التسليم للشرع وتطبيقه على الواقع


الحمد لله الذي جعلنا من خير أمة أخرجت للناس ، وألبسنا لباس التقوى خير لباس ، أحمده سبحانه هدانا للإسلام وعلمنا القرآن وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله سيد ولد عدنان ، صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً أما بعد: ( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله .. )

عباد الله : ما سمي المسلم مسلمًا إلا لأنه استسلم لله تعالى بالتوحيد، وانقاد له بالطاعة، وخلص من الشرك، وتبرأ منه ومن أهله ﴿ وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ العَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ ﴾

فإذا جاء الأمر من الله تعالى في الكتاب أو السنة فلا مجال للاختيار أو التردد؛ بل يجب التسليم والانقياد والطاعة ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ

يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ﴾

هذه صفة أهل الإيمان واليقين والتقوى ﴿ إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ المُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ * وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الفَائِزُونَ ﴾

فالتسليم عباد الله : لنصوص الكتاب والسنة ركن عظيم من أركان الدين، ولا تثبت قدم المسلم على الإسلام إلا عليه ، وإنَّ من أعظم الزيغ والضلال الذي تقع به الفتنة والعذاب عدم الاستسلام لنصوص الوحي، لهوى او بجهالة ، أو لدفع التهمة واللائمة عن النفس ، أو لإيقاع التهمة بالآخر ، أو لتبرير الخطأ وعدم محاولة التصحيح وإعادة النظر ،وما علم المسكين أنه إنما يحاسب على عمله ويعاقب على خطئه ، وأقبح منه أن ينبز الخصم مقابله ويعيره لاتباعه للنص بما ينفر منه ، كتسمية المبتدعة أهل السنة في زمن مضى حشوية لإثباتهم الصفات ، وفي زمن آخر وهابية لنهيهم عن الاستغاثة بالمقبورين والتبرك بالصالحين ، وتسمية مبتدعة زماننا أهل السنة بغلاة الطاعة لنهيهم عن الخروج والمظاهرات ضد الحاكم المسلم ، وهكذا إلى قيام الساعة ولهذا ذكر ابن القيم : أنه ما ظهر في أمة أهل هذه الآراء الذين لا سمع لهم ولا عقل؛ بل هم شر من الحمير، إلا فسد أمرها أتم فساد ، وأكثر أصحاب الجحيم هم ، فهم الذين يقولون يوم القيامة ﴿لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ ﴾)وهو ما خشيه النبي صلى الله عليه وسلم على أمته ، روى ابن ماجه وصححه الألباني عن أبي الدرداء رضي الله عنه: “خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن نذكر الفقر ونتخوفه فقال: (آلفقر تخافون؟ والذي نفسي بيده لتُصَبنَّ عليكم الدنيا صبًّا حتى لا يزيغ قلب أحدكم إزاغة إلا هِيَهْ، وايم الله لقد تركتم على مثل البيضاء ليلُها ونهارها سواء) قال أبو الدرداء: صدق والله رسول الله صلى الله عليه وسلم تركنا والله على مثل البيضاء ليلها ونهارها سواء.

يقول جل وعلا: (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) .

قال الإمام أحمد -رحمه الله-: “أتدرون ما الفتنة؟! الفتنة الشرك، لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك“

وجاء قوم إلى ابن عباس -رضي الله عنه-، فسألوه عن مسألة فأفتاهم بحديث النبي -صلى الله عليه وسلم-، فقالوا: أبو بكر وعمر يقولان بغير هذا، فقال: يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء أقول لكم قال الله ورسوله وتقولون قال: أبو بكر وعمر)

وذكر ابن رجب -رحمه الله-: أن أحد العلماء حدث بحديث: “إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما يصنع“.

فقال رجل مستهزئا بالحديث: “قوموا من مجالسكم لا تكسروا أجنحة الملآئكة” كالساخر بالحديث.

فما جاء من الغد إلا وقد طرق نعله بمسامير يريد أن يمشي بها في مجلس العلم ليكسر أجنحة الملآئكة كما يزعم، فلم يدخل المجلس حتى جفت رجلاه، ووقعت فيها الآكلة -أي الغرغرينة- نعوذ بالله من هوى النفوس برد النصوص فهو طريق للسخرية وعلامة عليها .

ومن ذلكم عباد الله : ما يدندن به كثيرون عندما يحدثون بأحاديث النبي صلى الله عله وسلم في الصبر والطاعة لولي الأمر أن ذلك تطبيل لهم وخنوع ، وما علم المسكين أنه خضوع لرب البشر واستسلام، وطاعة للمعصوم صلى

الله عليه وسلم .

وَإن مما هو متحتم علينا معرفته مما أوحى به ربنا وجاء عن نبينا معرفة أن ما يحل بنا من بلايا ومصائب في أموالنا ومعايشنا ، هو ما قرره ربنا بقوله:(وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ)، وتأملوا عباد الله قوله(وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ) واستحيوا من الله الذي عفا عن كثير ، وأصابنا بأثر القليل ،(ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ

يَرْجِعُونَ) أيدي الناس وكلنا من أولئك الناس ، فلا يحل بنا من عقوبة فهو من خطيئتنا (وما كان الله ليظلمهم ).

قَالَ – جَلَّ وَعَلا -: ﴿ وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ * وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾ فالغَفلَةُ عَن سُنَنِ اللهِ، وَموت الإِحسَاس بِأَسبَابِ إِهلاكِ اللهِ من قَبَلنا وَمَن حَولَنا، أُمَمٍ بَادَت وَاختَفَت، ودُوَل سَقَطَت وَذَهَبَت، بَل وَنشَاهِدُ أُنَاسًا مِن حَولِنا يُتَخَطَّفُونَ وَتُهلِكُهُمُ الحُرُوبُ وَالمَجَاعَاتُ، وهل سبب ذلك كله إلا الذُّنُوبُ وَالمَعَاصِي وَالإِعرَاضُ عَن أَمرِ اللهِ، فلما نخلي أنفسنا عن المسؤلية ونلقي بالآئمة على غيرنا ، بل الواجب على الصادقين لعبودية ربهم أن يعودوا باللوم على أنفسهم وتقصيرها في حق ربها فضلا عن أن يسخطوا من قدر الله ويستقلوا نعمه عليهم .

كيف ونحن لا نزَالُ في رَغَدٍ وَأَمنٍ وَشِبَعٍ؛ مع ما نحن فيه من بَقِيَّةِ صَلاحٍ وَإِصلاحٍ وَإِيمَانٍ وَسُنَّةٍ، فعلام التأفف والضجر

فالاعتراف بنعم الله ، والرضا بما قسمه الله ، هو الغنى الحقيقي. وقد أوصى النبي -صلى الله عليه وسلم- أبا هريرة فقال:”ارض بما قسم الله لك، تكن أغنى الناس”

رواه الترمذي وصححه الألباني.

وروى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا: انظروا إلى من أسفل منكم ولا تنظروا إلى من هو فوقكم فهو أجدر ألا تزدروا نعمة الله .

المرء إذا نظر إلى من فُضِّلَ عليه في الدنيا، استصغر ما عنده من نعم الله، فكان سببا لمقته، وإذا نظر للدون، شكر النعمة، وتواضع وحَمِدَ لربه.

فالرضا بالحال يجلب لصاحبه طمأنينة النفس وهدوء البال , والأنس في الحياة فرحا بكل قليل .

أما السخط فما يزيد الانسان إلا اضطرابا دائما , وتمردا وحقدا وحسدا , وكآبة مهما تعددت عنده الخيرات , فهو دائما يريد المزيد , بل ويشعر داخل نفسه أنه لا يملك إلا القليل .

ووالله ما عاش التضجر والتسخط من قدر الله في مصيبة

غلاء أو بلاء أو فقد محبوب أو حصول مكروب إلا من فقد الحياة الطيبة وهي كما قال الإمام ابن القيم: إنَّما جعلت الحياة الطيبة لمن آمن بالله وعمل صالحاً، كما قال تعالى :{مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً}

ولو نظر هذا الشاكي إلى حاله لوجد نفسَهُ غارقاً في نِعَمٍ عظيمة، لا يستطيع شكرها لو بقي طوال حياته ساجداً شكراً لله تعالى، فلماذا ينسى هذه النِّعَم التي لا تُعَدُّ ولا تحصى وأعظمها نعمة الإسلام ويذكر بعض المصائب التي لا تُذكر بجانب ما أكرمه الله من فضله.

يجري القضاءُ وفيه الخيرُ نافلة –لمـؤمنٍ واثقٍ باللهِ لا لاهي

إنْ جـاءَه فـرحٌ أو نابه ترحٌ — في الحالتين يقولُ: الحمدُ للهِ

أقول هذا القول وأستغفر الله لي ولكم .

الخطبة الثانية :

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده

روى الخمسة أصحاب السنن وأحمد عدا النسائي وصححه الألباني عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال غلا السعر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا يا رسول الله قد غلا السعر فسعِّر لنا فقال: (إن الله هو المسعر القابض الباسط الرازق، إني لأرجو أن ألقى ربي وليس أحد يطلبني بمظلمة في دم ولا مال) .

فغلاء الأسعار لم يسلم منه أفضل العهود وأزكاها عصرُ النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابِه، ففي ذلكم عباد الله : تسلية وعزاء لكل مجتمع قد يصاب في دنياه بشيء من المصائب ولو كان ذلكم المجتمع على دين وتقوى وصلاح فإن الابتلاءات كما تكون عقوبات فإنها قد تكون أيضاً لتكفير السيئات ورفع الدرجات.

وفي الحديث الآخر الذي رواه أبوداود وحسنه ابن حجر عن ابي هريرة رضي الله عنه أن رجلا جاء فقال يا رسول الله سَعِّر فقال بل أدعو ) فوجه النبي صلى الله عليه وسلم إلى الدعاء ، وأن يعلق العباد قلوبهم بالله ويسألوه ما ينفعهم من رخص الأسعار ووفرة الأرزاق .

اللهم إنا نسألك رخص الأسعار وبركة الأرزاق ودوام نعمة الأمن واجتماع الكلمة وتحكيم الشريعة إنك سميع الدعاء .

اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك . اللهم اجعلنا لك ذكارين ، لك شكارين ،……………

اللهم يا منزل الكتاب ويا مجري السحاب ويا سريع الحساب ويا هازم الأحزاب أهزم الحوثين المعتدين اذناب

اعداء دينك وحبيبك وصحبه الكرام اللهم اهزمهم

اللهم شتت جمعهم ، واضرب بعضهم برقاب بعض .


شارك المحتوى: