يقول السائل: ما رأيك بالدعوة إلى الله بالمسلسلات الدينية، مثل المسلسل التركي قيامة أرطغل؟ وهل هذا مشروع؟
الجواب:
إنَّ من المعلوم أنَّ الدعوة إلى الله عبادة، بل هي من أجَلِّ القُرَب وأجل ما يُتعبَّد به إلى الله، قال سبحانه: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنْ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف: 1018] وقال سبحانه: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: 125] وقال سبحانه: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنْ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت: 33] إلى غير ذلك من الآيات الكثيرات.
وثبت في الصحيحين أنَّ النبي ﷺ قال: «لئن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خيرٌ لك مِن حُمر النَّعم».
إذا تبيَّن هذا فإنَّ الدعوة إلى الله عبادة، ومن المعلوم أنَّ وسائل العبادة عبادة، وأنَّ للوسائل أحكام الغايات، ومما قرَّره شيخ الإسلام ابن تيمية كما في كتابه (اقتضاء الصراط المستقيم) أنَّ الضابط في التفريق بين المصالح المرسلة والوسائل المُحدَثة يرجع إلى معرفة قاعدةٍ مهمةٍ، وهي أن يُنظَر في كُلِّ وسيلةٍ يُراد إحداثُها، هل المقتضي لفعلِها كان موجودًا في عهد النبي ﷺ وصحابته؟ ثم هل كان هناك مانعٌ يمنعهم من فعلِه؟
إن كان المقتضي موجودًا في عهدهم ولا مانع يمنعهم، فإنَّ فعل هذه الوسيلة بدعة ولا يجوز أن تُفعَل؛ لأنَّ هذه الوسيلة لو كانت خيرًا لسبقنا إليها رسول الله ﷺ وصحابته الكرام.
أما لو لم يكن المقتضي موجودًا في زمانهم، أو وُجِد لكن هناك مانعٌ يمنعهم مِن الفعل، فإنَّ فعل هذه الوسيلة جائز وليس بدعة.
وأُقرِّب ذلك بمثال: ما يفعله المؤذنون اليوم من الأذان في مكبرات الصوت، هذه وسيلة لكنها لم تكن موجودةً في عهد النبي ﷺ، أي يمنعهم من فعلها عدم اختراعها ووجودها، فلذلك فعلها بعد ذلك ليس بدعة؛ لأنَّ المانع قد زال.
ثم أفاد شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- أنَّ ذنوب العباد ليست مُبرِّرًا لتغيير الشريعة، وإنما يُؤمر العباد بأن يرجعوا إلى الله، فإنَّ بعض الناس يقول: إنَّ هؤلاء مقصرون وبعيدون عن دين الله، فنُرغِّبهم إلى دين الله بأمثال هذه الوسائل، فيقال: كلا، بل يُؤمر الناس بالرجوع إلى دين الله لا أن يُغيَّر دين الله لأجل الناس. وهذا تنبيهٌ مهم.
إذا تبيَّنت هذه القاعدة، وهي أنَّ الوسائل مضبوطة بالضوابط الشرعية وألا يُفتَح الباب فيها على الإطلاق، وهذا الذي قرَّره شيخ الإسلام هو الذي يدل عليه فعل سلف هذه الأمة، فقد ثبت عند الدارمي وابن وضاح أنَّ ابن مسعود خرجَ على أقوامٍ كانوا يسبحون الله مائة بالحصى، يقول أحدهم: سبحوا الله مائة، فيسبحون الله بالحصى مائة، ثم يقول: كبروا الله …إلخ.
فأنكر عليهم عبد الله بن مسعود، وقال: هذه آنية رسول الله ﷺ لم تُكسَر، وثيابهُ لم تُبل، وأصحابه متوافرون، أأنتم سابقون إلى خير لم يفعله النبي ﷺ وصحابته؟ أم أنكم مفتتحو باب ضلالة؟
قالوا: يا أبا عبد الرحمن والله ما أردنا إلا الخير.
قال: كم من مريد للخير لن يُصيبه.
ففي أثر عبد الله بن مسعود ما يدل على أنَّ باب الوسائل لا يُفتَح على مصراعيه، وإنما مُقيَّد بالضوابط الشرعية، وفيه أنَّ النية الحسنة غير كافية، وهذا مهم للغاية، لأنهم قالوا: ما أردنا إلا الخير، فقال: وكم من مريد للخير لن يُصيبه.
والأدلة على تقرير هذا غير قليلة، وكلام العلماء فيه من أوضح الكلام وأبينه، ومنه كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه (اقتضاء الصراط المستقيم) وكما في (مجموع الفتاوى).
إذا فُهِم هذا، فإنَّ الدعوة إلى الله بالمسلسلات بدعة مُحدَثة؛ لأنَّ المقتضي لفعلها وهو هداية الناس لاسيما بعد اتِّساع الفتوحات ودخول كثير من الناس في الإسلام في عهد عمر وعثمان، فدعوتهم بأمثال هذه الوسائل مما قد يُظَن أنَّ فيه خيرًا لهدايتهم وتقريبهم إلى دين الله، ولا مانع يمنع الصحابة من ألا يفعلوا هذه الوسيلة، ومع ذلك لم يفعلوها، فدلَّ هذا على أنَّ هذه الوسيلة مُحدَثة ومحرمة وبدعة ولا يجوز أن تُفعَل.
فلذا أبتدئ الجواب عن هذا السؤال بتقرير هذا الأصل العظيم، وهو أنَّ الدعوة إلى الله بالمسلسلات محرمة، بل بدعةٌ مُحدَثة، هذا مما ينبغي أن يعرفه أهل الإيمان وأهل التقوى ومَن يريد الله والدار الآخرة.
إنه قد لا يلتفت إلى هذا ضعيف الإيمان، أو مَن لا تُحجِمهُ الآثار، ولا تُقيِّده الأدلة، وإنما يندفع خلف هواه وحماسته، لكن لا يزال في الأمة خير وفيهم مَن تردعه الأدلة الشرعية والآثار السلفية والقواعد المرعية، فإذَن الدعوة إلى الله بهذه المسلسلات بدعة مُحدَثة كما تقدم بيانه.
ثم تزداد هذه المسلسلات حُرمةً على حرمةٍ إذا وُجِد فيها ما يزيدها إثمًا أو منعًا، ومِن ذلك أن يُمثَّل الأنبياءُ والصالحون، فهذا يزيدُ الحرمة حرمةً، أخرج أبو داود من حديث عائشة -رضي الله عنها- أنَّ النبي ﷺ قال: «ما أحب أني حاكيتُ إنسانًا، وإن كان لي كذا وكذا» أي لا أُحبُّ أنِّي قلَّدتُ إنسانًا، فكيف يُقلَّد الأنبياء والصالحون في هذه التمثيليات؟
وزد على ذلك أنَّ التمثيليات لا تخلو من الكذب، والكذب محرم في الشريعة، قال عبد الله بن مسعود: لا يصلح الكذب في جِدّ ولا هزل.
ومن ذلك أن يُضاف إلى التمثيليات دعوةٌ إلى العقائد البدعية، فإنَّ هذا المسلسل التركي (قيامة أرطغل) فيه من المنكرات الشنائع والدعوة إلى البدع والشركيات الشيء المؤلم، وتعظيم أئمة الضلالة، فيه تعظيم ابن عربي الطائي الذي يقول: الله أنا وأنا الله! ويقول: الله في جبتي! وفيه الدعوة إلى أنَّ الخضر حيّ، إلى غير ذلك مما أسأل الله أن يُهيئ الفرصة لنقده نقدًا تفصيليًّا.
وإني أُحذِّر المسلمين أجمعين من هذا المسلسل، من المسلسلات التي تسمى بالمسلسلات الدينية مطلقًا، وأحذرهم من هذا المسلسل خصوصًا لما فيه من هذه الدعوة وهذه الضلالة.
وإني لأعجب والله غاية العجب مِمَّن ينتسب للإسلام والدِّين يتعاطف مع هذه المسلسلات، بحُجّة أنها تصل إلى أكبر شريحة من المجتمع، فيقال: إننا لسنا مطالبين شرعًا بهداية الناس وإنما نحن مطالبون أن نفعل الأسباب، فكيف نعصي الله لأجل هداية الناس؟ هذا على فرض أنَّ هذه المسلسلات سبيل للهداية، فكيف وهي سبيل للغواية لأنَّ فيها الدعوة لما تقدم ذكره؟
كيف يصح لعاقل أن يجعل نفسه كالشمعة يحترق ليُضيء لغيره؟ هذا على افتراض أنَّ فيه إضاءةً، وما بالك أنَّ فيه معصيةً ودعوة إلى ما تقدم ذكره.
وإني أُذكر بقول الله عز وجل: ﴿وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنْ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلا تَكُونَنَّ مِنْ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأنعام: 35] هذه الآية واضحة أنه ينبغي لنا أن نتقيَّد في الدعوة إلى الله وهداية الناس بشرع الله، وأنَّ الهداية من عند الله فلا يصح لنا أن نعصي الله لأجل أن نهدي الناس.
أسأل الله أن يهدي المسلمين أجمعين، وأن يردهم إليه ردًّا جميلًا.