هل يستقيم الظل والعود أعوجُ (2)؟؟!!!


هل يستقيم الظل والعود أعوجُ (2)؟؟!!!

د.عارف عوض الركابي

هذه الحلقة تابعة لحلقتين سابقتين تم نشرهما في الأيام الماضية بهذه الصحيفة ، كانت الأولى بعنوان “هل يستقيم الظل والعود أعوج (1) ، وكانت الثانية بعنوان “وماذا كان ينتظر منه أن يقول؟!!” ، وأتمنى أن من يقرأ هذه الحلقة يكون قد قرأ تلك الحلقتين لارتباط الموضوع بعضه ببعض .

وقد أردت بهذه الحلقات إلقاء الضوء على التصريحات الكثيرة السابقة المنشورة من خلال الكتب والمحاضرات واللقاءات الصحفية والتلفزيونية للدكتور/حسن الترابي ، لتبيين منهجيته ونظرته لأصول التشريع ، وكيفية تعامله مع النصوص الشرعية ، ليتبين من خلال إلقاء الضوء على ذلك أنه لا ينبغي لأحد أن يستغرب من موقف الترابي وتعليقاته التي علق بها على (قضية الساحة) من مخطط النصارى واليهود الذي برز في دور ما سُمّيَ بمحكمة الجنايات الدولية .

وقد نقلت أكثر من عشرة تصريحات سابقة لصاحب التصريحات المثيرة للجدل ، في قضايا تتعلق بالنظرة للشريعة الإسلامية وللكتاب والسنة والفقه الإسلامي والفقهاء المتقدمين والمعاصرين ومخالفته لإجماعات الأمة الإسلامية في قضايا : زواج المسلمة من الكافر وصلاتها بالرجال وإنكار نزول المسيح وحد الردة وعذاب القبر وعدالة الصحابة وغير ذلك ….

وقد تبين للقراء من خلال ما تم طرحه أن القضية أكبر من تعقيب على مثل تصريحاته الأخيرة التي طارت بها فرحاً بعض القنوات الفضائية ، فلا مقارنة بين تصريحاته التي يشوش بها على البلاد وولي أمرها ، وبين تصريحاته التي يهدم بها ثوابت الإسلام ويخرق بها إجماعات الأمة ، وبالفعل : لا يمكن أن ننتظر اعتدال ظلٍ لعودٍ بان اعوجاجه لكل ذي عينين!

وفي هذه الحلقة وبنفس المنوال استعرض بعض التصريحات التي صرّح بها بشأن احدى القضايا العظمى المتعلقة بأصول التشريع ، وقد سطر تلك التصريحات في كتاب مطبوع ومنشور منذ أكثر من عشرين سنة !!! وفي بعض المحاضرات ، وقد جاء في تلك الرسالة والمحاضرات بتصريحات لها حظها من الشذود والخروج عن المنهج الصحيح فيما يتعلق بــــ “علم أصول الفقه الإسلامي” .

وسأشير إشارات ـ كالإشارات السابقة ــ لأن المقصود ذكر نماذج فقط ، والحر تكفيه الإشارة ، واللبيب بالإشارة يفهم.

رأيه في أصول الفقه الإسلامي :

يقول الترابي في كتابه “تجديد أصول الفقه” : «لا بد أن نقف وقفة مع علم الأصول تصله بواقع الحياة ، لأن قضايا الأصول في أدبنا الفقهي أصبحت تؤخذ تجريداً، حتى غدت مقولات نظرية عقيمة لا تكاد تلد فقهاً البتة ، بل تولد جدلاً لا يتناهى»

ويقول: «وفي يومنا هذا أصبحت الحاجة إلى المنهج الأصولي الذي ينبغي أن تؤسس عليه النهضة الإسلامية حاجة ملحة ، لكن تتعقد علينا المسألة لكون علم الأصول التقليدي الذي نتلمس فيه الهداية لم يعد مناسباً للوفاء بحاجتنا المعاصرة حق الوفاء ، لأنه مطبوع بأثر الظروف التاريخية التي نشأ فيها، بل بطبيعة القضايا الفقهية التي كان يتوجه إليها البحث الفقهي».

ويقول «نحن نحتاج لأن نفكر تفكيراً واسعاً ونحتاج إلى تطوير الأصول لاسيما كلها – لاسيما الأصول المتصلة بالحياة العامة، الحياة الاقتصادية والاجتماعية والدولية والتنظيمية العامة».

فمن خلال النقول السابقة يتبين لنا موقف صاحب التصريحات من علم أصول الفقه ونظرته له ، ومما تبين لنا أنه يرى أن أصول الفقه أصبح تجريدياً لا يفيد في معرفة الفقه بل لا يفاد منه إلا الجدل غير المتناهي !!! وأن علم الأصول لم يعد مناسباً للوفاء بحاجاتنا المعاصرة!!! وأنه بناء على هذا الرأي بحاجة إلى تطوير !! وسيتضح بجلاء أن قصده بالتطوير هنا هو : التغيير والتبديل!!!حيث يفسر كلامه ما طرحه من أمثلة .

فإنه وبكل جرأة يحكم على علم هو من أهم علوم الشريعة ، بأنه غير صالح لهذا الزمان ، ويُسَفّه بذلك الأمة الإسلامية ويجهِلِّهُا ، ويسفه علماء الإسلام المتقدمين والمتأخرين الذين ألفوا في هذا العلم ودرسوه ويجهل فقهاء الإسلام الذين بنوا الفقه على هذا العلم العظيم الذي هو السبيل والطريق إلى معرفة الفقه واستنباط الأحكام.

والسؤال الذي يوجه للترابي : من الذي سبقك ممن يعتد بقوله ، أو قل حتى ممن لا يعتد بقوله إلى هذا الرأي؟؟!! أم هي من مفرداتك ؟! وما أكثرها!!

إن علم أصول الفقه هو: العلم بالقواعد والأدلة الإجمالية التي يتوصل بها إلى استنباط الفقه، فهو للفقه كالأصل للبناء ، والميزان الذي يوزن به الاستنباط ، فهو علم عظيمٌ شأنه عميمٌ نفعه جليلٌ قدره.

وقد وصفه ابن خلدون في مقدمته بأنه : (من أعظم العلوم الشرعية ، وأجلها قدراً ، وأكثرها فائدة).

وإذا وقفنا على تصريحه بشأن هذا العلم العظيم من علوم الشريعة الإسلامية ، فليس لنا الاندهاش من تصريحاته في الأمور السياسية وغيرها ، فالظل تابع للعود استقامة أو اعوجاجاً.

تصريحه بشأن كتب أصول الفقه : وله تصريحات بشأن كتب أصول الفقه ، ومن ذلك قوله في احدى محاضراته المسجلة :«كتب الأصول الموجودة حتى الكتب الأُخذت من الكتب القديمة ما فيها جدوى ، يعني الكتب المذكرات الأُخذت في كليات الشريعة في مصر وفي السعودية الأخذت من كتب قديمة ما عندها قيمة أبداً ما بتنفع أصلاً يعني كتاب مثلاً (خلاف ) ولا (أبو زهرة )يعني تفتحو من أوله إلى آخره الحكومة ما موجودة وما مذكورة فيه .. حكاية يعني حكاية شخص عايش بره التاريخ يعني وكتب أغلبها ما عندها جدوى».

قلت: لقد تعودنا على أحكام صاحب التصريحات الجائرة على الإسلام وأصوله وعلمائه وكتبهم ، فهاهو يحكم على كتب أصول الفقه الموجودة بأن ليس لها جدوى !! وليس فيها نفع!! فيطلق حكمه الصريح عليها.

أما الكتب القديمة فهو يطعن فيها ويلبسها نفس التهمة لكن بأسلوبه (المعروف)الذي أصبح فيه مضرب مثل!! فنتأمل قوله :(حتى الكتب الأخذت من الكتب القديمة ما فيها جدوى يعني الكتب المذكرات الأُخذت في كليات الشريعة في مصر وفي السعودية الأخذت من كتب قديمة ما عندها قيمة أبداً ما بتنفع أصلاً).

فطعنه يشمل الكتب القديمة والحديثة التي أفاد مؤلفوها من كتب العلماء المتقدمين.

وليعلم الجميع أن هذا العلم هو علم معروف ومعمول به منذ عهد الصحابة الكرام لكن لم تكن هناك حاجة للتأليف فيه في عهدهم وذلك لمعرفتهم باللغة العربية وأساليبها ووجوه دلالة ألفاظها وعباراتها على معانيها ولإحاطتهم بمقاصد الشريعة وأسباب نزول القرآن وورود السنة.

وإن أول من ألف في هذا العلم هو العالم الإمام القدوة محمد بن إدريس الشافعي ـ رحمه الله ـ إذ ألف كتابه (الرسالة) ولقد تلقى العلماء هذا الكتاب بالقبول وعدوه من مناقب الشافعي وسطروا في ذلك كلمات وقف عليها من وفق لقراءة كتبهم وأفاد منها.

فقد ألف الشافعي رسالته الأصولية المشهورة ، وتكلم فيها عن القرآن وبيانه للأحكام ، وبيان السنة للقرآن والإجماع والقياس ، والناسخ والمنسوخ ، والأمر والنهي ، والاحتجاج بخبر الواحد ، ونحو ذلك من الأبحاث الأصولية.

جاء في مقدمة الشيخ العلامة أحمد محمد شاكر على تحقيقه لكتاب الرسالة قوله: «وإني أرى أن هذا الكتاب ينبغي أن يكون من الكتب المقروءة في كليات الأزهر وكليات الجامعة ، وأن تختار منه فقرات لطلاب الدراسة الثانوية في المعاهد والمدارس ، ليفيدوا من ذلك علماً بصحة النظر وقوة الحجة، وبياناً لا يرون مثله في كتب العلماء وآثار الأدباء ، وقد عني أئمة العلماء السابقين بشرح هذا الكتاب….».

قلت : مثل هذا الحكم الصائب والرأي السديد هو الذي ينبغي أن يؤخذ ويعمل به ، وذلك لأنه حكم صدر عن معرفة وعلم وتحقيق ، فهذا العالم أوصى بهذه الوصية بعد مكثه زمناً طويلاً في الاطلاع على هذا الكتاب وتحقيقه ، أما حكم صاحب التصريحات فيصدق عليه مقولة : من جهل شيئاً عاداه، وتصدق عليه القاعدة : الحكم على الشيء فرع عن تصوره ، فلا أظنه يعلم ما هي كتب أصول الفقه وما هو كتاب الرسالة أو روضة الناظر أو إرشاد الفحول أو مذكرة العلامة الشنقيطي أو غيرها ، فهو قد انشغل عنها بغيرها!!! وللأسف فإنه لم يفلح فيما انشغل به ، والواقع خير شاهد وأكبر دليل .

تصريحه بشأن “الاجتهاد وشروطه”:

إن “الاجتهاد” مصطلح حدد علماء الإسلام معناه والمراد به، وبناء على ذلك فقد ضبط أهل العلم شروط المجتهد ومجال الاجتهاد وغير ذلك.

والذي يقرأ في كتب أصول الفقه يجد العناية الفائقة من العلماء بهذا الباب ، وذلك نظراً لأهميته ، فقد بينوا من يحق له الاجتهاد ومن لا يحق له وتفاصيل ذلك .

وإن كانت تعريفاتهم للمجتهد قد تعددت لكنها متفقة في المضمون والمؤدى وهو : استفراغ الفقيه الوسع لتحصيل الحكم شرعي.

وقد اشترط العلماء للاجتهاد شروطاً يجب توفرها فيمن يجتهد في أحكام الشريعة ، منها : العلم بكتاب الله تعالى من معرفة تفسير آيات الأحكام وأسباب النزول والناسخ والمنسوخ وغيرها ، ومنها العلم بالسنة النبوية الشريفة ويشمل ذلك العلم بمفرداتها وتراكيبها ودلالات الكلام على المعاني وغير ذلك ، ومنها العلم باللغة العربية وما تتضمن من نحو وصرف ومعان للمفردات وبلاغة ، ومنها العلم بأصول الفقه ، ومعرفة مواضع الإجماع ، ومعرفة مقاصد الشريعة.

وليس المقصود في هذا المقام البيان والتفصيل لهذا المبحث المهم ، وإنما مقصودي تبيين أن الاجتهاد له شروطه في الإسلام وليس ذلك لكل أحد يشتهيه أو يتمناه ، وإذا عرفنا ذلك فإني أبين فيما يلي رأي الترابي في الاجتهاد وشروطه :

قال في كتاب “تجديد أصول الفقه” : «والاجتهاد مثل الجهاد ينبغي أن يكون فيه لكل مسلم نصيب ….” إلى أن يقول :”وكذلك الاجتهاد ..قد يتخصص في علوم الإسلام أو علوم القانون طائفة من الرجال ولكن ينبغي أن يظل للشعب نصيب من الاجتهاد يستطيع به أن يميز بين مقولات قادته وعلمائه وأن يقوّم الشاذ منهم وأن يختار المستقيم وأن يشارك في الشورى والمناصحة وأن يختار المذهب الذي هو أقوم …..».

ويقول : «فإذا عنينا بدرجة الاجتهاد مرتبة لها شرائط منضبطة ، فما من شيء في دنيا العلم من هذا القبيل !! وإنما أهلية الاجتهاد جملة مرنة من معايير العلم والالتزام، تشيع بين المسلمين ليستعملوها في تقويم قادتهم الفكريين….”إلى أن يقول : “وقد ينظم المجتمع أحياناً ضوابط شكلية مثل الشهادات ليكون حمل شهادة الجامعة إمارة لأهلية بدرجة معينة، وحمل الشهادة الأعلى إيذاناً باستحقاق ثقة أعلى ، وهكذا وربما يترك الأمر أمانة للمسلمين ليتخذوا بأعرافهم مقاييس تقويم المفكرين ومهما تكن المؤهلات الرسمية ، فجمهور المسلمين هو الحكم ، وهم أصحاب الشأن في تمييز الذي هو أعلم وأقدم وليس في الدين كنيسة أو سلطة تحتكر الفتوى» .

وقد سُئل في محاضرة عن الاجتهاد والتقليد فأجاب عن ذلك وقال «… هذه الشروط – أي شروط الاجتهاد- ليست منضبطة كشروط الدكتوراه والماجستير هنا في الولايات المتحدة».

وبعد هذه النقول أقول: هكذا ينسف حسن الترابي هذه القضية المهمة من قضايا الشريعة ويخطئ علماء الإسلام الذين اتفقوا على وضع شروط الاجتهاد ، وضبطوا بدقة مسألة : من يحق له الاجتهاد في أحكام الشريعة ، ومن الذي يوصف بأنه مجتهد.

فقد قال: «والاجتهاد مثل الجهاد ينبغي أن يكون فيه لكل مسلم نصيب»!! فإنه يقيس الاجتهاد على الجهاد !! ولم يبين لنا وجهة هذا القياس ، فهل هو الاشتراك في الحروف ؟! وهو ما يعرف عند أهل البلاغة بالجناس ، أم شيء آخر؟!

فهو يريد أن يكون الاجتهاد أمراً مشاعاً بين كافة الشعب ، وبناء عليه فيكون :البائع والنجار والخباز والموظف والطبيب وعامل النظافة والمهندس وغيرهم هم من أهل الاجتهاد في أحكام الشريعة !!! وكل أحد يعلم فساد هذا القول ولوازمه الباطلة بما يغني عن الإطالة في الرد عليه.

وأما إجابته بأن شروط الاجتهاد في الإسلام ليست منضبطة كشروط الشهادات في أمريكا !!! فهو حكم باطل جائر ظالم مردود ، وخصمه في ذلك سائر علماء الإسلام الذين حددوا تلك الشروط والذين دونوها في الكتب التي لا تعد ولا تحصى إلا بشق الأنفس، وخصمه – أيضاً – علماء الإسلام الذين ساروا على ضوء هذه الشروط ، بل وخصمه المسلمون وذلك لأنه قد طعن في شريعتهم الغراء بهذا الأسلوب الماكر.

ودعوته إلى جعل الاجتهاد كالجهاد لكل مسلم فيه نصيب هي دعوة إلى نسف ضوابط الاجتهاد التي يدَّعي عدم وجودها.. فهو يناقض نفسه.

قال العلامة ابن عبد البر المالكي: «….. هذا يوضح لك أن الاجتهاد لا يكون إلا على أصول يضاف إليها التحليل والتحريم ، وأنه لا يجتهد إلا عالم بها ، ومن أشكل عليه شيء لزمه الوقوف ، ولم يجز عليه أن يحيل على الله قولاً في دينه لا نظير له من أصل ، ولا هو في معنى أصل . وهو الذي لا خلاف فيه بين أئمة الأمصار قديماً وحديثاً فتدبر».

تصريحاته بشأن الأصل الثالث (الإجماع) :

الإجماع ـ وكما هو معلوم ـ هو الأصل الثالث من أدلة الشرع بعد الكتاب والسنة وكما هو معلوم ـ أيضاً ـ فإنه: إجماع المجتهدين من هذه الأمة في عصر من العصور بعد وفاة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ على حكم شرعي .. وهو من الأصول المتفق عليها بين المسلمين …

وقد جاء الترابي داعياً إلى تغيير هذا الأصل حيث دعا إلى أن الإجماع يجب أن يكون هو إجماع الشعب أو المسلمين جميعاً ، أو السواد الأعظم ..وليس فقط هو إجماع المجتهدين والعلماء !!! وفي فكر الترابي أن الإجماع حق من حقوق الأمة الإسلامية كان قد باشره عنها الفقهاء ، فيجب أن يرد هذا الحق إلى أصحابه!!!

يقول في “تجديد أصول الفقه ” : “والإجماع هو قرار جماعة المسلمين الصادر عن تداول الشورى حول أمر عام يهم المسلمين “..إلى أن يقول : “فالخلافة إلى المسلمين أو إلى الأمة أو المسلمين المتوالين في حدود وطن وجماعة سياسية فهؤلاء شركاء في خلافة السلطات يمارسونها في المكان الأول من خلال إدارة الشورى العامة وقرارهم بناءً عليها هو الإجماع “.

ويقول: «فإذن يمكن أن نحتكم إلى الرأي العام المسلم ، ونطمئن إلى سلامة فطرة المسلمين حتى ولو كانوا جهالاً في أن يضبطوا مدى الاختلاف ومجال التفرق».

ويقول: «فيمكن أن نرد إلى الجماعة المسلمة حقها الذي كان قد باشره عنها الفقهاء – وهو سلطة الإجماع . ويمكن بذلك أن تتغير أصول الفقه والأحكام ويصبح إجماع الأمة المسلمة أو الشعب المسلم وتصبح أوامر الحكام كذلك أصلين من أصول الأحكام في الإسلام”.

ويقول «ويدور بين الناس الجدل والنقاش حتى ينتهي في آخر الأمر إلى حسم القضية إما أن يتبلور رأي عام ، أو قرار يجمع عليه المسلمون ، أو يرجحه جمهورهم وسوداهم الأعظم”.

ويقول : “وتعود تلك المناهج الموحدة إلى مبدأ الشورى الذي يجمع أطراف الخلاف ومبدأ الإمام الذي يمثل سلطان جماعة المسلمين والذي يحسم الأمر بعد أن تجري دورة الشورى فيعمد إلى أحد وجوه الرأي في المسألة فيعتمده ، إذ يجتمع عليه السواد الأعظم من المسلمين ويصبح صادراً عن إرادة الجماعة ، وحكماً لازما ًينزل عليه كل المسلمين ويسلمون له في مجال التنفيذ ولو اختلفوا على صحته النسبية.

ويقول: «وهو الأصل الثالث من بعد الكتاب والسنة وصورته أن يرجع عامة المسلمين إلى فقهائهم وقادتهم وأن يستفتوهم في أمر الدين وأن يقترح عليهم أولئك القادة وجوهاً من وجوه التدين المتاحة ، ولكن هذه الاقتراحات ليست لها صفة الإلزام حتى إذا اختار منها المسلمون مذهباً أو رأياً معيناً وأضفوا عليه بإجماعهم صفة إلزام أصبح ذلك واجب الاتباع».

ويقول : ” وليس بدعاً أن يستبدل إجماع المجتهدين من فقهاء المسلمين بإجماع المسلمين كافة “

وهكذا يسعى الترابي في تغيير الأصول التي قام عليها الإسلام ، فالإجماع الذي هو إجماع العلماء والفقهاء والمجتهدين في الأمة يجعله : إجماع الشعب ورأي السواد الأعظم، وهو ما يعرف بالديمقراطية التي تعني الرجوع في تقرير القضايا والأحكام للشعب ، فما رآه أو رأته الأغلبية عمل به !!!

وقد وقفنا على عباراته والتي منها : (حتى ولو كانوا جهالاً ) (ولو اختلفوا على صحته النسبية) فالترابي يدعو إلى إبطال الإجماع وجعل الديمقراطية التي تعني حكم الشعب بالشعب مكانه !!

ولم يكتف الترابي بالدعوة إلى التغيير فحسب وإنما وجه التهمة لفقهاء الإسلام – كعادته – بأنهم كانوا قد سلبوا الشعب والجماهير حقهم واعتدوا عليهم باحتكارهم هذا الحق !!! وذلك في قوله: ” فيمكن أن نرد على الجماعة المسلمة حقها الذي كان قد باشره عنه الفقهاء – وهو سلطة الإجماع ” .

قلت : فأي ظلم للفقهاء وللأمة أعظم من هذا ؟؟!! ( سبحانك هذا بهتان عظيم)إن كلام الترابي مع ما فيه من الظلم والباطل ففيه تجهيل لهذه الأمة ولعلمائها ، فهناك حق في زعمه أخذ من أهله ولم يرد خلال أربعة عشر قرناً من الزمان ينتظر فقيه السربون ليرده إلى أهله !! وهذا الحق هو الأصل الثالث في شريعة الإسلام.

ومن البديهي أن يطرح هذا السؤال للدكتور حسن الترابي فيقال : إذا كان رأي الشعب والجمهور بهذه المنزلة لديك فلماذا أيدت وتؤيد “لويس أوكامبو”ومحكمته الجنائية وتخالف رأي الأمة السودانية ؟؟!! بل وتدعو ـ بلا استحياء ـ للتحاكم إلى تلك المحكمة الطاغوتية !!

اللهم إنا نسألك الثبات على الحق حتى الممات ، ونشهد أن ديننا هو أعظم دين وشريعتنا أكمل شريعة وعلماء الإسلام قاموا بواجبهم تجاه هذا الدين ، ونبرأ إليك مما يُشَوّشُ به على شريعتك ومصادرها وعلماء الإسلام .