الموقع تحت التجربة ، نستقبل ملاحظاتكم واقتراحاتكم عبر اتصل بنا


هناك صوفي يقول: إن التبرك والتوسل جائز بالإجماع ، ما كيفية الرد عليه؟


هناك صوفي يقول: إن التبرك والتوسل جائز بالإجماع، ونقل أثرًا عند البيهقي في دلائل النبوة، وعند الحاكم المستدرج وغيرهما: أن الخالد ابن الوليد فَقَد قلنسوة له في يوم اليرموك، فقال: اطلبوها، فلم يجدوها، ثم طلبوها فوجدوها، فقال خالد: اعتمر رسول الله  فحلق رأسه، فابتدر الناس إلى جوانب شعره، فسبقت من ناصيته، فجعلت في هذه القلنسوة، فلم أشهد قتالًا إلا وهي معي فرزقت النصر، ما صحة هذا الأثر؟ وما كيفية الرد عليه؟

 

يقال أولًا: إن ما ذكره عن خالد ابن الوليد قد رواه الحاكم وغيره، ولكن بين الذهبي –رحمه الله- أن إسناده منقطع، والمنقطع من أنواع الحديث الضعيف، بهذا يكون الذهبي –رحمه الله- تعالى قد ضعّفَ هذه القصة.

ثم يقال ثانيًا: إنه لا دلالة في هذا الأثر على التبرك الذي يدعو إليه الصوفية، لأن هذا التبرك هو التبرك بآثار النبي ﷺ وهذا جائز، وقد فعله الصحابة والتابعون، كما ثبت في صحيح مسلم: عن أنس بن مالك، قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى الغداة جاء خدم المدينة بآنيتهم فيها الماء، فما يؤتى بإناء إلا غمس يده فيها، فربما جاءوه في الغداة الباردة، فيغمس يده فيها» وهناك غير حديث يدل على التبرك بالنبي ﷺ وبآثاره.

فإذًا، هذا التبرك جائز، وهو التبرك بالنبي ﷺ وآثاره، وأنا لا أعلم أحدًا من علمائنا من علماء السنة من ينكر هذا التبرك، لكنهم يقولون: إنه لا يصح التبرك بآثار النبي ﷺ إلا بعد أن يثبت أن هذا أثرٌ من آثار النبي ﷺ، فيثبت بسند صحيح أن هذا ثوبه، أو أن هذه آنيته، أو أن هذا شعره، أما مجرد الدعوة فلا تقبل؛ بل لأبد أن يثبت هذا بإسناد صحيح.

والواقع أنه لا يثبت شيء أنه من آثار النبي ﷺ، وكُلُّ من ادّعى فهو كذب لا صحة له، كما بين ذلك العلّامة الألباني –رحمه الله- في كتابه “أحكام التوسل”، فقد بيَّن أنه لم تصح نسبة شيء من الآثار إلى النبي ﷺ.

فبهذا يُعلَم أنه كل من ادَّعى أنه من آثار النبي ﷺ فهو كذب.

وقد دخلت متحفًا في دولة تركيا -أعازها الله بالتوحيد والسنة، وجميع بلاد المسلمين-، فرأيت آثارًا، يزعمون أنها آثار لرسول الله ﷺ، كما يزعمون أن بعض الآثار لموسى عليه السلام، وأن بعضها لآدم، وهذا من الكذب الكُبَّار، ومن اختلاق أهل التصوف، أو من اختلاق أهل الدنيا ليتكسبوا من أمثال هذه الأمور، إذًا التبرك بآثار النبي ﷺ قد تقدَّم أنه جائز، بشرط ثبوت هذه الآثار عن رسول الله.

أما ثالثًا فيقال: إن المعركة مع الصوفية في التبرك والتوسل الممنوع شرعًا، وذلك أن التبرك والتوسل نوعان:-

أما التبرك فهو: ما بين تبرك ممنوع، وتبرك مشروع.

والتبرك الممنوع: منه ما هو شرك أكبر، كاتخاذ الأولياء والصالحين من دون الله يذبح لهم، إلى غير ذلك، ومن فعل ذلك كغلاة الصوفية أو غيرهم باسم التبرك فهو كاذب، وقد وقع في الشرك الأكبر؛ لأنه صرف عبادة لغير الله، وقد قال الله تعالى: ﴿ وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ﴾[النساء:36].

وقال: ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ [الفاتحة:5].

فدلَّ هذا على أن العبادة خاصة بالله.

ومن التبرك الممنوع، التبرك البدعي، وهو: ما لم يدلّ عليه دليل، ولم يصل إلى درجة التبرك الشركي، فمثل هذا من التبرك تبرّك بدعي، كالتبرك بالأولياء والصالحين، بأن يتمسح بهم، ويتسابق على بصاقهم، أو غير ذلك من التبرك، فكل هذا التبرك تبرك بدعي؛ لأن المقتضي بفعله كان موجودًا عند الصحابة والتابعين فلم يفعلوه، فما كان المقتضي لفعل أمر ممن يتعبد به أو يرجى منه الخير الديني، ولم يفعله السلف من الصحابة والتابعين لهم بإحسان بإمكان الفعل ولا مانع يمنعهم، ففعل مثل هذا بدعة شرعًا.

ومن ذلك: التمسح والتبرك بذوات الصالحين وغير ذلك، وقد قرَّر هذا تقريرًا بديعًا الشاطبي –رحمه الله تعالى- في كتابه “الاعتصام”، وقرره ابن رجب في كتابه “الإذاعة”، وكذلك الشيخ سليمان بن عبد الله في كتابه “تيسير العزيز الحميد” وقرر غيره من أئمة الدعوة، وغيرهم من علمائنا، ومن ذلك الشيخ العلامة ابن باز، والشيخ العلامة الألباني، والشيخ العلّامة محمد بن صالح العثيمين –رحمه الله- تعالى رحمة واسعة.

واستدل هؤلاء: بأن أمثال هذا التبرك وُجد المقتضي أي: السبب الدافع لفعله- عند الصحابة والتابعين، ولا مانع يمنعهم من الفعل، ومع ذلك لم يفعلوا، فلو كان خيرًا لسبقونا إليه، وقد روى وكيعٌ في “كتاب الزهد” بسند صحيح عن عبد الله بن مسعود قال: ((اتبعوا، ولا تبتدعوا، فقد كفيتم)).

وروى البيهقي في كتاب “المدخل” عن ابن عمر أثرًا ثابتًا عنه: أنه قال: ((كلُّ بدعة ضلالة ،وإنْ رآها الناس حسنة)).

فالمقصود: إن أمثال هذا التبرك بدعة، ولو كان خيرًا لسبق إليه الصحابة، لذا لم يثبت أن أحدًا من الصحابة تبرك بأبي بكر الصديق، أي: تبرك بذاته، أو بثيابه، أو بشعره، وكذلك لم يثبت شيء من هذا أن أحدًا من الصحابة أو التابعين تبرك بعمر أو بعثمان أو بعلي، فدل هذا دلالة واضحة على أن هذا التبرك بدعي، ومحرَّم في الشرع.

وكلام الشاطبي المالكي في كتابه “الاعتصام” كلام عظيم في بيان عدم شرعية هذا التبرك.

أما النوع الثاني من التبرك هو: التبرك المشروع، فهو التبرك الذي أذنت به الشريعة، كالتبرك بالأزمان الفاضلة، بأن يجتهد فيها بالعبادة كالاجتهاد في شهر رمضان، والعشر من ذي الحجة إلى غير ذلك، أو التبرك في الأماكن الفاضلة بالاجتهاد في العبادة، كالتبرك في الحرم المكي، أو في مسجد النبيﷺ بكثرة الصلاة، أو التبرك بالأعمال الصالحة التي جاءت الشريعة باستحبابها كصيام اثنين وخميس، وصيام الرواتب، وإلى غير ذلك مما جاءت به الشريعة.

إذًا، قول القائل: إن التبرك في أمثال هذه الأمور الجائزة جائز أيضًا بالإجماع هذا لأبد فيه من تفصيل، وبما أن القائل رجل صوفي، فهو يريد إما التبرك البدعي أو التبرك الشركي.

أما التوسل فهو أيضًا قسمان:-

قسم ممنوع، و قسم مشروع، وأما القسم الممنوع فهو نوعان:-

النوع الأول: شركي.

النوع الثاني: بدعي.

والكلام فيه كالكلام في التبرك.

ومن التوسل الشركي: الذبح لغير الله، إلى غير ذلك.

ومن التوسل البدعي: التوسل بجاه النبيﷺ، كأن يقول في دعائه: اللهم إني أسألك بجاه محمد ﷺ أن تغفر لي، إلى آخره، وهو توسل بدعي.

والدليل على أنه بدعة: أن هذا التوسل لم ينقل عن النبي ﷺ ولا عن صحابته، ولا عن التابعين لهم بإحسان، ولو كان خيرًا لسبقونا إليه، والخير كل الخير في اتباعهم.

أما القسم الثاني: التوسل الشرعي، فهو إنما جاز في أحد أمور ثلاثة:

الأمر الأول: التوسل بالأسماء والصفات، كما قال تعالى: ﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف:180].

أن تتوسل للرحمن أن تقول يا رحمن اغفر لي، أي: التوسل باسم الرحمن، أو التوسل بالصفة، مثل أن تقول :اللهم إني أسألك برحمتك أن تغفر لي، كما قال تعالى: ﴿ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ ﴾ [النمل:19].

الأمر الثاني: التوسل بدعاء الرجل الصالح، تأتي إلى الرجل الذي يظن فيه الصلاح، فتقول: يا فلان ادع لي، كما ثبت عن حديث أنس في الصحيحين: «أن أعرابيًا قال للنبي ﷺ :فَادْعُ اللهَ يُغِثْنَا» لمّا طلب من النبيﷺ أن يستسقي لهم.

الأمر الثالث: التوسل بالأعمال الصالحة، إذا عمل الرجل أعمالًا صالحة، توسل إلى الله بهذه الأعمال الصالحة، فيقول: اللهم بتوحيدي أو بصلاتي، أو ببري بوالدتي، أو بوالدي، أو صلتي لرحمي أن تغفر لي إلى آخره…

أو أن تيسر لي الأمر الدنيوي إلى آخره.

والدليل على ذلك حديث ابن عمر في الصحيحين في قصة أصحاب الغار الثلاثة، فَكُلٌّ مِنْهُم تَوَسَّلَ بِعَمَلِه الصَّالِحِ.

ومن ذلك قول الله عز وجل: ﴿ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾ [آل عمران:16].

فالتوسل بالإيمان توسل بالعمل الصالح، وكُلُّ توسل فيما عدا هذا فهو إما شركي، أو بدعي على ما تقدم تفصيله.

ولقائل أن يقول: إن الله أمر بالتوسل، فقال: ﴿ اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ ﴾[المائدة:35]. فإذًا هذا يدل على أن كل التوسل مشروع.

فيقال: إن معنى هذه الآية؛ أي أعبدوا الله أي تقربوا إلى الله بالعبادة، أي بما يحبه الله، والذي يحبه الله هو إما أن يكون واجبًا أو مستحبًا، وقد حكى الإجماع على هذا السهسواني في كتابه “صيانة الإنسان”.

وقد ذكر القاعدة بأن المراد: التوسل بعبادة الله، والعبادة لا تكون إلا بدليل شرعي، فدل هذا على أن ما عدا العبادة، ما لم يدل عليه دليل شرعي وهو إما أن يكون شركيًا، وإما أن يكون بدعيًا.

وبعضهم ظن أن ما ثبت في البخاري من قول عمر رضي الله عنه ((اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك مع عم نبينا فاسقنا، قال: فيسقون))، ظن بعضهم أن عمر رضي الله عنه كان يتوسل بجاه النبي  فقال: اللهم إني أسالك بجاه محمد ﷺ ، هذا خطأ لأمرين:-

الأمر الأول: أنه لو كان كذلك، لاستمر على هذا التوسل حتى بعد موت النبي ، ولم ينتقل إلى العباس، فدلَّ على أن المراد بالحديث: أنه كان الصحابة يطلبون النبي  وهو حي بأن يدعو الله لهم، لا أنهم كانوا يقولون: اللهم إن نسألك بجاه محمد، فلو كانوا يقولون ذلك في حياته قالوه بعد موته، لأنه لا فرق بينهما .

أما الأمر الثاني: هو أنه ثبت عند ابن العساكر: أن الضحاك بن قيس رضي الله عنه لما أراد أن يستسقي بيزيد بن الأسود، قال: ((أين يزيد بن الأسود فقال هذا أنا قال قم فاستشفع لنا إلى الله أن يسقينا .. ثم سقوا))، فدل على أن هذا هو المراد عند السلف.

والكلام عن التوسل والتبرك يطول، وقد فصَّلت هذا في درس مسجل في موقع “الإسلام العتيق”، وهو أيضا مفرغ في “موقع الإسلام العتيق”، وطبع أيضًا في رسالة بعنوان “معالم في التوحيد” فمن شاء الاستزادة فليرجع إليها، وليرجع إلى ما هو أنفع من هذا، وهو ما كتبه شيخ الإسلام –رحمه الله- تعالى في كتابه “قاعدة التوسل والوسيلة”، وما كتبه الألباني في كتابه” أحكام التوسل”.

أسأل الله أن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمتنا، وجزاكم الله خيرا.