نعمة التوحيد ووحدة الصف واجتماع الكلمة خلف القيادة


بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله على نعمة الإسلام والإيمان، الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وكفانا وآوانا ومن كل ما سألناه ربنا أعطانا، فله الحمد سبحانه حتى يرضى، وله الحمد إذا رضي، وله الحمد بعد الرضا، وله الحمد على كل حال.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد سيدِ الشاكرين وإمامِ الحامدين، وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد؛

فقد قال تعالى: (واذكروا نعمة الله عليكم وميثاقه الذي واثقكم به إذ قلتم سمعنا وأطعنا واتقوا الله إن الله عليم بذات الصدور)، و قال سبحانه: (يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم)، وقال: (وأما بنعمة ربك فحدث).

معاشر المؤمنين:

لقد منّ الله علينا بنعم كثيرة تعد ولا تحصى، ولا يمكن أن تستقصى، قال تعالى: (وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها).

ويأتي في مقدمة هذه النعم: نعمة الإسلام والتوحيد.

قال تعالى: (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينًا).

قال السعدي – رحمه الله – عند تفسيره لهذه الآية: “{اليوم أكملت لكم دينكم} بتمام النصر، وتكميل الشرائعِ الظاهرةِ والباطنةِ، الأصولِ والفروع، ولهذا كان الكتاب والسنة كافيين كل الكفاية في أحكام الدين أصولِه وفروعه.

فكل متكلف يزعم أنه لا بد للناس في معرفة عقائدهم وأحكامهم إلى علوم غير علم الكتاب والسنة، من علم الكلام وغيره، فهو جاهل، مبطل في دعواه، قد زعم أن الدين لا يكمل إلا بما قاله ودعا إليه، وهذا من أعظم الظلم والتجهيل لله ولرسوله.

{وأتممت عليكم نعمتي} الظاهرة والباطنة {ورضيت لكم الإسلام دينا} أي: اخترته واصطفيته لكم دينا، كما ارتضيتكم له، فقوموا به شكرا لربكم، واحمدوا الذي من عليكم بأفضل الأديان وأشرفها وأكملها”.

وقال ابن القيم – رحمه الله -: “إنّ من لم ير نعمة الله عليه إلا في مأكله وملبسه، وعافية بدنه، وقيام وجهه بين الناس، فليس له نصيب من هذا النور ألبتة، فنعمة الله بالإسلام والإيمان، وجذب عبده إلى الإقبال عليه، والتنعم بذكره، والتلذذ بطاعته هو أعظم النعم، وهذا إنما يدرك بنور العقل، وهداية التوفيق” انتهى كلامه رحمه الله.

وقد كان نبينا – صلى الله عليه وسلم – وصحابته – رضي الله عنهم – يقدرون لهذه النعمة قدرها، وكان من هديهم: الاجتماع على حمد الله، والتذكير بنعمة الإسلام وما منّ الله به عليهم.

روى مسلم في صحيحه أنّ رسول الله – صلى الله عليه وسلم – خرج على حلقة من أصحابه، فقال: “ما أجلسكم؟” قالوا: جلسنا نذكر الله ونحمده على ما هدانا للإسلام، ومنّ به علينا، قال: “آلله ما أجلسكم إلا ذاك؟” قالوا: والله ما أجلسنا إلا ذاك، قال: “أما إني لم أستحلفكم تهمة لكم، ولكنه أتاني جبريل فأخبرني، أنّ الله عز وجل يباهي بكم الملائكة”.

ومن النعم العظيمة التي لا تقل أهمية عن هذه النعمة: نعمة لزوم السنة ومنهج سلفنا الصالح، وترك البدع والإحداث في ديننا الكامل، وشريعتنا الصافية الكافية.

قال تعالى مذكرًا بنعمة بعثة رسوله – صلى  الله عليه وسلم -، وما حصل بسببها من خير عظيم وفضلٍ جسيم: (هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين # وآخرين منهم لما يلحقوا بهم وهو العزيز الحكيم # ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم).

قال السعدي – رحمه الله -: ” المراد بالأميين: الذين لا كتاب عندهم، ولا أثرَ رسالةٍ من العرب وغيرهم، ممن ليسوا من أهل الكتاب، فامتن الله تعالى عليهم، منة عظيمة، أعظم من منته على غيرهم؛ لأنهم عادمون للعلم والخير، وكانوا في ضلال مبين، يتعبدون للأشجار والأصنام والأحجار، ويتخلقون بأخلاق السباع الضارية، يأكل قويهم ضعيفهم، وقد كانوا في غاية الجهل بعلوم الأنبياء، فبعث الله فيهم رسولًا منهم، يعرفون نسبه، وأوصافه الجميلة وصدقه، وأنزل عليه كتابه {يتلو عليهم آياته} القاطعة الموجبة للإيمان واليقين، {ويزكيهم} بأن يحثهم على الأخلاق الفاضلة، ويفصلها لهم، ويزجرهم عن الأخلاق الرذيلة، {ويعلمهم الكتاب والحكمة} أي: علم القرآن (1) وعلم السنة، المشتمل ذلك علوم الأولين والآخرين… فلله عليهم ببعثه هذا الرسول صلى الله عليه وسلم، أكمل نعمة، وأجل منحة، وقوله {وآخرين منهم لما يلحقوا بهم} أي: وامتن على آخرين من غيرهم”.

قال قتادةُ ومجاهدُ وغيرُهما: “ما أدري أي النعمتين علي أعظم ، أن هداني للإسلام أو عافاني الله من الأهواء؟”.

معاشر المؤمنين:

ومن النعم العظيمة: التي ذكّر الله بها، وأمر بلزومها، وحث عليها، وحذر من ضدها: نعمة الاجتماع، ووحدة الصف.

قال تعالى: (واعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون).

وقال تعالى: (وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم إنه عزيز حكيم).

أي: أنهم اجتمعوا وائتلفوا، وازدادت قوتهم بسبب اجتماعهم، ولم يكن هذا بسعي أحد، ولا بقوة غير قوة الله، فلو أنفقت ما في الأرض جميعًا من ذهب وفضة وغيرهما لتأليفهم بعد تلك النفرة والفرقة الشديدة {ما ألفت بين قلوبهم} لأنه لا يقدر على تقليب القلوب إلا الله تعالى. {ولكن الله ألف بينهم إنه عزيز حكيم} ومن عزته أن ألف بين قلوبهم، وجمعها بعد الفرقة.

ومن النعم  – معاشر المؤمنين -: ما ينشأ عن الاعتصام بالكتاب والسنة ولزوم جماعة المسلمين والسمع والطاعة بالمعروف لإمامهم من تمكينٍ للدين واستخلافٍ في الأرض وأمن وأمان واستقرار واطمئنان ورغد في العيش وسعة في الرزق.

قال تعالى: (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون)

وقال تعالى: (الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم) أي: بشرك ( أولئك لهم الأمن وهم مهتدون).

وهذه النعم من وعوده سبحانه الصادقة، التي شوهد تأويلها ومخبرها.

وها نحن في هذه البلاد المباركة وفي ظل القيادة الرشيدة نراها غضةً طرية، نسأل الله المزيد من فضله.

وإنّ من تمام النعمة، ومما هو موجب لبقاءها: أن نحمد الله ونشكره على التآلف والمحبة واجتماع الكلمة على الخير والتقوى بين الراعي والرعية في هذه البلاد المباركة، في هذا الوقت الذي تلاطمت فيه الفتن في كثير من البلاد الأخرى، حفظ الله بلادنا، ورد كيد أعداءنا في نحورهم.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: (وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إنّ عذابي لشديد) بارك الله لي ولكم في القرآن والسنة، ونفعني الله وإياكم بما فيهما من الآيات والحكمة، أقول ما سمعتم وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم.

 

الخطبة الثانية

الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله؛ تعظيمًا لشأنه، وأشهد أنّ محمدًا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه ومن اقتفى أثره واهتدى بهداه إلى يوم الدين، أما بعد؛ معاشر المؤمنين:

إن شكر الله تعالى حافظٌ للنعم الموجودة وجالبٌ للنعم المفقودة؛ فإنّ النعمة إذا شُكرت قرَّت وإذا كُفرت فرَّت، قال تعالى: (وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إنّ عذابي لشديد).

ولقد ذكر الله –عز وجل- في كتابه العزيز أخبار أقوامٍ أهلكهم الله وأممٍ عذبهم سبحانه بسبب كفران النعم ، وذكر جل وعلا في القرآن الكريم أمثلة عديدة لحال هؤلاء؛ ليعتبر من أراد الاعتبار وليدَّكر من أراد الادِّكار؛ فإن السعيد من وُعظ بغيره، والشقي من اتعظ به غيره . يقول الله عز وجل: (وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ )، وقال الله سبحانه: (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ) ، وقال الله سبحانه وتعالى: ( لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ # فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ # ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ) والأمثلة في القرآن من هذا القبيل كثيرة.

 

أيها المؤمنون: لنتقي الله جل في علاه، ولنحذر شديد الحذر من كفران نعمة الله جل في علاه بأي صورة من صور كفران النعم ، وليعلم من كفر نعمة الله جل وعلا أنه إن لم يبادر إلى التوبة والإنابة إلى الله فلا مناص له من أحد أمرين : إما عقوبة معجلة تزول بها النعمة وتتحول فيها العافية وتحل النقمة ، أو أن يُمد له في الإنعام على وجه الاستدراج (أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ #نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ).

اللهم أوزعنا جميعًا شكر نعمك، اللهم إنا نعوذ بك من زوال نعمتك وتحول عافيتك وفجاءة نقمتك وجميع سخطك.

اللهم صل وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه، وعن التابعين، ومن تبعهم وعنا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

اللهم أعز الإسلام والمسلمين وأذل الشرك والمشركين، واخذل من خذل الدين.

اللهم احفظ ولاة أمرنا، ووفقهم بتوفيقك وأيدهم بتأييدك واجعل عملهم صالحًا في رضاك، اللهم هيء لهم البطانة الصالحة التي تدلهم على الخير وتعينهم عليه يا رب العالمين.

اللهم انصر جنودنا المرابطين على الحدود والثغور وفي الداخل يا قوي يا عزيز.

ربنا آتنا في الدنيا حسنةً وفي الآخرة حسنةً وقنا عذاب النار.

ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم، وتب علينا؛ إنك أنت التواب الرحيم.

(وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون).

 

 

أعد الخطبة/ بدر بن خضير الشمري.

للملاحظات، الرجاء التواصل عبر الرقم/0533646769