ما رأيك فيمن يقول: إن جهاد الطلب غير صالح اليوم؟


يقول السائل: سمعتُ أحد الدعاة المنتسبين للسلفية بالهند يقول: إنَّ الجهاد بالسيف غير صالح اليوم، ولا مجال لأحد من ولاة أمور المسلمين اليوم أن يُعلنوا الجهاد بالسيف أبدًا؛ لأنَّ الدعوة الإسلامية تنتشر في أنحاء العالم بواسطة القنوات الفضائية وغيرها من الوسائل الحديثة المختلفة، فلا حاجة إلى جهاد الطلب بالسيف في هذا الحال.
ما مدى صحة هذا القول؟ علمًا أنه يدَّعي أنَّ بعض العلماء قرروا هذا القول؟

الجواب:
إنَّ الجهاد في الشريعة الإسلامية نوعان:
الأول: جهاد الطلب، ومنه قوله تعالى: ﴿ قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ ﴾ [التوبة: 29] ولما ثبتَ في الصحيحين من حديث ابن عمر وأبي هريرة -رضي الله عنهما-، وأخرجه البخاري من حديث أنس -رضي الله عنه- أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «أُمرتُ أن أُقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله»، وفي بعض الألفاظ: «حتى يقولوا لا إله إلا الله» الحديث.

فهذان الدليلان وغيرهما من الأدلة دالَّةٌ على جهاد الطلب.

النوع الثاني من الجهاد: جهاد الدفع، وذلك إذا هجمَ العدو على بلاد المسلمين فإنه يجب على المسلمين أن يُقاتلوا العدو ولا واجب يجب عليهم بعد الإيمان من جهاد الدفع، وكلا هذين النوعين من الجهاد مُجمعٌ عليهما كما بيَّنه ابن قدامة وغيره من أهل العلم.

إذا تبيَّن هذا فإنَّ الناس في الجهاد على طرفي نقيض ووسط من حيث الجملة، قسمٌ غلا ويدعو للجهاد ولا ينظر ولا يُفرق بين حال القوة والضعف، ولا يرجع إلى ولاة الأمور، وإنما عنده غلوٌ في الجهاد ويُنادي به في كل حال، في حال ضعفٍ وقوةٍ ولا يُراعي المصالح ولا المفاسد، والشريعة راعت الفرق بين حال القوة والضعف في حال الجهاد، لذا لم يُشرع الجهاد في مكة في حال الضعف، وإنما شُرع في المدينة لما قويَ المسلمون في حال القوة.

لذا قال ابن جرير وابن تيمية وابن القيم: آيات السيف في حال القوة، وآيات الصبر في حال الضعف، وقد فصَّلت هذا في كتابٍ بعنوان: (مهمات في الجهاد).
رابط الكتاب: https://www.islamancient.com/ar/?p=15297

والقسم الثاني جفا وصار يدعو إلى عدم جهاد الطلب، ويُعبِّر بعضهم بقوله: إنَّ جهاد الطلب ضرورة. فهو لا يدعو إليه، ويريد أن ينسب هذا لشيخ الإسلام ابن تيمية، وقد بيَّنتُ خطأ هذه النسبة وأنَّ شيخ الإسلام ابن تيمية يدعو إلى النوعين من الجهاد، جهاد الدفع وجهاد الطلب، ويُقربهما، أما هؤلاء الذين جفوا وهم كثيرٌ من الحركيين وفي مقدمهم يوسف القرضاوي، ومحمد حسن ولد الددو، وجماعة…، يُشككون في هذا الجهاد جهاد الطلب، ويقولون: انتشر الإسلام فلسنا في حاجة إلى جهاد طلب!

وهذا خطأ كبير، فإنَّ الأدلة جاءت بجهاد الطلب كما تقدم، فإنه إذا كان المسلمون في قوة وكان الجهاد نافعًا فإنه يُشرع لهم الجهاد ولو انتشرت الدعوة في بلدٍ، فإنهم يُجاهدون، فإنَّ هناك فرقًا بين أن تنشر الدعوة في بلد فيؤمن بها طائفة ويدعها طائفة، والطائفة الذين لم يؤمنوا بها في قوة ومنعة وعزة، وبين أن يتغلَّب المسلمون على أرض فيكون أهلها ضعفاء تبعًا للمسلمين، فمن آمن منهم فإنه على عزة وقوة، ومن أبى إلا الكفر فإنه يدفع الجزية ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾، فيكون في حال ضعف.

ففي مثل هذا مع الأيام يؤمن كثيرٌ منهم، ويدخلون الإسلام، وأبناؤهم بعد ذلك، لكن يكون للإسلام قوة وعزة وحكم ومنعَة، بخلاف إذا انتشر بالدعوة فإنه قد تكون البلاد بلاد كفر وتكون القوة للكفار وقد أسلم كثيرون لكن القوة للكفار، وهذه مصلحة لكن إذا تمكَّن الجهاد فإنَّ مصلحة الجهاد أعلى وأتم وأكبر، كما تقدم بيانه.

فالدعوة إلى ترك جهاد الطلب في حال انتشار الإسلام بالكلمة هذه انهزامية وقع فيها كثير من الحركيين، والحركيون في كثيرٍ من أمور الشريعة يتقلَّبون بحسب مصالح حزبهم ما بين غلوٌّ وجفاء، فيدورون مع مصالح حزبهم حيثُ دارت مصلحتهم، تارةً يغلون في الجهاد، ويكونوا سببًا لسفك دماء الأمة وإزهاق أنفسها بلا فائدة، وتارةً يُشككون في الجهاد ويُضعفونه كما تقدمت الإشارة ممن يدعو إلى ترك جهاد الطلب.

وينبغي أن نكون وسطًا متمسكين بالكتاب والسنة على فهم سلف هذه الأمة.

أسأل الله أن يعلمنا ما ينفعنا وأن ينفعنا بما علمنا، وجزاكم الله خيرًا.


شارك المحتوى: