وجوب العدل بين الأولاد وكيفيته


وجوب العدل بين الأولاد وكيفيته

الخطبة الأولى

الحمد لله الذي أوجب العدل في كل الأحوال، وحرم الظلم في الدماء والأعراض والحقوق والأموال، وأشهد أن لا إله إلا الله كامل الأوصاف وواسع النوال، وأشهد أنّ محمدا عبده ورسوله الذي فاق جميع العالمين في العدل والفضل والإفضال، اللهم صل وسلم على محمد وعلى آله وأصحابه خير صحب وأشرف آل.

أما بعد: أيها الناس، اتقوا الله تعالى، واعلموا أنّ مدار التقوى على القيام بالعدل في حقوق الله وحقوق العباد.

فإنّ التوحيد غاية العدل، والشرك أعظم الظلم وأشنع الفساد، كما قال تعالى: (إنّ الشرك لظلم عظيم).

وقد أمر الله تعالى ورسوله – صلى الله عليه وسلم – بالعدل بين الناس في جميع الحقوق، ونهى عن الظلم والجور والفسوق.

ومن ذلكم معاشر المؤمنين: العدل بين الأولاد الذي أخلّ فيه كثير من الناس إما جهلًا أو عمدًا، وكلا الأمرين جدّ خطير.

روى البخاري ومسلم عن النعمانِ بن بشيرٍ رضي الله عنهما قال: تصدق علي أبي ببعض ماله، فقالت أمي: لا أرضى حتى تشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فانطلق أبي إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليشهده على صدقتي، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أفعلت هذا بولدك كلهم؟ “قال: لا، قال: “اتقوا الله واعدلوا في أولادكم، فرجع أبي فرد تلك الصدقة”.

وفي رواية: “أشهد على هذا غيري”.

وفي رواية: “إني لا أشهد على جور”.

وفي رواية: قال: “أيسرك أن يكونوا إليك في البر سواء؟ قال: بلى، قال: فلا إذاً”.

قال ابن القيم – رحمه الله -: ” أمر بالتسوية بين الأولاد في العطية، وأخبر أنّ تخصيص بعضهم بها جور لا يصلح، ولا تنبغي الشهادة عليه. وأمر فاعله برده، ووَعَظَه، وأمره بتقوى الله تعالى، وأمره بالعدل لكون ذلك ذريعة ظاهرة قريبة جدًا إلى وقوع العداوة بين الأولاد وقطيعة الرحم بينهم، كما هو المشاهد عياناً”.

 

عباد الله:

وإنّ من المفاهيم الخاطئة التي تنتشر لدى البعض: أنّ بعض الأولاد ربما برّ أباه أكثر من غيره؛ فيفضله أبوه بالهبة ويعطيه أكثر من غيره بسبب ذلك.

قال سماحة الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -: “وإذا كان بعض الأولاد يبره أكثر من الآخر فلا يبره والده بالعطية ويفضله على غيره بل بره لوالده أجره على الله وأما الوالد فعليه التسوية بين أولاده لأنه إذا فضّل من يبره كان ذلك إغراءً للآخر بالتمادي في عقوقه، وأيضًا فإنه لا يدري فقد تنقلب الحال فيكون البار عاقًا والعاق بارًا”.

بارك الله لي ولكم في القرآن والسنة، ونفعني الله وإياكم بما فيهما من الآيات والحكمة، أقول ما سمعتم، وأستغفر الله لي ولكم من كل ذنب وخطيئة؛ فاستغفروه، وتوبوا إليه؛ إنه هو الغفور الرحيم.

 

 

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له: إله الأولين والآخرين، وقيوم السماوات والأرضين، وأشهد أنّ محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحابته أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد؛

معاشر المؤمنين: اتقوا الله تعالى، واعدلوا بين أولادكم.

واعلموا أنّ المشروع في عطية الأولاد أن تكون على قدر إرثهم: للذكر مثل حظ الأنثيين، كما قال تعالى: (يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين)، ولأن الشرع أعلم بمصالحنا فلو لم يكن الأصلح التفضيل بين الذكر والأنثى لما شرعه، ولأن حاجة الذكر إلى المال أعظم من حاجة الأنثى، ولأن الله تعالى جعل الرجال قوامين على النساء.

وهذا كله في الهبة المحضة التي يهبها الوالد لأولاده؛ تفضلًا منه وإحسانًا.

أما إن كان لأحد الأولاد حاجة أو نفقة؛ فإنه لا يجب على الوالد التعديل بينهم بقدر إرثهم، بل بقدر حاجتهم، فيجب التعديل في الإنفاق على ولده بقدر الحاجة، فإذا قُدر أنّ الأنثى فقيرة، والذكرَ غني، فهنا ينفق على الأنثى ولا يعطي ما يقابل ذلك للذكر؛ لأن الإنفاق لدفع حاجة.

فالتعديل بين الأولاد في النفقة: أن يعطي كل واحد منهم ما يحتاج، فإذا كان أحدهم محتاجًا للنفقة للمدرسة، من كتب ودفاتر وأقلام وحبر وما أشبه ذلك، والآخر هو أكبر منه لكنه لا يدرس، فإذا أعطى الأول لم يجب عليه أن يعطي الثاني مثله، وهكذا لو احتاج أحدهم إلى تزويج والآخر لا يحتاج، فالعدل أن يعطي من يحتاج إلى التزويج ولا يعطي الآخر.

هذا وصلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه، فقال: (إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً)

اللهم صل وسلم على يا رب العالمين، وارض اللهم عن صحابة نبيك أجمعين، وعن التابعين، ومن تبعهم، وعنا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، واخذل من خذل الدين.

اللهم احفظ ولاة أمرنا، ووفقهم بتوفيقك وأيدهم بتأييدك واجعل عملهم صالحًا في رضاك، اللهم هيء لهم البطانة الصالحة التي تدلهم على الخير وتعينهم عليه يا رب العالمين.

اللهم انصر جنودنا المرابطين على الحدود والثغور وفي الداخل يا قوي يا عزيز.

ربنا آتنا في الدنيا حسنةً وفي الآخرة حسنةً وقنا عذاب النار.

ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم، وتب علينا؛ إنك أنت التواب الرحيم.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم (إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون – وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلا إن الله يعلم ما تفعلون)، و الحمد لله رب العالمين.

 

أعدّ الخطبة: بدر بن خضير الشمري.

للملاحظات التواصل عبر الرقم: 0533646769.