مسألة البناء والقبب على القبور عند أهل البيت.


الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:

رأيت صورة وللوهلة الأولى ظننت ‏أنها مدينة من المدن فلما قلبتُ النظر فيها فإذا هي مقبرة.

144554488444487

144554488444487

إن القبور المشرفة أيها المسلمون هي التي تكون عاليةً على غيرها من القبور، بحيث تتميز عن غيرها فهذه يجب أن تسوى بالقبور الأخرى، لئلا يفتتن الناس بها، ولأن الجهلة إذا رأوا هذه القبور المشرفة العالية ربما يفتنون بها، ويؤدي ذلك إلى الغلو فيها، ولا سيما بناء القبب والمشاهد على القبور، فهي ذريعة إلى تعظيمها والإشراك بها، فلهذا بعث النبي – صلى الله عليه وسلم- علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- أن لا يدع قبراً مشرفاً إلا سواه.

والمراد بالتسوية هنا “سواه” لم يرد التسوية بالأرض، وإنـما ينقضه ويهدمه حتى يستوي بغيره، ولا يبقى له إلا علامة القبر قدر شبر ونحوه من الأرض.

إن ظاهر نصوص أهل البيت تحرم ذلك، وهي توافق مذهب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالآل والأصحاب اتفقوا على تسوية القبور، والمراد بتسوية القبور أن القبر لا يرفع على الأرض رفعاً كثيرا، ولا يُسوى بالأرض وإنما يرفع عن الأرض قدر شبر ونحوه، ولا تُميَّز القبور بعضها عن بعض.

سأختصر بقدر الإمكان من الأدلة على مذهب أهل البيت الذي يوافق ما عند أهل السنة والجماعة.

الحديث الأول: عن أبي عبدالله ع قال: قال أمير المؤمنين ع بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم: إلى المدينة فقال لا تدع صورة إلا محوتها ولا قبراً إلا سويته…الخ. الكافي الكليني ٦/ ٥٢٨

الحديث الثاني: عن أبي الهياج قال: قال علي ع أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا ترى قبراً مشرفاً إلا سويته ولا تمثالا إلا طمسته.
كتاب بحار الأنوار للمجلسي ١٨/ ٧٩

ولعلك تلحظ أن القبور المشرفة قرنت بالأوثان في هذا الحديث، وذلك للقدر المشترك بينهما فالقبور المشرفة ذريعة إلى تعظيمها ثم عبادتها كما أن التماثيل أصناما عظمت ثم عبدت من دون الله وهذا يدل على حرص علي بن أبي طالب على حماية جناب التوحيد وسد كل باب يوصل إلى الشرك .

الحديث الثالث: وقال أمير المؤمنين ع من جدد قبراً أو مثل مثالا فقد خرج من الإسلام.كتاب من لا يحضره الفقيه ١ / ١٨٦

لا يجوز تجديد القبر ولا تطيين جميعه.
ومن مثل مثالا يعني من أبدع بدعة ودعا إليها أو وضع دينا فقد خرج من الإسلام .

الحديث الرابع: وعن أبي عبدالله ع قال: لا تبنوا على القبور … فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كره ذلك. كتاب وسائل الشيعة ٥ / ٣٠٦

الحديث الخامس: عن أبي عبدالله ع قال: قال أمير المؤمنين ع بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم: في هدم القبور وكسر الصور. كتاب وسائل الشيعة ه / ٣٠٥

والمراد بهدم القبور مازاد على شبر ونحوه، ولعل الحديث السادس والسابع يبين لك القدر المسموح به لرفع القبر عن الأرض.

الحديث السادس: قال أبو عبد الله ع إن أبي كتب في وصيته أن أكفنه في ثلاثة أثواب…. وأمرني أن أرفع القبر من الأرض أربع أصابع مفرجات..الخ. كتاب الكافي للكليني ٣ /١٤٠

الحديث السابع: عن أبي جعفر ع قال: يدعى للميت حين يدخل حفرته ويرفع القبر فوق الأرض أربع أصابع. كتاب الكافي للكليني ٣ / ٢٠١

الحديث الثامن: عن أبي عبدالله ع قال: لا تطينوا القبر من غير طينه. الكافي ٣ / ٢٠١

قلتُ: ولا شك أن بناء القبب والمشاهد على القبور ليست من طينه، وإنما جلبت من خارج ترابه وطينه، فيكون محرما بهذا النص وكلمة ” لا تطينوا” لام النهي بدليل حذف النون والنهي يقتضي التحريم.

الحديث التاسع: عن أبي عبدالله ع أن النبي صلى الله عليه وسلم: نهى أن يزاد على القبر تراب لم يخرج منه. الكافي ٣ / ٢٠٣

قلتُ: وما نشاهده في الصورة من القبب والمشاهد والجصص واللبنات ليس من تراب القبر بل زيد عليه ،وجيئَ بهِ من خارج المقبرة وفي هذا مخالفة للحديث.

العلامة الْحِلِّي في كتاب النهاية، عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه نهى أن يُجَصِّصَ القبر أو يُبنى عليه وأن يقعد عليه أو يكتب عليه …..الخ. مستدرك الوسائل ٢/ ٣٤٨

قال تعالى {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ}

الحديث العاشر: عن الصادق عن آبائه ع قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن يُجَصِّصَ المقابر ويصلى فيها. كتاب بحار الأنوار للمجلسي ٧٧ / ١٥٢

قال المجلسي: والمشهور بين الأصحاب كراهية تجصيص القبر مطلقا وظاهرهم أن الكراهية تشمل تجصيص داخله وخارجه قال في المنتهى ويكره تجصيص القبر وهو فتوى علمائنا.

كتبه / أبو محمد فيحان الجرمان