الآداب الشرعية والتوجيهات المرعية في الحج


الْخُطْبَةُ الْأُولَى

الْحَمْدُ لِلَّهِ الْعَظِيمِ الْكَرِيمِ… هَيَّأَ لِعِبَادِهِ أَسْبَابَ التَّوْفِيقِ، وَيَسَّرَ لِمَنْ شَاءَ مِنْ عِبَادِهِ السُّبُلَ لِحَجِّ بَيْتِهِ الْعَتِيقِ… فَجَعَلَ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِ فَيَأْتُونَهُ ﴿رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ [الْحَجِّ: 27].

وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ أَجْمَعِينَ، وَمَنْ تَبِعَ سُنَّتَهُ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النِّسَاءِ: 1].

أَمَّا بَعْدُ:

فَإِنَّ حَجَّ بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ مِنْ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ الْعِظَامِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَحَجِّ الْبَيْتِ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

وَهُوَ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ عَاقِلٍ بَالِغٍ حُرٍّ وَاجِدٍ لِلزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آلِ عِمْرَانَ: 97]. وَهُوَ وَاجِبٌ عَلَى الْفَوْرِ، وَلَا يَجُوزُ تَأْخِيرُهُ لِلْمُسْتَطِيعِ، ثَبَتَ عِنْدَ الْبَيْهَقِيِّ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: «لَيَمُتْ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا – يَقُولُهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ – رَجُلٌ مَاتَ وَلَمْ يَحُجَّ وَقَدْ وَجَدَ لِذَلِكَ سَعَةً وَخُلِّيَتْ سَبِيلُهُ». صَحَّحَهُ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ، وَهَذَا عَامٌّ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ الْمُسْتَطِيعِينَ.

وَقَدْ رَتَّبَتِ الشَّرِيعَةُ عَلَى الْحَجِّ أُجُورًا كَثِيرَةً وَفَضَائِلَ عَظِيمَةً، فَهُوَ أَعْظَمُ عِبَادَةٍ جَمَعَتْ بَيْنَ الْبَذْلِ الْمَالِيِّ وَالْجُهْدِ الْبَدَنِيِّ. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ حَجَّ لِلَّهِ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ، رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَعَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «الْعُمْرَةُ إِلَى الْعُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا، وَالْحَجُّ الْمَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلَّا الْجَنَّةُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الْحَجَّ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ؟» أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.

وَثَبَتَ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «تَابِعُوا بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، فَإِنَّهُمَا يَنْفِيَانِ الْفَقْرَ وَالذُّنُوبَ كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ وَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَلَيْسَ لِلْحَجَّةِ الْمَبْرُورَةِ ثَوَابٌ إِلَّا الْجَنَّةُ».

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ أَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «إِيمَانٌ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ» قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: «جِهَادٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: «حَجٌّ مَبْرُورٌ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

وَعَنْ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يُعْتِقَ اللَّهُ فِيهِ عَبْدًا مِنَ النَّارِ، مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَإِنَّهُ لَيَدْنُو، ثُمَّ يُبَاهِي بِهِمُ الْمَلَائِكَةَ، فَيَقُولُ: مَا أَرَادَ هَؤُلَاءِ؟» أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.

وَبَيَّنَ الْعُلَمَاءُ أَنَّ الْحَجَّ الْمَبْرُورَ مَا جَمَعَ أُمُورًا ثَلَاثَةً: الْحَجَّ الَّذِي لَا إِثْمَ فِيهِ، وَالْحَجَّ الَّذِي لَا رِيَاءَ فِيهِ وَلَا سُمْعَةَ، وَالْحَجَّ الَّذِي مَالُهُ حَلَالٌ. وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الْحَجَّ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ؟» أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.

وَإِنَّ الشَّرِيعَةَ الْإِسْلَامِيَّةَ قَامَتْ عَلَى الْيُسْرِ وَرَفْعِ الْحَرَجِ، فَلَا يُكَلِّفُ اللَّهُ غَيْرَ الْمُسْتَطِيعِ نَفْسَهُ مَا لَا يُطِيقُ، قَالَ تَعَالَى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [الْبَقَرَةِ: 286]، وَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [الْبَقَرَةِ: 185]. فَعَلَى مَنْ لَمْ يَسْتَطِعِْ الْحَجَّ شَرْعًا أَوْ قُدْرَةً أَلَّا يُكَلِّفَ نَفْسَهُ مَا لَا تُطِيقُ، وَلْيُبَشَّرْ بِمَا يَنْوِيهِ مِنَ الْخَيْرِ، وَكَثِيرٌ مِنَ الْحُجَّاجِ مُفَرِّطُونَ، وَلِأَحْكَامِ الْحَجِّ جَاهِلُونَ، وَفِي تَعَلُّمِهِ مُقَصِّرُونَ، فَيَحُجُّ خَطَأً بِأَنْ يَتْرُكَ أَرْكَانًا وَوَاجِبَاتٍ أَوْ يَقَعَ فِي مَحْظُورَاتٍ وَمُحَرَّمَاتٍ، وَبَعْضُهُمْ يَتَسَاهَلُ وَيَسْتَفْتِي فِي الدِّينِ وَأَحْكَامِ الْحَجِّ بِلَا تَثَبُّتٍ، وَالْوَاجِبُ التَّثَبُّتُ وَعَدَمُ أَخْذِ الْعِلْمِ إِلَّا عَنِ الْمَوْثُوقِينَ، وَلَيْسَ كُلُّ مَنْ خَرَجَ فِي قَنَاةٍ فَضَائِيَّةٍ أَوْ كَانَ مُلْتَحِيًا فَهُوَ ثِقَةٌ فِي دِينِهِ، بَلِ الْوَاجِبُ التَّحَرِّي وَالِاحْتِيَاطُ.

رَوَى مُسْلِمٌ فِي مُقَدِّمَتِهِ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ هَذَا الْعِلْمَ دِينٌ، فَانْظُرُوا عَمَّنْ تَأْخُذُونَ دِينَكُمْ».

وَلْيَجْتَنِبِ الْحَاجُّ الشِّرْكِيَّاتِ وَالْبِدَعَ الَّتِي يَفْعَلُهَا كَثِيرٌ مِنَ الْحُجَّاجِ بِسَبَبِ تَقْلِيدِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، وَأَعْظَمُ عِلَاجٍ لِذَلِكَ الْعِلْمُ الشَّرْعِيُّ، وَتَلَقِّي الْعِلْمِ عَنِ الْعُلَمَاءِ الْمَوْثُوقِينَ، كَالشَّيْخِ الْعَلَّامَةِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ابْنِ بَازٍ، وَالشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ صَالِحٍ الْعُثَيْمِينَ، وَالشَّيْخِ مُحَمَّدِ نَاصِرِ الدِّينِ الْأَلْبَانِيِّ، وَسَمَاحَةِ الْمُفْتِي الْعَامِّ صَالِحٍ الْفَوْزَانِ -رَحِمَ اللَّهُ حَيَّهُمْ وَمَيِّتَهُمْ- بِوَاسِطَةِ الدُّرُوسِ الصَّوْتِيَّةِ وَالْمَسْمُوعَةِ، وَمِنَ الْمُفِيدِ حُضُورُ دُرُوسٍ وَدَوْرَاتٍ فِي أحكام الحج بالْمَسَاجِدِ.

وَمِنَ الْكُتُبِ النَّافِعَةِ الْمُخْتَصَرَةِ فِي أَحْكَامِ الْحَجِّ:

كِتَابُ (التَّحْقِيقِ وَالْإِيضَاحِ لِكَثِيرٍ مِنْ مَسَائِلِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ) لِلْعَلَّامَةِ الشَّيْخِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ابْنِ بَازٍ.

وَكِتَابُ (مَنَاسِكِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ) لِلْعَلَّامَةِ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ نَاصِرِ الدِّينِ الْأَلْبَانِيِّ. وكتابُ(مناسك الحج والعمرة) لِلْعَلَّامَةِ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ بن صالح العثيمين.

أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ، إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.

الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ

الْحَمْدُ لِلَّهِ وَكَفَى، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ الْمُجْتَبَى، وَالنَّبِيِّ الْمُصْطَفَى، أَمَّا بَعْدُ:

فَإِنَّ أَيَّامَ الْحَجِّ مَعْدُودَاتٌ، وَالْمُسْتَحَبُّ لِلْحَاجِّ مُجَاهَدَةُ نَفْسِهِ لِيَفُوزَ بِالْحَجِّ الْمَبْرُورِ. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ رَحِمَهُ اللَّهُ: «وَيَنْبَغِي لِلْمُحْرِمِ أَلَّا يَتَكَلَّمَ إِلَّا بِمَا يَعْنِيهِ، وَكَانَ إِذَا أَحْرَمَ كَأَنَّهُ الْحَيَّةُ الصَّمَّاءُ».

وَعَلَى مَنْ عَزَمَ عَلَى أَدَاءِ هَذِهِ الْفَرِيضَةِ الْعَظِيمَةِ أَنْ يَلْتَزِمَ بِالتَّعْلِيمَاتِ الصَّادِرَةِ مِنَ الْجِهَاتِ الرَّسْمِيَّةِ الْمُشَارِكَةِ فِي تَنْظِيمِ الْحَجِّ، كَالْأَجْهِزَةِ الْأَمْنِيَّةِ وَغَيْرِهَا مِنَ الْجِهَاتِ الْخِدْمِيَّةِ؛ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ تَحْقِيقِ الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ وَحِفْظِ الْأَنْفُسِ وَتَيْسِيرِ أَدَاءِ النُّسُكِ لَكَ وَلِإِخْوَانِكَ الْمُسْلِمِينَ، وَمِمَّا يَدْخُلُ فِي ذَلِكَ عَدَمُ أَدَاءِ الْحَجِّ دُونَ تَصْرِيحٍ نِظَامِيٍّ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ مُخَالَفَةٍ لِأَمْرِ وَلِيِّ الْأَمْرِ، وَإِضْرَارٍ بِالْحُجَّاجِ، وَتَعْرِيضِ الْأَنْفُسِ لِلْخَطَرِ.

قَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النِّسَاءِ: 59]. وَمُخَالَفَةُ التَّعْلِيمَاتِ الْمُنَظِّمَةِ لِلْحَجِّ تُفْضِي إِلَى الضَّرَرِ وَالْفَوْضَى، وَاللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [الْبَقَرَةِ: 190] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ».

وَعَلَى الْحَاجِّ أَنْ يَأْخُذَ بِالْأَسْبَابِ الصِّحِّيَّةِ وَالْوِقَائِيَّةِ لِلْمُحَافَظَةِ عَلَى النَّفْسِ، وَمِنْ ذَلِكَ: أَخْذُ اللِّقَاحَاتِ الْمُوصَى بِهَا قَبْلَ الذَّهَابِ لِلْحَجِّ، وَتَجَنُّبُ التَّعَرُّضِ الْمُبَاشِرِ لِأَشِعَّةِ الشَّمْسِ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ، وَاتِّخَاذُ مَا يَقِي مِنْهَا، وَالِالْتِزَامُ بِالْإِرْشَادَاتِ الصِّحِّيَّةِ الصَّادِرَةِ مِنَ الْجِهَاتِ الْمُخْتَصَّةِ، فَإِنَّ حِفْظَ النَّفْسِ مِنْ مَقَاصِدِ الشَّرِيعَةِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النِّسَاءِ: 29].

وَإِنَّهُ لَمَّا كَانَ فِي الْحَجِّ تَعَبٌ وَازْدِحَامٌ كَانَ مُتَعَيِّنًا عَلَى الْحَاجِّ مُجَاهَدَةَ نَفْسِهِ بِالتَّحَلِّي بِمَحَاسِنِ الْأَخْلَاقِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ مِنْ خِيَارِكُمْ أَحْسَنَكُمْ أَخْلَاقًا» أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ.

فَالْزَمْ أَيُّهَا الْحَاجُّ السَّكِينَةَ وَالرِّفْقَ فِي الْمَشَاعِرِ وَالطُّرُقَاتِ، وَابْتَعِدْ عَنِ التَّدَافُعِ وَتَعْرِيضِ النَّفْسِ وَالْغَيْرِ لِلْخَطَرِ، وَالْتَزِمْ بِتَنْظِيمَاتِ التَّفْوِيجِ وَمَسَارَاتِ الْحَرَكَةِ، وَتَحَلَّ بِالصَّبْرِ وَالْحِلْمِ وَالْأَخْلَاقِ الْحَسَنَةِ، وَرَاعِ حُقُوقَ الْآخَرِينَ، فَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقُولُ فِي حَجَّتِهِ: «أَيُّهَا النَّاسُ، السَّكِينَةَ السَّكِينَةَ»، وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ».

وَاسْتَثْمِرْ أَيَّامَ حَجِّكَ بِالذِّكْرِ وَالطَّاعَةِ، وَالْإِكْثَارِ مِنَ التَّلْبِيَةِ وَالدُّعَاءِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، وَاجْتَنِبِ اللَّغْوَ وَمَا لَا يَنْفَعُ، قَالَ تَعَالَى: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [الْبَقَرَةِ: 197].

وَلْنَدْعُ لِوُلَاةِ أَمْرِ هَذِهِ الْبِلَادِ الْمُبَارَكَةِ الْمَمْلَكَةِ الْعَرَبِيَّةِ السُّعُودِيَّةِ الَّذِينَ بَذَلُوا بِسَخَاءٍ كُلَّ غَالٍ وَنَفِيسٍ فِي خِدْمَةِ الْحَرَمَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ وَقَاصِدِيهِمَا مِنْ ضُيُوفِ الرَّحْمَنِ، نَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يَزِيدَهُمْ تَوْفِيقًا وَسَدَادًا.

اللَّهُمَّ وَفِّقْهُمْ لِخِدْمَةِ الْحَرَمَيْنِ وَالْقَاصِدِينَ، وَاجْزِهِمْ عَنِ الْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ خَيْرَ الْجَزَاءِ، اللَّهُمَّ احْفَظْ رِجَالَ أَمْنِنَا وَجَمِيعَ الْقَائِمِينَ عَلَى خِدْمَةِ الْحَجِيجِ، اللَّهُمَّ احْفَظْ بِلَادَ الْمُسْلِمِينَ جَمِيعًا بِالْخَيْرِ وَالْأَمْنِ وَالِاسْتِقْرَارِ وَالرَّخَاءِ.

اللَّهُمَّ وَفِّقْنَا لِلْحَجِّ الْمَبْرُورِ، اللَّهُمَّ اجْعَلْ حَجَّ الْمُسْلِمِينَ آمِنًا مَبْرُورًا، اللَّهُمَّ سَهِّلِ الْحَجَّ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَرُدَّهُمْ إِلَى أَهْلِهِمْ سَالِمِينَ…

نسخة للطباعة
تنزيل الكتاب
نسخة للجوال
تنزيل الكتاب

شارك المحتوى:
0