هل مرجئة الفقهاء من أهل السنة والجماعة؟ ويا ليت تبين لنا معالم عقيدة مرجئة الفقهاء؟


يقول السائل: هل مرجئة الفقهاء من أهل السنة والجماعة؟ ويا ليت تبين لنا معالم عقيدة مرجئة الفقهاء؟

يُقال جوابًا عن هذا السؤال: إن مرجئة الفقهاء هم الذين يرون أن العمل ليس من الإيمان، فلا يرون أعمال الجوارح من الإيمان، ويرون أن الإيمان هو الاعتقاد والقول، إذًا لا يرون أعمال الجوارح من الإيمان كما يرى ذلك أهل السنة.

وهذا فيه رد للأدلة الكثيرة التي أثبتت أن الأعمال من الدين، وأنها من الإيمان كما قال سبحانه: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ ۚ وَذَٰلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ} [البينة:5]، فسمى إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة دينًا، فدل هذا على أن الأعمال من الإيمان.

وثبت في الصحيحين، واللفظ لمسلم من حديث أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الإيمان بضع وسبعون، شعبة أعلاها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطرق، والحياء شعبة من الإيمان»، فجعل العمل وهو إماطة الأذى عن الطريق من الإيمان.

فإذًا، أهل السنة يقررون أن الإيمان قول وعمل واعتقاد، أما مرجئة الفقهاء فلا يرون أعمال الجوارح من الإيمان، وإنما يرون الإيمان هو التصديق والقول فحسب.

وبناء على هذا: بما أنهم لا يرون الأعمال من الإيمان، إذًا لا يرون الأعمال توصَف بأنها معصية، أيضًا ولا يرونها توصف بأنها كفر، هذا بخلاف أهل السنة، فإنهم يرون أن الكفر يكون بالقول كسبِّ الدين، ويكون بالعمل كوطء المصحف وإهانته، ويكون بالاعتقاد، كاعتقاد أن هناك خالقًا مع الله.

إذًا ينبغي أن يُعلَم أن مرجئة الفقهاء قد ضلوا ضلالًا مبينًا، فمرجئة الفقهاء لا يَصِفون سب الدين بأنه كفر، ولا يَصِفون السجود للأصنام بأنه كفر، ولا يَصِفون إهانة المصحف بأنه كفر.

لكنهم يقولون كغيرهم من المرجئة إن من سبَّ الدين فهو كافر، لكن لا يصفون السب نفسه بأنه كفر، ويقولون: من سجد لصنم فهو كافر، ولكن يصفون السجود نفسه بأنه كفر.

أما أهل السنة فيقولون: من سجد للأصنام فسجوده كفر، وهو كافر، ومن سب الدين فسبه كفر، وهو كافر، فيصفون الفعل والقول بالكفر، ويصفون صاحبه بأنه كافر.

فإذًا هذا ملخص معتقد مرجئة الفقهاء في الإيمان، أنهم يرون الاعتقاد والقول دون أعمال الجوارح على ما تقدم تقريره.

ومرجئة الفقهاء مبتدعة بإجماع السلف، وقد بين هذا أئمة السنة في كتب الاعتقاد، فقد نقل الإمام عبد الله بن الإمام أحمد في كتابه “السنة” آثارًا كثيرة عن السلف في تبديع مرجئة الفقهاء، وقال شيخ الإسلام في شرح حديث جبريل، قال: “وقد اشتد نكير السلف وتبديعهم بمرجئة الفقهاء”، لكن يقول شيخ الإسلام: لم أعلم أحدًا كفَّرهم، فهم مبتدعة، لكنهم ليسوا كفارًا.

ومن باب الفائدة: إذا ذم السلف المرجئة، فهم يريدون مرجئة الفقهاء، ولا يريدون بذلك الجهمية، وإن كان الجهمية مرجئة، لكن في استعمالاتهم إذا أطلقوا المرجئ يريدون مرجئة الفقهاء، والجهمية يسمونهم باسمهم الجهمية، أفاد هذا شيخ الإسلام رحمه الله تعالى كما في المجلد السابع من “مجموع الفتاوى”.

أسأل الله الذي لا إله إلا هو أن يعلِّمَنا ما يَنْفَعَنَا، وأن يَنْفَعَنَا بما عَلَّمَنَا، وجزاكم الله خيرًا.