من مزايا السلفية


من مزايا السلفية

د/ عاصم القريوتي

إنّ العقيدة الإسلامية هي الأساس الأول الذي يجب أن يحرص عليه المسلم؛ لأن في ذلك السلامة له في دينه ، إذ عليه أن يلقى ربه عز وجل بعقيدةٍ صافيةٍ نقيةٍ تتحلّى بتوحيدٍ خالصٍ لله وحده، بعيداً عن الشرك بصوره وأشكاله، صغيره وكبيره. يوم لا ينفع مالٌ ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.

ولا يخفى على ذي لبٍّ أنعم الله عليه بالسداد وهداه للرشاد أهمية العقيدة المستمدة من كتاب الله عز وجل؛ وصحيح سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته، المشهود لهم بالخيرية من رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله فيما تواتر عنه: “خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم” نص الحافظ ابن حجر العسقلاني على تواتره في مقدمة “الإصابة في تمييز الصحابة”..

وإن في معرفة اعتقاد السلف ومنهجهم السلامة أيضاً للمجتمع من التفكك والفرقة والانقسام، ومن الأفكار المنحرفة التي تؤدي إلى التكفير والخروج على ولاة المسلمين وعلمائهم، وما يتبع ذلك من مفاسد كثيرة، أدركناها وعاصرناها، حفظ الله المسلمين وكلأهم من كل شر، ومن جميع الفتن ما ظهر منها وما بطن.

ويقول سبحانه : {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } [ الأنعام : 153 ].

وهذا هو السبيل الذي دعا إليه رسوله محمد صلى الله عليه وسلم قال تعالى: { قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (108)} [يوسف: 108].

وهو الصراط المستقيم، الموصل إلى رضا ربِّ العالمين ، وهو واضحٌ أبلج كالشمس في رابعة النهار، وإنَّ الانحراف عن الجادَّة والآثار الناتجة عنه إنَّما هو نتيجةٌ للبُعْد عن الوحيين العزيزين: الكتاب والسنة، وعدم فهمهما وفق نهج السَّلَف الصَّالح، ونتيجةٌ للانخداع بدعاوى المذاهب المنحرفة وشبهاتهم، وهذا هو الذي فرَّق الأُمَّةَ وأضعف قُوَّتها ، وشَتَّت شملها

وإنه ليس من العجب أنْ نجد من يعارض عقيدة السلف فحسب، بل الأعجب من ذلك تصريح بعض المسلمين بأن مذهب السلف أسلم ومذهب الخلف أعلم وأحكم، ولقد رد هذه المقولة وأبان بطلانها العلامة السفاريني –رحمه الله- إذ قال:

“فمن المحال أن يكون الخالفون أعلم من السالفين كما يقوله بعض من لا تحقيق لديه، ممن لا يقدر قدر السلف، ولا عرف الله تعالى ولا رسوله ولا المؤمنين به، حق المعرفة المأمور بها ، من أن طريقة السلف أسلم ، وطريقة الخلف أعم وأحكم.

إنما أتي هؤلاء من حيث ظنوا أن طريقة السلف هي مجرد الإيمان بألفاظ القرآن والحديث، من غير فقه ذلك بمنزلة الأميين، أو أنَّ طريقة الخلف هي استخراج معاني النصوص المصروفة عن حقائقها ،بأنواع المجازات وغرائب اللغات.

فهذا الظن الفاسد، أوجب تلك المقالة التي مضمونها نبذ الإسلام وراء الظهر، وقد كذبوا وأفكوا على طريقة السلف، وضلوا في تصويب طريقة الخلف، فجمعوا بين باطلين: الجهل بطريقة السلف في الكذب عليهم، والجهل والضلال بتصويب طريقة غيرهم””لوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية”: (1/25).

ويضاف إلى ذلك أن قول النبي صلى الله عليه وسلم السابق: “خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم”، يدلنا دلالةً واضحًة لا شك فيها ولا ريب على أن منهج السلف ،منهجٌ خّيِّرٌ فاضلٌ- وهو منهجٌ أسلمُ وأعلمُ وأحكمُ من كل المناهج ، بلا شك في ذلك ولا ريب انظر كتاب “فضل علم السلف على الخلف” للحافظ ابن رجب –رحمه الله-.

وإن التوهم بأن النصوص توهم التشبيه في أسماء الله وصفاته؛ ولذا يلزم التأويل أو التفويض لا يوجد في كتب التفاسير المسندة ولا في كتب السنة المشرفة، وإن هذا القول مخالف لإجماع السلف في المنهج في أسماء الله وصفاته في إثباتهم لما في كتاب الله عز وجل ولِمَا صح في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم إثباتًا يليق بجلاله وعظمته –تبارك وتعالى- دون تشبيه، ولا تمثيل، ولا تعطيل، ولا تأويل، ودون تفريق بين الأسماء والصفات، أو بين صفاتٍ وصفاتٍ أخرى.

ولقد قال شيخ الإسلام بن تيمية –رحمه الله-: “ولقد طالعت التفاسير المنقولة عن الصحابة وما رووه من الحديث ووقفت من ذلك على ما شاء الله تعالى أكثر من مائة تفسير فلم أجد إلى ساعتي هذه عن أحد من الصحابة أنه تأوَّل شيئًا من آيات الصفات أو أحاديث الصفات بخلاف مقتضاها المعروف” مجموع الفتاوى: (6/394).

ويضاف إلى ذلك أنَّ أهل التأويل قد وقعوا في الحقيقة بالتمثيل الذي منه فروا من حيث لا يشعرون، وبيان ذلك:

وروى الخلال بإسناد كلهم أئمة ثقات عن سفيان بن عيينة، قال: سئل ربيعة بن أبي عبدالرحمن عن قوله -تعالى: ﭽ الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىﭼ [طه : 5]قال: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، ومن الله الرسالة، وعلى الرسول البلاغ المبين، وعلينا التصديق.

وهذا مروي عن مالك بن أنس تلميذ ربيعة من غير وجه شرح الفتوى الحموية للتويجري ص 247..

وقال الحافظ ابن عبد البر النمري القرطبي رحمه الله: “أهل السنة مجمعون على الإقرار بالصفات الورادة في الكتاب والسنة ، وحملها على الحقيقة لا على المجاز ، إلا أنهم لم يكيفوا شيئاً من ذلك ، وأما الجهمية والمعتزلة والخوارج فكلهم ينكرها ، ولا يحمل منها شيئاً على الحقيقة ، ويزعمون أن من أقر بها مشبه، وهم عند من أقر بها نافون للمعبود” التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد (7 / 145).

وقال الإمام الذهبي –رحمه الله – معقباً على ذلك :” صدق والله ، فإن من تأول سائر الصفات، وحمل ما ورد منها على مجاز الكلام ، أداه ذلك السلب إلى تعطيل الرب ، وأن يشابه المعدوم ، كما نقل عن حماد بن زيد أنه قال “مثل الجهمية كقوم قالوا في دارنا نخلة” قيل: لها سعف؟ قالوا: لا ، قيل: فلها كرب؟ قالوا: لا، قيل: لها رطب وقنو؟ قالوا : لا ، قيل: فلها ساق؟ قالوا: لا ، قيل: فما في داركم نخلة؟” العلو للعلي الغفار(ص 250) .

وقال الحافظ الخطيب البغدادي -رحمه الله-: “أما الكلام في الصفات فإن ما رُوِي منها في السنن الصحاح مذهب السلف رضوان الله عليهم إثباتها, وإجراؤها على ظواهرها , ونفي الكيفية والتشبيه عنها.

وقد نفاها قوم فأبطلوا ما أثبته الله سبحانه , وحققها من المثبتين قوم فخرجوا في ذلك إلى ضرب من التشبيه والتكييف .

والقصد إنما هو سلوك الطريقة المتوسطة بين الأمرين , ودين الله بين الغالي فيه, والمقصر عنه. الصفات للخطيب البغدادي (ص 3).

ومن العجب أيضاً أن يرمى أهل السنة الداعين لنهج السَّلف بالتشبيه، مع أنهم أشدّ الناس حذراً وتحذيراً منه، إذ: “من شبه الله بخلقه فقد كفر، ومن أنكر ما وصف به نفسه فقد كفر، وليس ما وصف به نفسه ولا رسوله تشبيهاً “، كما قال الحافظ نعيم بن حماد-رحمه الله”العلو للعلي الغفار” رقم 464 .

وقد قال الإمام أبو حاتم محمد بن إدريس الحنظلي الرازي :”علامة أهل البدع الوقيعة في أهل الأثر ، وعلامة الجهمية أن يسموا أهل السنة مشبهة ونابتة، وعلامة القدرية أن يسموا أهل السنة مجبرة، وعلامة الزنادقة أن يسموا أهل الأثر حشوية ” عقيدة السلف أصحاب الحديث (ص 36) و”العلو للعلي الغفار ” (ص 190)..

كما أن الأحكام الشرعية الخمسة من وجوب وتحريم وكراهة واستحباب وإباحة إنما تستمد من الكتاب والسنة إذ هما المصدر الأول في ذلك وقد قال الله تعالى: ﭽيَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا ﭼ [النساء : 59].

وإن الإخبار عن حكم الله توقيع عن الله تعالى، ولهذا كان إطلاق القول بالحل أو الحرمة من غير ضوابط افتراء على الله القائل في محكم كتابه : { وَلاَ تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ