِ الْجَوْزِيِّ]
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ وَاسِعٍ – رَحِمَهُ اللهُ -: «لَقَدْ أَدْرَكْتُ رِجَالًا كَانَ الرَّجُلُ يَكُونُ رَأْسُهُ مَعَ رَأْسِ امْرَأَتِهِ عَلَى وِسَادَةٍ وَاحِدَةٍ، قَدْ بَلَّ مَا تَحْتَ خَدِّهِ مِنْ دُمُوعِهِ، لَا تَشْعُرُ بِهِ امْرَأَتُهُ، وَلَقَدْ أَدْرَكْتُ رِجَالًا يَقُومُ أَحَدُهُمْ فِي الصَّفِّ فَتَسِيلُ دُمُوعُهُ عَلَى خَدِّهِ، وَلَا يَشْعُرُ بِهِ الَّذِي إِلَى جَانِبِهِ». [حِلْيَةُ الْأَوْلِيَاءِ لِأَبِي نُعَيْمٍ: ٢/٣٤٧].
اللَّهُمَّ اجْعَلْ عَمَلَنَا كُلَّهُ صَالِحًا، وَاجْعَلْهُ لِوَجْهِكَ خَالِصًا، وَلَا تَجْعَلْ لِأَحَدٍ مِنْ خَلْقِكَ فِيهِ شَيْئًا، يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ.
أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ وَلِسَائِرِ الْمُسْلِمِينَ، فَاسْتَغْفِرُوهُ، إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.
الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ
الْحَمْدُ للهِ عَلَى إِحْسَانِهِ، وَالشُّكْرُ لَهُ عَلَى تَوْفِيقِهِ وَامْتِنَانِهِ، وَأَشْهَدُ أَلاَّ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ تَعْظِيمًا لِشَانِهِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الدَّاعِي إِلَى رِضْوانِهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَأَعْوَانِهِ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.
أَمَّا بَعْدُ: أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: اتَّقُوا اللَّهَ تَعَالَى، وَاعْلَمُوا أَنَّ مِنَ الْأُمُورِ الْمُعِينَةِ عَلَى الْمُحَافَظَةِ عَلَى الطَّاعَةِ: التَّضَرُّعَ الدَّائِمَ بِطَلَبِ الْعَوْنِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَمِنْ أَنْفَعِ الْأَدْعِيَةِ مَا أَوْصَى بِهِ رَسُولُنَا – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ – مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – بِقَوْلِهِ: «أُوصِيكَ يَا مُعَاذُ، لَا تَدَعَنَّ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ تَقُولُ: اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ، وَشُكْرِكَ، وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ». [صَحِيحُ أَبِي دَاوُد].
وَمِنْ حُسْنِ الْعِبَادَةِ: أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْعِبَادَةُ خَالِصَةً لِلَّهِ تَعَالَى، كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ ﴾ [ البينة : 5 ] ؛ هَذَا، وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى نَبِيِّكُم كَمَا أَمَرَكُمْ بِذلِكَ رَبُّكُمْ، فَقَالَ: ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾، وَقَالَ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وِآلِهِ وَسَلَّمَ-: «مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلاةً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا» [ رواه مسلم ].
اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَأَهْلِ بَيْتِهِ الطَّاهِرِينَ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عَنِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، وَعَنِ الصَّحَابَةِ أَجْمَعِينَ، وَعَنِ التَّابِعِينَ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عَنَّا مَعَهُمْ بِمَنِّكَ وَإِحْسَانِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.
اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسْلامَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَاخْذُلْ مَنْ خَذَلَ الدِّينَ، وَاجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا مُطْمَئِنًّا، وَسَائِرَ بِلادِ الْمُسْلِمِينَ.
اللَّهُمَّ يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ، يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ، يَا مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، نَسْأَلُكَ أن تعيننا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك .
وَصَلَّى اللهُ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
