مَن وقع في البدعةِ لا يقال عنه مبتدع حتى تجتمع الشروط وتنتفي الموانع، وهل يقال ذلك أيضًا بالنسبة إلى الجماعة، رجلٌ عنده أفكارٌ إخوانية أو تبليغية، هل يقال: أنه إخواني أو تبليغي بمجرد أفكاره تلك؟ ونحذِّر منه؟ أو يجب أن تجتمع الشروط وتنتفي الموانع مثل البدعة؟


يقول السائل: مَن وقع في البدعةِ لا يقال عنه مبتدع حتى تجتمع الشروط وتنتفي الموانع، وهل يقال ذلك أيضًا بالنسبة إلى الجماعة، رجلٌ عنده أفكارٌ إخوانية أو تبليغية، هل يقال: أنه إخواني أو تبليغي بمجرد أفكاره تلك؟ ونحذِّر منه؟ أو يجب أن تجتمع الشروط وتنتفي الموانع مثل البدعة؟

 

أولًا: قبل الإجابة على هذا السؤال ينبغي أن يُعلم أنَّ بابَ التبديع يختلف عن باب التكفير، فإنَّ التكفير لا يكون إلا بعد توافر الشروط، وانتفاء الموانع، والشروط أربعة، وموانعها المقابلة لها أربعة.

أما باب التبديع، فليس مانعُ الجهل، ولا مانعُ التأويل، ليس هذان المانعان يمنعان من تبديع من وقع في بدعة يستحق بها التبديع، ويدل على هذا أمورٌ:

الأمر الأول: فعل السلف وصنيعهم، فقد تقدم أن سفيان الثوري بدّع الربيع بن صبيح بمجالسة القدرية، ولم يقم الحجة عليه، وصنيعُ السلف كثير في تبديع أقوامٍ كثيرين بدون النظر إلى إقامة الحجة عليهم.

الأمر الثاني: أن الرازِيَّيْن ذكروا في عقيدتهما التي رواها اللالكائي، والتي نقلوها عن السلف، وحكوا عليها إجماعَ السلف، ذكروا في هذه العقيدة كلامًا واضحًا في تبديع من كان جاهلًا، فقد قالوا في ثنايا كلامهم: ((من زعم أن القرآن مخلوق فهو كافرٌ بالله العظيم كفرًا ينقل عن الملة))، ثم قالا:((ومن وقف في القرآن جاهلًا، عُلِّم، وبُدِّع ولم يُكفَّر)).

لاحِظْ قَوْلهما: ((ومن وقف في القرآن جاهلًا عُلّم وبُدّع))، بَدَّعوه بعد التعليم؛ لأنه لو علم واستمر على ذلك لَكَفَر.

فإذًا صار التبديع مع الجهل؛ لأنهما قالا: ومن وقف في القرآن جاهلاً عُلِّم وبُدِّع، فبَدَّعُوه مع الجهل، أما لو علم وأصر على ذلك لكان كافرًا.

فدل هذا على أن التبديع يكون مع الجهل؛ فإنهما قالا: ((ومن وقف في القرآن جاهلاً عُلّم وبُدّع، ولم يُكفّر))، فدل هذا على أن التبديع يكون مع الجهل؛ لأنه هذا الذي عُلم لو استمر على القول، أو التوقف في مسألة القرآن لكان كافرًا، والمسألة فيها تفصيلٌ، لكن هذا نقله الرازيان في عقيدتهما التي نقلوها عن السلف.

الأمر الثالث: أنك ترى علماءنا؛ علماءَ السنة، يبدعون عوامَّ الصوفية وعوام الرافضة، هذا مما يدل على أنه لا يحتاج في إقامة الحجة إلى العلم.

الأمر الرابع: وهذا أمرٌ دقيق ينبغي التفطن إليه، الأصل في كل بدعة أنها كفرٌ، ذكر هذا الشاطبي في كتابه “الاعتصام”: ((الأصل في كل بدعة أنها كفر؛ لأنها تشريع من الدين، لم يأذن به الله)).

لكن ما الذي دعا إلى عدم التكفير؟ هو الجهل والتأويل، فإذا ارتفع الجهل والتأويل صار كافرًا، ومع الجهل والتأويل يكون مبتدعًا.

ومن قال: لا أبدِّع إلا من كان عالمًا، المفترض أن يقول: (لا) أُكفِّر؛ لأنه إذا كان عالمًا أن فعلَه تشريعٌ من دون الله لكان كافرًا، ولَلَزِم على قوله أن تكون القسمة ثنائية، إما أن يكون جاهلاً ويكون سنيًا، أو يكون عالمًا ويكون كافرًا، وليست هناك حالة وسط، وهو حال ابتداع، فهذا الأمر الدقيق ينبغي التنبه إليه، وهو أنه إذا وُجِد العِلْمُ مع البدعة صار صاحبها كافرًا؛ لأن حقيقة حالِه التشريع من الدين ما لم يأذن به الله، فما الذي منع من تكفيره؟ هو الجهل، فلو ارتفع الجهل لصار كافرًا، ومع الجهل يكون مبتدعًا، فدل هذا على أن الجهل ليس مانعًا من التبديع.

فإذا تبين هذا، فيقال في مثل حال السائل، لما سأل عن هؤلاء الأقوام، يقال: لا فرق بين الجماعات وبين الأفراد في باب التبديع، فإذا وقعت الجماعة فيما يُستحق به التبديع يُبَدّع، وإذا وقع الفرد فيما استحق به التبديع بُدِّعَ، وكذلك من انتسب إلى جماعة بدعية؛ كجماعة الإخوان المسلمين، أو غيرهم، وكان معهم، فإنه إذا عَلِم بأنَّهم على ضلالةٍ، فإنه يُبَدِّع؛ لذلك قيل لأحمد((رجل يصحب رجلًا من أهل البدع، أيلحق به؟ قال: أو أعلمتموه؟ أعلمتم هذا الرجل بأن ذاك الذي تصاحبه مبتدع؟ قالوا: نعم، قال: ألحقوه به)).

إذًا، لابد أن ينتبه إلى هذا القيد، ولابد أن يعلم أن الإخوانَ أهل البدع، ثم بعد ذلك يستمر على مصاحبتهم، فإذا صاحبهم فإنه يكون مبتدِعًا مثلهم، ومثل هذا يُقال في جماعة التبليغ وغيرهم.

قد يقول قائل: هنا اشترطت العلم، وقبل قليل تقول: إن العلم لا يشترط؟

يقال: إن هناك فرقًا بين اشتراط العلم في التبديع نفسه في ارتكاب ما ارتكبه من البدع، وبين اشتراط العلم في معرفة ضلال من يصاحبهم، ففرق بين الأمرين.

أسأل الله أن يفقهنا جميعًا في الدين، وأن يعلّمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علّمنا.

وأثنِّي على أمر وهو أن الشاطبي رحمه الله في كتاب ” الاعتصام” لمّا بحث متى يبدَّع الرجل؟ جعل البحث عامًّا للأفراد وللجماعات، فعامل الأفراد معاملة الجماعة.