أرجو توضيح قول الحنابلة في وجوب صوم يوم الثلاثين مِن شعبان إذا حالَ دون رؤية الهلال غيم أو قتر


يقول السائل: أرجو توضيح قول الحنابلة في وجوب صوم يوم الثلاثين مِن شعبان إذا حالَ دون رؤية الهلال غيمٌ، مع ذِكر الراجح.

الجواب:

إنَّ دخول الشهر بأمرين اثنين:

الأمر الأول: رؤية الهلال، إذا رأى المسلمون هلال شهر رمضان فإنَّ الشهر قد دخل، لما أخرج البخاري ومسلم من حديث عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- أنَّ النبي ﷺ قال: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته»، وقد أجمع العلماء على ذلك، حكى الإجماع ابن قدامة.

الأمر الثاني: إذا لم ير الناس الهلال فإنهم يُكملون شعبان ثلاثين يومًا، ثم بعد ذلك يصومون رمضان، لما أخرج البخاري من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- أنَّ النبي ﷺ قال: «فإنْ غُمَّ عليكم فأكمِلوا عِدَّة شعبان ثلاثين يومًا»، وعلى هذا المذاهب الأربعة.

أما ما سأل عنه السائل وهو أنَّ بعض المتأخرين مِن الحنابلة يرون أنَّ اليوم الثلاثين مِن شعبان الذي يحتمِل أن يكون اليوم الأول مِن رمضان، إذا تراءى الناس الهلال فكان هناك غيم أو قَتَر -أي غبار- يمنع رؤية الهلال، فإنَّهم يُكملون شعبان ثلاثين يومًا، على حديث أبي هريرة المتقدم، إلا أنَّ بعض المتأخرين مِن الحنابلة قالوا: إنَّ هذا اليوم يُصام وجوبًا؛ لأنه يحتمل أن يكون مِن رمضان.

وهذا القول خطأ؛ لأنَّ النبي ﷺ أمرَنا إذا غُمَّ علينا أن نُكمِل شهر شعبان، ولم يأمرنا بصيامِه ﷺ، إلا أن يُتنبَّه إلى أنَّ هناك قولًا ذهبَ إليه الإمام أحمد -رحمه الله تعالى-، وهو قولُ جمعٍ مِن الصحابة، أنه إذا حالَ دونَ رؤيةِ الهلال غيمٌ أو قَتَر فإنَّ هذا اليوم يُصام استحبابًا لا وجوبًا، ومِن باب الاحتياط، وهذا مذهب خمسةٍ مِن صحابة رسول الله ﷺ.

فقد ثبت هذا القول عن عائشة -رضي الله عنها- فيما رواه سعيد بن منصور، وعن ابن عمر -رضي الله عنهما- فيما رواه أحمد في مسنده، وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- وأسماء -رضي الله عنها- ومعاوية -رضي الله عنه- فيما أخرجه الإمام أحمد في مسائله.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية كما في (شرح العمدة) وابن القيم في كتابه (زاد المعاد): إنَّ ابن عمر كان يصومه على وجه الاستحباب لا الوجوب؛ لأنه لو كان واجبًا عنده لأوجبَ على أهلِ بيتِه أن يصوموهُ، وما كان يُوجب عليهم.

فهؤلاء الصحابة ذهبوا إلى أنَّ هذا اليوم يُصام على وجه الاستحباب لا على وجه الوجوب، بنيِّةٍ مُعلَّقة، وهي: إذا كان مِن رمضان فإنهم قد صاموه، وهو قول أحمد كما تقدم.

ويُستفاد مِن هذا أنه لو تبيَّنَ فيما بعدُ أنَّ شهر رمضان ناقصٌ، بمعنى أنَّ الناس تراءوا الهلال في آخر شهر رمضان فرأوا هلال شوال وصار عدد شهر رمضان ثمانيةً وعشرين يومًا، فإنَّ الناس يقضونَ يومًا مِن رمضان لأنَّ الشهر نقص، إلا أنَّ مَن صامَ هذا اليوم على وجه الاحتياط بنيَّة أنه إن كان رمضان فقد صام، فإنه لا يقضي، وقد ذهب إلى ذلك جماهير أهل العلم، كما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى-.

فالخلاصة: أنَّ متأخري الحنابلة أخطأوا لما أوجبوا الصوم، وإنما الصواب أن صومَهُ مستحبٌّ وليس واجبًا.

فإن قال قائل: ما يوم الشك الذي نهى عنه النبي ﷺ فيما أخرج الخمسة من حديث عمار بن ياسر -رضي الله عنه- أنه قال: مَن صام اليوم الذي يُشكُّ فيه فقد عصى أبا القاسم ﷺ؟

فيُقال: إنَّ يوم الشك يوم الصحو، اليوم الذي يحتمل أن يكون الثلاثين مِن شعبان ويحتمل أن يكون الأول مِن رمضان، فتراءى الناس الهلال وكان الجو صحوًا وليس هناك غبار ولا قَتَر، فلَم يروا الهلال، فلا يصح لأحد أن يصوم هذا اليوم الثلاثين؛ لأنه هو يوم الشك، فيوم الشك هو يوم الصحو، أما الذي يُصام احتياطًا هو اليوم الذي يحول دون رؤية الهلال غيمٌ أو قَتَر، على ما تقدم ذكره.

أسأل الله أن يعلمنا ما ينفعنا وأن ينفعنا بما علمنا.

422_1


شارك المحتوى:
0