محنة الإمام أحمد


محنة الإمام أحمد

الحمد لله الذي جعل في كل زمان فترة من الرسل بقايا من أهل العلم، يدعون من ضل إلى الهدى، ويصبرون منهم على الأذى، وأشهد أن نبينا محمدًا عبد الله ورسوله ترك أمته على مثل البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك .

أما بعد فاتقوا الله عباد الله ( فمن يتقي الله يجعل له من أمره يسرى )

عباد الله : إن سير الصالحين مدرسةٌ للتربية والصبر والبذل والفداء .

نقف اليوم مع نموذج من تلكم المدارس ، مع إمام من

أئمة الدنيا، وحافظ من حفاظ أمة محمد صلى الله عليه وسلم للحديث، وعت الدنيا اسمه، وحفظت القلوب رسمه، قال عنه علي بن المديني: “لو كان في بني إسرائيل كان نبياً من الأنبياء” وقال عنه الشافعي : خرجت من بغداد ، فما خلَّفت بها رجلاً أفضـل ولا أعلم ، ولا أفقه ، ولا أتقى من أحمد بن حنبل .

إنه أبا عبدالله ، كم في سيرته وحياته من دروس وعبر لعله يتسنى الوقوف عليها في خطب قادمة ، الا أن الصفحة الكبرى من حياته هي صفحة من صفحات الابتلاء أضحى ابن حنبل محنة مرضية وبحب أحمد يعرف المتنسك.

وإذا رأيت لأحمد متنقصا فاعلم بأن ستوره ستهتك عباد الله : كانت المحنة لما تبنت الدولة آنذاك بأجهزتها ورجالها وقوتها بل وقررته في مدارسها ،مذهبا كفريا ، امتحنت فيه العلماء والعامة ،قتلا وتعذيبا وسجنا ، ألا وهو القول بخلق القرآن .

نسوق خبرها مختصرا من كلام المؤرخ ابن كثير رحمه الله: ” استحوذ على المأمون جماعةٌ من المعتزلـة وزينوا له القول بخلق القرآن ، ونفـي الصفات عن الله عز وجـل فكتب إلى نائبه ببغداد إسحاق بن إبراهيم يأمره أن يدعو الناس إلى القول بخلق القرآن ، واتفق له ذلك آخر عمره قبل موته بشهور ، فاستدعى جماعة من أئمة الحديث ودعاهم إلى ذلك فامتنعوا ، فتهددهم بالضرب ، وقطع الأرزاق ، فأجاب أكثرهم مكرهين ، واستمر على الامتناع من ذلك الإمام أحمد بن حنبل ، ومحمد بن نوح ، وسيِّرا إلى الخليفة ، وهما مقيدان متعادلان في محمل على بعيرٍ واحد ، فلمَّا كانا ببلاد الرحبة جاءهم رجلٌ من الأعراب ، فسلم على الإمام أحمد ، وقال له : يا هذا إنَّك وافد الناس ، فلاتكن شؤماً عليهم ، وإنَّك رأس الناس اليوم فإياك أن تجيبهم إلى ما يدعونك إليه ، فيجيبوا ، فتحمل أوزارهم يوم القيامة ، وإن كنت تحب الله فاصبر على ما أنت فيه ؛ فإنَّه ما بينك وبين الجنة إلاَّ أن تقتل ، وإن لم تقتل تمت ، وإن عشت عشت حميداً ؛ قال أحمد : وكان كلامه مما قوَّى عزمي ، فلمَّا اقتربا من موطن الخليفة ، جاء خادم فقال : يا أبا عبد الله إنَّ المأمون قد سلَّ سيفاً لم يسله قبل ذلك ، وأنَّه يقسم بقرابته من رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن لم تجبه إلى القول بخلق القرآن ليقتلنَّك بذلك السيف ، فجثى الإمام أحمد على ركبتيه ، ورمق بطرفه إلى السماء ، وقال سيدي غرَّ حلمك هذا الفاجر ؛ فتجرَّأ على أولياءك بالضرب ، والقتل ؛ اللهم فإن كان القرآن كلامك غير مخلوق فاكفنا مؤنته ؛ فجاءهم الصريخ بموت المأمون قال أحمد : ففرحنا .

ثمَّ جاء الخبر بأنَّ المعتصم قد ولي الخلافة ، وقد انضم إليه أحمد بن أبي دؤاد ، وأنَّ الأمر شديد ، فرد أحمد وصاحبه إلى بغداد ، ومات صاحب أحمد محمد بن نوح في الطريق ، وصلَّى عليه أحمد ، فلمَّا رجع أحمد إلى بغداد دخلها في رمضـان فأودع في السجن نحواً من ثمانيةً وعشرين شهراً ، وقيل نيفاً وثلاثين شهـراً ثمَّ أخرج إلى الضرب بين يدي المعتصم .

ثمَّ ذكر ابن كثير ضرب أحمد رحمه الله بين يدي المعتصم .

قال أحمد : ثمَّ دعيت فأدخلت على المعتصم ، فلمَّا نظر

إليَّ ، وعنده ابن أبي دؤاد ؛ قال : أليس قد زعمتم أنَّه حدث السن (يعني أحمد)؟ وهذا شيخٌ مكْهِلٌ ، فلمَّا دنوت منه ، وسلمَّت ؛ قال لي : ادنه ، فلم يزل يدنيني حتى قربت منه ، ثمَّ قال : اجلس ، فجلست ، وقد أثقلني الحديد ، فمكثت ساعةً ، ثمًَّ قلت : يا أمير المؤمنين : إلى ما دعا ابن عمِّك رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال : إلى شهادة أن لا إله إلاَّ الله ؛ قلت : فإني أشهد أن لا إله إلاَّ الله ؛ ثم قلت : يا أمير المؤمنين : اعطوني شيئاً من كتاب الله أو سنة رسول الله حتى أقول به ، فقال ابن أبي دؤاد : وأنت لاتقول إلاَّ بهذا وهذا ؟ فقلت : وهل يقوم الإسلام إلاَّ بهما ، واستمروا في مناظرته ، قال المعتصم: يا أحمد أجبني حتى أجعلك من خاصتي ، فقال أحمد : يا أمير المؤمنين يأتوني بآيةٍ من كتاب الله أو سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أجيبهم إليها ؟

قال أحمد : فعند ذلك قال لي المعتصم: لعنك الله طمعت فيك أن تجيبني فلم تجبني ، ثمَّ قال : خذوه ، واخلعوه ، واسحبوه ؛ قال أحمد : فأخذت ، وسحبت وخلعت ، وجيء بالضرابين والسياط ، وأنا أنظر ، فجردوني ، وصرت بين الضرابين ، فقلت : يا أمير المؤمنين : الله ؛ الله ؛ إنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال 🙁 لايحل دم امرئٍ مسلم يشهـد أن لا إله إلاًَّ الله إلاَّ بإحدى ثلاث ) فبـم تستحل دمي ولم آت شيئاً من هذا ؟ اذكر وقوفك بين يدي الله كوقوفي بين يديك ، وكأنَّه أمسك ، فما زالوا بالخليفة حتى جيء بالضرابين ، ومعهم السياط ، فجعل أحدهم يضربني سوطين ويقول له : يعني المعتصم شُدَّ قطع الله يديك ، وجاء الآخر ، فضربني سوطين ثمَّ الآخر كذلك فضربوني أسواطاً ، فأغمي عليَّ ، وذهب عقلي مراراً ، فإذا سكن الضـرب يعود عليَّ عقلي فقام المعتصم إليَّ يدعوني إلى قولهم ، فلم أجبه ، وأعادوا الضرب ، ثمَّ عاد إليَّ فلم أجبه ، فأعادوا الضرب ، ثمَّ جاء إليَّ الثالثة ، فـدعاني فلـم أعقـل ما قال من شدة الضرب ، ثمَّ أعادوا الضرب ، فذهـب عقلي ولم أحس بالضرب ، وأمر بإطلاقي إلى أهلي.

قال الحافظ الذهبي: ” قال حنبل : لم يزل أبو عبد الله بعد أن برئ من الضرب يحضر الجمعة والجماعة ، ويحـدث ويفتي حتى مات المعتصم ، وولي ابنه الواثق ، فأظهر ما أظهر من المحنة ،ثم ارسل لأحمد أن لايجتمعنَّ إليك أحدٌ ، ولاتساكنِّي بأرضٍ ، ولامدينةٍ أنا فيهـا فاذهب حيث شئت من أرض الله ، فاختفى أبو عبد الله مدة حياة الواثق ، قال الذهبي: ” ثم ولي المتوكل جعفر فأظهر الله السنة ، وفرَّج عن الناس ).

عباد الله : في محنة الإمام أحمد منح ودروس منها:

الخوف من الفتنة في الدين وعدم تمنيها، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تتمنوا لقاء العدو وسلوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا) قال محمد بن عبدالرحمن: “لما حمل الإمام أحمد بن حنبل ومحمد بن نوح، وصارا إلى حبسِ بغداد جاءت الظهر، فرجع محمد بن نوح وهو يبكي، فقال له أحمد: ما يبكيك؟ فقال: والله ما أبكي أسىً على أهلٍ ولا مالٍ ولا ولد، ولكنا نقدم على هذا الرجل(يعني المأمون) ولا ندري ما يكون حالنا، فقال له الإمام أحمد: أبشر فلست تراه ولا يراك”، وقد صدق الله ظن الإمام أحمد .

– الصبر على السنة، ورد الأهواء المضلة،قال المروذيّ للإمام أحمد وهو يقدم للجلد والعذاب: “يا أبا عبدالله، قال الله جل وعلا: (ولا تقتلوا أنفسكم)والناس بالرحبة ينظرون ما يقول أحمد، فقال الإمام أحمد: يا مروذي، أضل هؤلاء كلهم؟ أقتل نفسي ولا أضل هؤلاء”.

– عدم مجادلة الجهلة المعاندين، والإعراض عنهم، يقول الإمام أحمد: “كانوا القوم إذا انقطعوا عن الحجة عرف ابن أبي دؤاد رئيسهم فتكلم، فكلمني مرة فلم ألتفت إليه، فقال لي الخليفة المعتصم: ألا تكلمه؟ فقلت: لست أعرفه من أهل العلم فأكلمه”.

كشف الله الغمة ونفس الكروب ، واصلح حال المسلمين .

أقول ما سمعتم واستغفر الله لي ولكم .

الخطبة الثانية :

الحمد لله ولي الصالحين والصلاة على المبعوث رحمة للعالمين أما بعد : فمما يستفاد من دروس في محنة الإمام أحمد :

– الغضب لله عند وقوع الشرك والبدع : لما أحضر إلى دار السلطان أيام المحنة ، ورأى الناس يجيبون ، وكان رجلا لينا ، فانتفخت أوداجه ، واحمرت عيناه ، وذهب ذلك اللين . قال الراوي فقلت : إنه قد غضب لله .

– الصدع بالحق عظيم ، يحتاج إلى قوة وإخلاص ، فالمخلص بلا قوة يعجز عن القيام به ، والقوي بلا إخلاص يخذل ، ومن ضعف فلا أقل من التألم والإنكار بالقلب .

– أن الحاكم وإن كان له معاصي فهو أرحم بأهل السنة من أهل البدع ، وأنه لا يحاربهم لدينهم ؛ وأما صاحب

البدعة والهوى فلا يزال يحارب أهل السنة بكل سبيل؛

ظلماً وكذباً وعدواناً.

– ضرورة انكار المنكر دون ذكر للحاكم او تحريض عليه ، قال ابن باز : يجب إنكار المنكر بدون ذكر الفاعل: فينكر الزنا، وينكر الخمر، وينكر الربا من دون ذكر من فعله،.. ولما فتح الخوارج الجهال باب الشر في زمان عثمان رضي الله عنه وأنكروا على عثمان علنا عظمت الفتنة والقتال والفساد الذي لا يزال الناس في آثاره إلى اليوم، حتى حصلت الفتنة بين علي ومعاوية، وقتل عثمان وعلي رضي الله عنهما بأسباب ذلك، وقتل جمع كثير من الصحابة وغيرهم بأسباب الإنكار العلني، وذكر العيوب علنا، حتى أبغض الكثيرون من الناس ولي أمرهم وقتلوه ).

وقال ابن عثيمين : بعض الناس لغيرته على دين الله عز وجل إذا رأى المنكرات متفشية،… ذهب يشيع مساوئ الحكومة بين الناس، ويوغر الصدور عليها، ويلزم من عمله هذا أن يكره الناس ولاة أمورهم.

والحقيقة؛ أن هذه جَادَّة خاطئة جداً!ومخالفة للشرع!

وخطيرة على المجتمع! وسبب للفتن! )

– الحرص على إظهار الحق مع حفظ دماء المسلمين وجماعتهم، لما ذكروا للإمام أحمد ظلم الخليفة الواثق، وما أظهره من البدع وإجبار الناس على ذلك، وسألوه الخروج عليه، وعظهم الإمام أحمد وقال: “عليكم بالإنكار في قلوبكم، ولا تخلعوا يدًا من طاعة، ولا تشقوا عصا المسلمين، ولا تسفكوا دماءكم ودماء المسلمين معكم، وانظروا في عاقبة أمركم، واصبروا حتى يستريح بر ويستراح من فاجر”، بخلاف صنيع أهل الأهواء والفتن ودعاة الثورات فإنهم لا يهدأ لهم بال، إلا إذا اضطربت الأمور، وسفكت الدماء، ثم يدعون أنهم مصلحون، فحسبنا الله عليهم ونعم الوكيل.

– عدم الانتصار للنفس، فمع أذية الحاكم للإمام أحمد، فإنه لم يحرض عليهمولم يسب حاكمه ، بل أمر بطاعتهم وحقن دماء المسلمين، طاعة لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم في قوله :(مّنْ كّرِهَ مِنْ أميرهِ شَيْئاً فليَصْبر، فإنَّهُ مَنْ خَرَجَ عَن السُلْطَانِ شِبْراً مَاتَ مَيْتَة جَاهِلِيَّة).

اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، وأذِلَّ الكفرَ والكافرين، وانصُر عبادَك المُوحِّدين، ودمِّر أعداءَك أعداءَ الدين، واجعَل هذا البلدَ آمنًا مُطمئنًّا وسائرَ بلاد المُسلمين.

اللهم أيِّد بالحقِّ إمامَنا ووليَّ عهده، وهيِّئ لهما البِطانةَ الصالحة الناصحة، اللهم انصُر جنودَنا المُرابِطين على حُدودِ بلادِنا، اللهم أيِّدهم بتأيِيدك، واحفَظهم بحفظِك، اللهم سدِّد رميَهم ، وثبِّت أقدامَهم، وقوِّ عزائِمَهم، وامنحهم رقاب عدوك وعدوهم من الحوثيين .

سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين