مناقشة الدكتور حاتم العوني في مسألة التمسح بقبر النبي صلى الله عليه وسلم وتقبيله


الحمد لله حق حمده، وأصلي وأسلم على خير خلقه نبينا محمد وعلى آله وصحبه.
أما بعد ففي مقطع منشور على اليوتيوب بعنوان ( التبرك بقبر النبي صلى الله عليه وسلم ومسه عند الإمام الذهبي) على الرابط (https://www.youtube.com/watch?v=s1ceqe4W5Y4&t=42s)
أورد العوني كلام الحافظ الذهبي رحمه الله في (معجم الشيوخ 1/ 73) بعد أثر ابن عمر رضي الله عنهما  ( أنه كان يكره مس قبر النبي صلى الله عليه وسلم).
قال الذهبي: ( قلت: كره ذلك لأنه رآه إساءة أدب، وقد سئل أحمد بن حنبل عن مس القبر النبوي وتقبيله، فلم ير بذلك بأسا، رواه عنه ولده عبد الله بن أحمد.
فإن قيل: فهلاّ فعل ذلك الصحابة؟ قيل: لأنهم عاينوه حيا، وتملّوا به، وقبّلوا يده، وكادوا يقتتلون على وضوئه، واقتسموا شعره المطهر يوم الحج الأكبر، وكان إذا تنخّم لا تكاد نخامته تقع إلا في يد رجل فيدلك بها وجهه، ونحن فلمّا لم يصح لنا مثل هذا النصيب الأوفر ترامينا على قبره بالالتزام والتبجيل والاستلام والتقبيل، ألا ترى كيف فعل ثابت البناني ؟  كان يقبل يد أنس بن مالك ويضعها على وجهه ويقول: يد مست يد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وهذه الأمور لا يحركها من المسلم إلا فرط حبّه للنبي صلى الله عليه وسلم؛ إذ هو مأمور بأن يحب الله ورسوله أشدّ من حبه لنفسه، وولده والناس أجمعين، ومن أمواله، ومن الجنة وحورها، بل خلق من المؤمنين يحبون أبا بكر، وعمر أكثر من حب أنفسهم…)
وعلّق عليه ـ للأسف ـ بالتهكم واللمز وليس بالعلم، وإليك بعض ما ذكره مع التعقيب عليه:
أولا: قال عن النص الذي نقله عن الذهبي : ( هذا النص يسبب مشكلة عند السلفية المعاصرة)!!
التعقيب:
1ـ كلمة (السلفية المعاصرة) كلمة يقصد بها لمزُ من سار على نهج السلف الصالح ممن وقف ضد التيارات الفكرية المعاصرة، والفرق المنحرفة من الصوفية، والرافضة، والمرجئة، والأشاعرة، وهي أحد مخرجات مؤتمر الصوفية المعاصرة المنعقد (بقروزني في الشيشان) فهل أدرك الدكتور هذا؟!
2ـ هذا النص من الذهبي ليس بمشكلة بل هو خطأ من الذهبي رحمه الله، وبيان خطئه من وجوه:
الوجه الأول: أن أثر ابن عمر رضي الله عنه ردّ على الحافظ الذهبي، وكذا إقراره بعدُ بأن الصحابة رضي الله عنهم لم يفعلوه؛ فثبت بقول الذهبي أن هذا الفعل لم يكن من هدي الصحابة الكرام، فكيف لمن جاء بعدهم أن يخالفهم بفهم فهمه الذهبي؟!
الوجه الثاني: أن ما ذكره الذهبي من التفريق بين الصحابة وغيرهم لا يصح أن يكون مناطا للحكم؛ لأنه معارض بأن من أدرك الشيء محبا له، ثم فاته كان أشد تعلقا به ممن لم يره مطلقا؛ فكيف لا يكون الصحابة أشد شوقا إليه ـ بأبي هو وأمي ـ صلوات ربي وسلامه عليه، وهم الذين حضروا التنزيل، وشاهدوا آيات الرسول صلى الله عليه وسلم، وخبروا سيرته، ورأوا من كريم صفاته وأخلاقه مالم يروه في بشر قط، وتتبعوا آثاره، وفدوه بآبائهم وأمهاتهم، وقدّموا محبته على النفس والولد والوالد والناس أجمعين؟! بل لو قيل إن الأمر على عكس ما ذكره الذهبي لكان هو الأصح.
الوجه الثالث: أن هذا القول ( وهو المنع من التمسح بقبره عليه الصلاة والسلام وتقبيله) ليس قول المعاصرين كما زعم العوني، بل ذكره جماعات من أهل العلم ممن تقدّم الذهبي، وممن جاء بعده، ومنهم الإمام أحمد رحمه الله، وحكى غير واحد من أهل العلم الاتفاق عليه، وهذه بعض نصوصهم:
ـ قال القاضي عياض رحمه الله (الشفا 2/ 85): (قال مالك  ـ في رواية ابن وهب ـ : إذا سلم على النبي صلى الله عليه وسلم ودعا، يقف ووجهه إلى القبر لا إلى القبلة، ويدنو ويسلم، ولا يمس القبر بيده).
ـ وقال أبو بكر الأثرم رحمه الله ( الصارم المنكي ص145): (قلت لأبي عبد الله ـ يعني الإمام أحمد بن حنبل ـ قبر النبي صلى الله عليه وسلم يلمس ويتمسح به؟ قال: ما أعرف هذا، قلت له: فالمنبر؟ قال: أما المنبر فنعم، قد جاء فيه…، قلت لأبي عبد الله: إنهم يلصقون بطونهم بجدار القبر، وقلت له: ورأيتَ أهل العلم من أهل المدينة لا يمسونه، ويقومون ناحيته فيسلمون؟ فقال أبو عبد الله: نعم، وهكذا كان ابن عمر يفعل ذلك)، وسيأتي مزيد بيان لذلك ـ إن شاء الله ـ .
ـ وقال الإمام أحمد رحمه الله ، كما في  (الرد على الأخنائي ص171): ( سمعت أبا زياد حماد بن دليل قال لسفيان بن عيينة: كان أحد يتمسح بالقبر؟ قال: لا، ولا يلتزم القبر، ولكن يدنو). قال عبد الله بن أحمد: يعني أبي الإعظامَ لرسول الله صلى الله عليه وسلم
ـ وقال أبو عبد الله الحَليمي رحمه الله في (المنهاج في شعب الإيمان 2/ 457): ( نهى بعض أهل العلم عن الصاق البطن والظهر بجدار القبر ومسحه باليد، وذلك من البدع. وما قاله يشبه الحق، لأنه ما كان يتقرب في حياته بمسح جدار بيته، ولا بإلصاق البطن والظهر به).
ـ وقال أبو بكر الطرطوشي رحمه الله  في (الحوادث والبدع ص 156): (ولا يتمسح بقبر النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يمسح كذلك المنبر، ولكن يدنو من المنبر، فيسلم على النبي صلى الله عليه وسلم).
ـ وقال النووي رحمه الله في (المجموع 8/ 275): ( لا يجوز أن يطاف بقبره صلى الله عليه وسلم، ويكره إلصاق الظهر والبطن بجدار القبر قاله أبو عبيد الله الحليمي وغيره، قالوا: ويكره مسحه باليد وتقبيله، بل الأدب أن يبعد منه كما يبعد منه لو حضره في حياته صلى الله عليه وسلم، هذا هو الصواب الذي قاله العلماء، وأطبقوا عليه، ولا يغتر بمخالفة كثيرين من العوام وفعلهم ذلك؛ فإن الاقتداء والعمل إنما يكون بالأحاديث الصحيحة وأقوال العلماء ولا يلتفت إلى محدثات العوام وغيرهم وجهالاتهم… ومن خطر بباله أن المسح باليد ونحوه أبلغ في البركة فهو من جهالته وغفلته؛ لأن البركة إنما هي فيما وافق الشرع، وكيف يبتغي الفضل في مخالفة الصواب؟!)
ـ وقال ابن الحاج رحمه الله (المدخل 1/ 263): ( فترى من لا علم عنده يطوف بالقبر الشريف كما يطوف بالكعبة الحرام، ويتمسح به ويقبله، ويلقون عليه مناديلهم وثيابهم يقصدون به التبرك، وذلك كله من البدع؛ لأن التبرك إنما يكون بالاتباع له – عليه الصلاة والسلام – وما كان سبب عبادة الجاهلية للأصنام إلا من هذا الباب؛ ولأجل ذلك كره علماؤنا رحمة الله عليهم التمسح بجدار الكعبة، أو بجدران المسجد، أو بالمصحف إلى غير ذلك مما يتبرك به سدا لهذا الباب، ولمخالفة السنة؛ لأن صفة التّعظيم موقوفة عليه – صلى الله عليه وسلم -، فكل ما عظّمه رسول الله – صلى الله عليه وسلم – نعظّمه ونتّبعه فيه، فتعظيم المصحف قراءته، والعمل بما فيه لا تقبيله ولا القيام إليه…).
ـ وقال العيني رحمه الله في (البناية 3/ 262): ( وقال الزعفراني: لا يستلم القبر بيده ولا يقبله، قال: وعلى هذا مضت السنة، وما يفعله العوام الآن من البدع المنكرة شرعا. وفي ” جوامع الفقه “: يزار القبر من بعد، ولا يقعد الزائر، وعند الدعاء للميت يستقبل القبلة، وكذا عند قبر النبي – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وهو اختيار الزعفراني من الشافعية أيضا).
ـ وقال ابن فرحون رحمه الله في (إرشاد السالك 2/ 769): ( قال في “التحفة” : وليس من السنة أن يمس جدار القبر بيده، ولا يقبله، ولا يقبل الصندوق، ويبعد عن ذلك كله، ويقف في موقف الزائر ـ كما تقدم بيانه ـ وهذا يقتضي المنع جملة، وهو ظاهر كلام الجميع).
ـ وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في (الرّد على الأخنائي ص31):(واتفق الأئمة على أنه لا يمس قبر النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يقبله، وهذا كله محافظة على التوحيد).
وقال (مجموع الفتاوى 27/ 31): (ولهذا اتفق السلف على أنه لا يَستلم قبرا من قبور الأنبياء ولا غيرهم، ولا يتمسح به، ولا يستحب الصلاة عنده، ولا قصده للدعاء عنده أو به ؛ لأن هذه الأمور كانت من أسباب الشرك وعبادة الأوثان).
وقال ـ أيضا ـ (مجموع الفتاوى 27/ 79): ( واتفق العلماء على أن من زار قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أو قبر غيره من الأنبياء والصالحين – الصحابة وأهل البيت وغيرهم – أنه لا يتمسح به، ولا يقبله، بل ليس في الدنيا من الجمادات ما يشرع تقبيلها إلا الحجر الأسود).
ونَقْل كلام أهل العلم المماثل لهذا يطول، وفيما ذكر كفاية ـ إن شاء الله ـ .
فماذا عسى الدكتور أن يقول عن هذه الأقوال التي تنسب التمسح بالقبر وتقبيله إلى العوام والجهلة، وتصفه بالبدعة، وتنهى عنه؟ أليس هو الذي وقع في المشكلة؟! فليدفع هذه المشكلة بالبرهان، وليذكر جوابه فيما زعم من النسبة إلى السلفية المعاصرة؛ ليروّج لرأيه، ويجعل الرأي المخالف له محدثا شاذا، مع أن العكس هو الصحيح، أليس هذا هو ضيق الأفق؟ أليس هذا هو احتكار الرأي؟ أليس هذا هو عدم الموضوعية في البحث؟ أليست هذه الانتقائية؟
ليس صواب الرأي في التهويش، والتهميش، والصراخ، والتهكم، والاختيار بالتّشهّي، والتّعصب للرأي، والجدال بغير حق، ولكنّه في ثبوت الدليل، وصحة فهمه، واتّباع من سلف من أهل العلم والسنّة، والتجرّد للحق، وأطر النفس على ذلك.
ثانيا: تمسك الدكتور العوني بقول الذهبي رحمه الله حين علّل كراهية ابن عمر رضي الله عنهما لهذا الفعل بأنه إساءة أدب، قال ـ وهذا لفظه ـ :  (مُوْ عَشَان شرك، وذريعة شرك، لأنه إساءة أدب مع النبي صلى الله عليه وسلم) أي أن الذهبي علّل كراهية ابن عمر رضي الله عنهما لمسّ قبر النبي صلى الله عليه وسلم بأنه إساءة أدب معه، وليس لكونه شركا أو ذريعة للشرك.
التعقيب: 
1ـ حَصَر العوني الحق في كلام الذهبي وسفّه ما سواه، ومن المعلوم أن العلّة إما أن يكون منصوصا عليها، أو منبّهًا عليها أو مُومَأً إليها، أو مجمعًا عليها، أو مستنبطة بأحد المسالك المعتبرة، كالسبر والتقسيم، والمناسبة؛ فكان على القائل حين استروح لكلام الذهبي أن يبيّن هذا، وإلا كان مجرّد تقليد محض، والتقليد المحض مذموم!
2ـ ما ذكره الذهبي ليس هو العلة الوحيدة؛ فقد عُلّل النهي عن ذلك بعلل، منها:
أـ أنه من فعل الجاهلية، قال نصير الدين السامري رحمه الله في(المستوعب1/ 524) وهو يذكر أحكام زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم: (ثم يأتي حائط القبر فلا يمسه ولا يلصق به صدره ؛ لأن ذلك عادة اليهود . وقال الأثرم : ذلك من فعل الجاهلية) .
وقال العيني رحمه الله في (البناية 3/ 261): ( وقال أبو موسى الحافظ الأصبهاني قال: الفقهاء الخراسانيون: لا يمسح القبر، ولا يقبله، ولا يمسه، فإن كل ذلك من عادة النصارى. قال: وما ذكروه صحيح).
وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله (مجموع الفتاوى 27/ 31) ـ بعد أن أورد جملة مما يفعل بالقبور وعندها، ومنها التمسح بها وتقبيلها ـ أن ( هذه الأمور ونحوها هي من الزيارة البدعية ، وهي من جنس دين النصارى والمشركين).
وكذلك ذكره زروق رحمه الله في ( شرح الرسالة لأبي زيد1/ 434)، والطحطاوي رحمه الله في (حاشيته على مراقي الفلاح ص620).
ب ـ أنه ذريعة للشرك، كما مرّ في كلام ابن الحاج رحمه الله ، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله  (مجموع الفتاوى27/ 79): ( وكان العكوف على القبور والتمسح بها وتقبيلها والدعاء عندها وفيها ونحو ذلك هو أصل الشرك وعبادة الأوثان ) وقال ـ أيضا ـ : (مجموع الفتاوى (27/ 80): ( وأما التمسح بقبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم وتقبيله فكلهم كره ذلك ونهى عنه ؛ وذلك لأنهم علموا ما قصده النبي صلى الله عليه وآله وسلم من حسم مادة الشرك، وتحقيق التوحيد، وإخلاص الدين لله رب العالمين).
جـ أنه من الشرك الأصغر، قال أبو عبد الله بن مفلح رحمه الله في (الفروع 6/ 66) في سياق كلامه عن زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم: (قال شيخنا ـ يعني ابن تيمية ـ : يحرم طوافه بغير البيت العتيق اتفاقا. قال: واتفقوا أنه لا يقبله ولا يتمسح به فإنه من الشرك. وقال: والشرك لا يغفره الله ولو كان أصغر) . وانظر: ( شرح المنتهى 1/ 594)، ( كشف المخدرات 1/ 330)، ( معونة أولي النهى 4/248) .
د ـ أنه من البدع المحدثة، كما مرّ في كلام الحليمي والنووي وابن الحاج، وقال الرحيباني رحمه الله في (مطالب أولي النهى 2/ 442) على قول صاحب غاية المنتهى (ولا يمس قبره – صلى الله عليه وسلم – ولا حائطه، ولا يلصق به صدره، ولا يقبله) : (أي: يكره ذلك لما فيه من إساءة الأدب والابتداع، قال الأثرم: رأيت أهل العلم من أهل المدينة لا يمسون قبر النبي – صلى الله عليه وسلم – يقومون من ناحية فيسلمون. قال أبو عبد الله: وهكذا كان ابن عمر يفعل).
ه ـ أن تركه أكمل في تعظيمه عليه الصلاة والسلام، كما مرّ ذكره عن الإمام أحمد رحمه الله ، وقال أبو الفتح الموصلي الحنفي رحمه الله في  (الاختيار لتعليل المختار 1/ 175): ( ثم ينهض فيتوجه إلى قبره – صلى الله عليه وسلم – فيقف عند رأسه – صلى الله عليه وسلم – مستقبلا للقبلة، يدنو منه قدر ثلاثة أذرع أو أربعة، ولا يدنو منه أكثر من ذلك، ولا يضع يده على جدار التربة؛ فهو أهيب، وأعظم للحرمة).
وهذا الأخير يتفق مع قول الذهبي وإن كان نظر إليه من جانب الفعل، ونظر إليه غيره من جانب الترك.
وبعد هذا أقول: يا دكتور أين أنت عن هذه العلل؟ أكنت غير مطّلع عليها؟ أم فرحت بما وجدته يوافق ما في نفسك فلم تكلّف نفسك البحث؟ أم ماذا؟!!
ثالثا: ما نقله الذهبي رحمه الله من رواية عبد الله عن أبيه الإمام أحمد بن حنبل موجود في (العلل 2/ 492) ونصه: (سألته عن الرجل يمس منبر النبي صلى الله عليه وسلم، ويتبرك بمسه، ويقبله، ويفعل بالقبر مثل ذلك، أو نحو هذا، يريد بذلك التقرب إلى الله جل وعز؟ فقال: لا بأس بذلك)، وهذا النقل طار به العوني فرحا، ولم يحتف بأثر الصحابي عبد الله بن عمر رضي الله عنه! ولمز محقق الكتاب الدكتور وصي الله بن محمد عباس حين استشكل هذا النقل!
التعقيب:
1ـ لئن نقل عبد الله عن أبيه رحمهما الله هذا فقد نقل عنه غيره خلافه، كما تقدم عن الأثرم رحمه الله ، وهي التي اعتمدها أبو محمد بن قدامة رحمه الله في (المغني) ولم يذكر سواها؛ فإنه قال (5/ 468): ( ولا يستحب التمسح بحائط قبر النبي صلى الله عليه وسلم ولا تقبيله ، قال أحمد : ما أعرف هذا …) وذكره. وهكذا فعل معاصره نصير الدين السامري رحمه الله في (المستوعب1/ 524)، وابن أخيه أبو الفرج عبد الرحمن بن محمد بن قدامة رحمه الله في (الشرح الكبير 3/ 496) .
كما نقلها عن الإمام: أبو الحارث أحمد بن محمد الصائغ رحمه الله ، وهي التي ذكرها وقدّمها: شمس الدين بن مفلح رحمه الله في ( الفروع 6/ 66)، وبرهان الدين بن مفلح رحمه الله في ( المبدع 3/ 237)،  وعلاء الدين المرداوي رحمه الله في ( الإنصاف 4/ 53) وذكر أن هذا هو الصحيح من المذهب.
وإذا عُلم هذا تبيّن أن الاعتماد على رواية عبد الله والإعراض عما سواها ـ مع أنه الأرجح بلا شك؛ بناء على قواعد المذهب، ولما علم من عناية الإمام أحمد بتتبع آثار ابن عمر رضي الله عنهما ـ مجانب للصواب؛ لضعف في النظر، أو تشه في الاختيار، والله المستعان.
ويؤيد هذا أن أبا العباس بن تيمية قد حكى الاتفاق ـ كما سبق ـ على أن القبر لايتمسح به، ولا يقبّل، ولو كانت الرواية المعتمدة عن الإمام أحمد هي رواية عبد الله لم يحك الاتفاق؛ لأنه من المستبعد أن تفوت على مثل هذا العالم المحقق!.
ومن المعلوم أنه إذا اختلفت الرواية عن الإمام سُلك طريق الجمع، ثم الترجيح، ثم التاريخ، فإن جهل التاريخ فمذهبه أقرب الروايات إلى الدليل، أو قواعد المذهب. ( انظر: المدخل المفصّل 1/ 291) .
فلماذا أعرض الدكتور عن هاتين الروايتين مع أنهما المقدّمتان عند علماء المذهب؟ إن كان لم يطّلع ـ مع شهرة ذلك في أمّات مصادر الفقه الحنبلي وغيرها ـ فيقال له: لمَ الاستعجال في الكلام قبل البحث؟ وإن كان قد اطّلع عليها فيقال له: لمَ لمْ تذكرها؟
ويقال له ـ أيضا ـ : ليست الرواية التي ذكرتها بأحق من الروايتين اللتين لم تذكرهما، وكان من الواجب عليه أن يتحقق قبل أن يتكلم، وأن يراجع قبل أن يُخَطّئ.
رابعا: الأثر الذي ذكره عن ثابت أنه كان يقبل يد أنس … ليس فيه دليل للذهبي رحمه الله، ولا لمن أقرّه على دلالته على التبرك بالقبر بتقبيله والتمسح به، وبيان ذلك من وجهين:
أحدهما: منع الاستدلال به على التبرك أصلا؛ لأنه ليس منصوصا عليه، ولا مدلولا عليه بأي طريق من طرق الدلالة المعروفة، وإنما قبّل ثابت رحمه الله يد أنس رضي الله عنه إجلالا له ؛ لصحبته لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
والآخر: لو سلّمنا دلالته على التبرك فقياس التمسح بقبره وتقبيله باطل؛ لأن قوله: ( مسّت يد رسول الله) إيماء إلى علّة الفعل، أي أن ثابتا رحمه الله فعل ذلك الفعل لمسّ يد أنس رضي الله عنه ليد النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا فيه ثلاثة أمور: ثبوت المماسة، وكونها مباشرة بدون حائل، وكونها من حيّ؛ فوجب لصحة القياس إثبات هذه الأمور مجتمعة في المقيس عليه وإلا كان القياس باطلا، ولا يمكن لهذا القائل ولغيره إثباتها.
هذا وأسأل الله أن يشرحنا صدرونا للحق، ويبصّرنا فيه، ويهدينا لإصابته، ويثبّتنا عليه حتى الممات، إنه سبحانه على كل شيء قدير، ولا حول ولا قوة إلا بالله العزيز الحكيم، والحمد لله رب العالمين.
كتبه/ عبد العزيز بن محمد السعيد
16/ 12/ 1441 هـ.