يقول السائل: الأدلة كثيرةٌ على علو الله، لكن ما توجيه ما يلي:
قوله تعالى: ﴿وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله﴾؟
وقوله: ﴿ما يكون من نجوى ثلاثةٍ إلا هو رابعهم﴾؟
الجواب:
قد صدقَ السائل، فإنَّ الأدلة كثيرةٌ على علوِّ الله، حتى ذكر بعض علماء الشافعية أنَّ هناك ألفي دليلٍ على علو الله، ونصَّ على هذا ابن القيم في نونيَّته، وبسطَ هذا في كتابه (اجتماع الجيوش الإسلامية) وبسط النقولات عن أهل العلم الذهبي في كتابه (العلو)، وأطال الكلام ابن القيم في كتابه (أعلام الموقعين)، وكلام العلماء كثيرٌ في ذلك.
فقد دلَّ القرآن على أنَّ الله في السماء، كما قال سبحانه: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: 10] يصعد إليه: يرتفع إليه، فدلَّ على أنه في السماء سبحانه.
وقال سبحانه: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [الطور: 5] أي علا وارتفع، لا كما يقول أهل البدع من المعتزلة والأشاعرة أنَّ استوى بمعنى استولى، وإنما بمعنى علا وارتفع.
أما الأحاديث النبوية فقد أخرج مسلم عن معاوية بن الحكم السلمي -رضي الله عنه- أنه أراد أن يعتِق جارية، فأتى بها إلى النبي ﷺ، فسأل النبيُّ ﷺ هذه الجارية: «أين الله؟» قالت: في السماء، قال: «مَن أنا؟» قالت: أنت رسول الله ﷺ. قال: «أعتِقها فإنها مؤمنة».
وقد دلَّت على هذا الفطرة، فإنَّ النفوس مجبولة على أنَّ الله في السماء، لذا إذا اشتكت البهائم رفعت بصرها إلى السماء، وإذا أراد الداعي أن يدعو رفع كفيه إلى السماء.
ودل على هذا العقل، فإنَّ المكان مكانان، مكان علوٍّ ومكان سُفلٍ، ولله المَثَلُ الأعلى فله مكان العلو دون السُّفل، وقد ذكر هذا الإمام أحمد، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم.
إلى غير ذلك من الأدلة.
وأما قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [الزخرف: 84] هو المعبود في السماء والمعبود في الأرض، لا أنه بذاته في الأرض، كما قال سبحانه: ﴿وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ﴾ [الأعراف: 127] أي: ويذرك وعبادتك.
وقوله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: 7] هذا فيه إثبات المعِيَّة العامة، أنَّ الله مع عباده بالمعيَّة العامة والتي مقتضاها العلم، يعلم ما يفعلون وما حالهم، لا أنه معهم بذاته، فإنَّ المعية لا تقتضي الملاصقة ولا الممازجة، بل كُلٌّ معيته بحسبه، ومعناه مطلق المصاحبة.
فتقول: سرت والقمر. والقمر في السماء ومع ذلك تقول: سرتُ والقمر؛ لأنَّ معنى المعية مطلق المصاحبة ولا تتنافى مع كون القمر في السماء، وتقول: سرتُ وصاحبي. وهو جانبك، ولا يلزم من المعية المُلاصقة، فكلُّ سياقٍ بحسبه، وتقول: وضعتُ الماء مع اللبن. أي امتزجَ به، فإذن معنى المعية: مطلق المصاحبة، وكُلُّ مصاحبةٍ بحسبها.
ومقتضى المعية العامة العلم كما تقدم، أما مقتضى المعية الخاصة كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل: 128] أي النصرة والتأييد، وقد سبق بسط الكلام في مثل هذا في جوابٍ سابقٍ.