وينطق الرويبضة


الحمد لله رب العالمين ، و الصلاة و السلام على الرسول الصادق الأمين ، و بعد

فإن الله – سبحانه و تعالى – يقول : (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ) [1] ، و قال رسول الله r : (و إن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله ، لا يلقي لها بالا ، يهوي بها في جهنم ) [2]

و إن المتصفح – اليوم – لبعض مواقع الشبكة الدولية للمعلومات (الإنترنت) ، لتأخذه المفاجأة ، و الألم معًا ؛ مما يقع بصره عليه من كلامٍ ، لا خطام له و لا زمام ، و لكن هُراءٌ و مٍراءٌ ، و ظنونٌ و أوهامٌ ، و افتراءاتٌ جِسام .

و لعل مثل ذلك في بعض رسائل البريد الإلكتروني ، و القنوات الفضائية ، و الصحف و المجلات .

يتكلمون في الدين ، و في جليل أمور المسلمين ، بكلامٍ ما أنزل الله به من سلطانٍ .

كلامٌ يتذكر معه الإنسان قول النبي محمد r : (سيأتي على الناس سنوات خداعات يُصدق فيها الكاذب و يُكذب فيها الصادق و يُؤتمن فيها الخائن و يُخَوَّن فيها الأمين و ينطق فيها الرويبضة (قيل و ما الرويبضة قال : الرجل التافه) في أمر العامة ) [3]

كلامٌ يصدق عليه قول النبي محمد r : (فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ بَعْدِي فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا) [4] .

كلامٌ يتذكر معه الإنسان قول القائل : (ما العجب ممن هلك كيف هلك ، إنما العجب ممن نجا كيف نجا)

كلامٌ تشمئز منه النفوس العفيفة ، و تنبذه القلوب الطاهرة ، و تُقومه الألسن الشريفة ، و تتصدي له الأقلام الساهرة .

أفلا يتقون ، و يعلمون أنهم مسؤولون عما يقولون .

أفلا يخافون الرحمن الذي أقسم بالقلم و ما يسطرون ، و قال : (مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) [5]

ألم يسمعوا قول القائل :

و ما من كاتبٍ إلا سيفنى … و يَبقى الدهرَ ما كتبَت يداه

فلا تكتب بيدك غير خطٍ … يسُّرك في القيامة أن تراه

ألا يصدقون مع الله ، و مع أنفسهم ، و مع الناس .

هلا تعلموا قبل أن يتكلموا ؛ حتى لا يندموا ؛ فإن (من دعا إلى ضلالة ، كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه ، لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا) [6] .

هلا تَثَبَّتوا قبل أن يُثْبِتوا .

إذا تكلم المتكلم ، فليتكلم بكلام الله – سبحانه ، (وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا) [7] ،كلام الله الذي (نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ) [8] ، فليتكلم بكلام نبينا الصادق المصدوقr الذي لا ينطق عن الهوى ، فليتكلم بكلام السابقين الأولين من المهاجرين و الأنصار و الذين اتبعوهم بإحسان ، الذين رضي الله عنهم و رضوا عنه .

و هذا نداءٌ لنا للتمسك بسنة نبينا محمد r ؛ حتى ننجوَ من هذا الاختلاف ، كما قال r : (فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ، تَمَسَّكُوا بِهَا، وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ) [9] ، و لا يتأتى ذلك إلا بطلب العلم الشرعي .

نداءٌ بأن ندعو الله – عز و جل – بثبات القلب على الدين ، و نسأله العافية ، و دوام العافية ، و أن نشكره على العافية .

نداءٌ بأن نحفظ على ذوينا ، و من هم تحت مسؤوليتنا – أن نحفظ عليهم عيونهم ، و أسماعهم ، و قلوبهم : من الأقوال الضالة و الأفكار المضلة ؛ فكلنا مسؤولٌ عن رعيته .

و أخيرًا هو نداءٌ بأن ننصح لهؤلاء الكاتبين ، و القارئين : بالحجة و اللسان ، و التعليم و البيان ، حتى يتبين لهم أنه الحق ؛ فإن (الدين النصيحة) [10]، و إن (من دعا إلى هدى ، كان له من الأجر مثل أجور من تبعه ، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا) [11] .

و صل اللهم و بارك على نبينا محمد ، و آله و صحبه و سلِّم .

و كتبه أبو أحمد ، خالد بن إبراهيم بن عبد الرازق الشرقاوي ، في صبيحة يوم الجمعة ، الحادي عشر من شهر ذي القعدة الحرام لعام ثلاثين و أربعمائة و ألف من هجرة النبي محمد r .


[1] سورة الأعراف 33 .

[2] صحيح البخاري 6478 .

[3] صحيح سنن ابن ماجه 3261.

[4] مسند الإمام أحمد 17145 .

[5] سورة ق 18 .

[6] صحيح مسلم 2674 .

[7] سورة النساء 122 .

[8] سورة الزمر 23 .

[9] مسند الإمام أحمد 17145 .

[10] صحيح مسلم 55 .

[11] صحيح مسلم 2674 .