هل تجوز الرقية عند راقٍ، يستعين بالجن المسلم؟


يقول السائل: هل تجوز الرقية عند راقٍ، يستعين بالجن المسلم، علمًا أنهم ينطقون أمامي، ولا يقولون شيئًا شركيًّا، ولا يأمرون به، بل رقيتهم الجن وصاياهم كلها من السنة.

يُقَالُ جوابًا عن هذا السؤال: إن الاستعانة بالجن في الرقية، ولو كان الجني- كما يزعم -مسلمًا؛ فإن هذه الاستعانة محرَّمة في الشريعة، ولا فرق في هذه الصورة بين العرَّاف والكاهن، وبين من يدعى أنه يستعين بالجن المسلم، فإن كُلًّا منهما قد استعان بالجن.

ومما يدل على بطلان الاستعانة بالجن مع زعم أنه مسلم ما يلي:

الأمر الأول: أن الشريعة ذمت الاستعانة بالجن، وبيَّنت أن أهل النار يعذَّبون بأن استمتع بعضهم ببعض، كما قال سبحانه: { وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُم مِّنَ الْإِنسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُم مِّنَ الْإِنسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ } [الأنعام: 128].

ولم يُذكَر ما حصل الاستمتاع فيه، والقاعدة الأصولية هي: أنه إذا حُذِف المعمول فإنه ينزل منزلة العموم”.

فإذًا هذه الآية تدل على حرمة الاستمتاع عمومًا، فأيّ صورة من صور الاستمتاع فهي محرمة.

الدليل الثاني: أن الشريعة بيَّنت حرمة الكهان والعرافين مع أنهم قد يستعينون بالجن فيما أباح الله، وليس من شرطهم أن يتقرَّبوا إلى الجن، أو أن يفعلوا الشركيات مع الجن، ومع ذلك حرَّمت الشريعة بنصوصٍ عامَّةٍ، فدل هذا على أن الاستعانة بالجن مطلقًا محرَّم، وأنه فعل الكهان والعرافين.

الدليل الثالث: أن كلام العلماء الماضين فيما رأيت: أنهم لا يفرِّقون بين استعانة واستعانة، بل يحرِّمون الاستعانة مطلقًا، وكلام السلف كثير في تحريم الاستعانة بالجن، ولم أر في كلامهم تفريقًا بين استعانة واستعانة.

والدليل الرابع: زَعْمُ أن هذا الجني مسلم أو صالح أو غير ذلك هذا خطأ؛ لأنه لا يستطيع أحدٌ أن يتثبَّت وأن يجزم بأن هذا الجني صالحٌ أو أنه غير صالح، فإنهم عالَم غَيب، فلذا القول بأنه صالح أو غير صالح قولٌ بلا علم.

الدليل الخامس: أن الشريعة بيَّنت لنا أنه لا يصح أن نقبل خبر أحد حتى يكون ثقة، كما قال سبحانه{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا} [الحجرات:6].

مفهوم المخالفة أنه لا يُقبَل إلا خبر الثقة، ولا يستطيع أحدٌ أن يُثبِت أن هذا الجِنِّي ثقة، حتى يُستعَان به، فلذلك الزعم بأنه يُقبَل خبره؛ لأنه ثقة، هذا زعم باطل لا دليل عليه، بل هو تخرُّصٌ، كما تقدّم بيانه.

الدليل السادس:،وبه أختم: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قد احتاج في عدة مواضع وأحوال إلى أن يأتي بأخبار المشركين والكفَّار، وكان يرسل الصحابة ليأتوا له بالخبر، بل قد استعان ببعض الكفار وجعلهم عينًا له، ولو كان الاستعانة بالجن جائزاً فيما ليس محرَّمًا لاستعان بهم النبي -صلى الله عليه وسلم- مع وجود الحاجة إلى ذلك، فقد احتاج أن يعرف خبر القوم في غزوة الأحزاب وفي غيرها من الغزوات، فلذا لو كان هذا جائزًا لفعله النبي -صلى الله عليه وسلم-.

ومما يقع فيه كثيرون: أنهم يقبلون كلام الجني إذا تكلم، وقال: إن هذا بسبب فلان، أو فلان أو العائلة الفلانية، وهذا الكلام سبَّب فُرقَة كبيرة بين المسلمين.

أسأل الله الذي لا إله إلا هو أن يعلِّمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علَّمنا، وأن يجزيكم جميعًا خيرًا، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.