لا تمسح على جورب [شراب] لا يغطي الكعبين


بسم الله الرحمن الرحيم

 

    أخي المصلي!  لا تمسح على جورب (شراب) لا يغطي الكعبين

 

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

 

فقد انتشر مؤخراً بين الرجال والنساء لبس جوارب(شرابات) قصيرة، لا تغطي الكعبين،

ورغبة مني في المشاركة في إيضاح المسألة كتبت هذه الأسطر، عسى الله أن ينفع بها.

 

فأقول وبالله التوفيق:

المسح على الخفين ثابت بالنص والإجماع، وأدلته معلومة مشهورة.

والمسح على الجوربين جائز كذلك، كالخفين تماماً.

قال إسحاق بن راهويه:(مضت السنة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ومن بعدهم من التابعين في المسح على الجوربين، لا اختلاف بينهم في ذلك).

الأوسط لابن المنذر (2/ 118).

 

وينظر: المغني(1/374)، وشرح العمدة لابن تيمية(1/239)، وتهذيب السنن(1/189).

وللاستزادة:

http://www.alakhdr.com/?p=377

 

ولصحة المسح على الخف والجورب شروط متفق عليها، وأخرى مختلف فيها، وليس هذا موضع ذكرها.

 

لكن لو فرض أن الخف أو الجورب كان حده من الأعلى دون الكعبين، أي لا يغطيهما، فهل يجوز المسح عليه حينئذ؟

 

 

لا ريب أنه لا يجوز المسح عليه، ولا يجزئ، وهذا قول أئمة المذاهب الأربعة.

قال ابن جُزي المالكي (المتوفى سنة 741هـ) في كتابه القوانين الفقهية (صـ 30):

(أما الخفان فيجوز المسح عليهما عند الأئمة الأربعة في السفر والحضر بستة شروط، – وذكر منها -: أن يكون ساتراً إِلى الكعبين).

بل حكى شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه العلامة ابن عبدالهادي: الاتفاق على عدم جواز المسح عليه.

فقال ابن تيمية كما في مجموع الفتاوي (21/ 191-192) بعد أن ذكر أن الخف المقطوع تحت الكعبين لا يدخل في مسمى الخف عند الإطلاق:

(لأن المقطوع يصير كالنعلين، فإنه ليس بخف، ولهذا لا يجوز المسح عليه باتفاق المسلمين، فلم يدخل في إذنه في المسح على الخفين)

ونقله مقراً له العلامة ابن قاسم، فقال كما في حاشية الروض المربع(1/220):

(أما الخفان المقطوعان والنعلان وكلما يلبس تحت الكعبين من مداس وجمجم وغيرها فلا يجوز المسح عليه، قال شيخ الإسلام: باتفاق المسلمين).

 

وقال ابن عبدالهادي في رسالة له بعنوان: الكلام على أحاديث لبس الخفين للمحرم (مطبوعة ضمن مجموع رسائله ص ١٥٦):

(المقطوع لا يسمى خفاً حقيقة، وقوله:((امسحوا على الخفين)): لا يدخل فيه المقطوع، فإنه لا يجوز المسح عليه بالاتفاق).

((أفادني بهذا النقل عن ابن عبدالهادي فضيلة الشيخ: عبدالقادر الجنيد جزاه الله خيراً)).

 

وللمزيد ينظر:(الأم 1/149، الأوسط(2/100)، الكافي لابن عبدالبر 1/117، بدائع الصنائع 1/10، المغني 1/372، فتاوي ابن تيمية 21/192، فتاوي ابن إبراهيم 2/65 و 67-68، فتاوي اللجنة 1/5/262-263 .. 2/4/99 و 102 .. 3/1/234، فتاوي نور على الدرب لابن باز 5/164 و 166 و 173 و 185، فتاوي ابن باز 29/73، الإمداد للفوزان 1/166، فقه الممسوحات للغامدي صـ 240، المسح على الخفين للصبيحي ص 21 و 87 وما بعدها).

تنبيهات:

  • أولاً: نقل ابن المنذر عن الأوزاعي وعن غيره أنهم كانوا يقولون: إذا وارى الخف الكعبين وجاوز ذلك مسحه. وهذا لا إشكال فيه.

لكن نقل عنه قول آخر بالجواز ولو كان دون الكعبين، لكنه يَشترط فيما كان كذلك: أن يمر الماء على ما ظهر من محل الفرض.

كما نقله عنه ابن المنذر، وابن حزم، وابن رشد الجد – قال: وهو شذوذ -.

الأوسط(2/100)، المحلى(1/336)، البيان والتحصيل(1/ 206).

  • ثانياً: حكى الوليد بن مسلم عن مالك أنه قال: يمسح المحرم على الخفين المقطوعين أسفل من الكعبين.

قال ابن المنذر: وأصح من ذلك حكاية ابن القاسم عن مالك أنه كان لا يرى أن يمسح عليهما؛ لأنهما أسفل من الكعبين. الأوسط(2/100).

قال ابن القاسم كما في المدونة(1/143): “وقال لي مالك في الخفين يقطعهما أسفل من الكعبين المحرم وغيره: لا يمسح عليهما من أجل أن بعض مواضع الوضوء قد ظهر”.

وفي النوادر لابن أبي زيد القيرواني(1/95):”قال مالك في المختصر: ولا يمسح محرم على خفين. قال ابن القاسم، في المجموعة: لأنه دون الكعبين، فلا يمسح عليهما محرم ولا غيره، وإن كانا إلى الكعبين أو فوقهما، فليمسح عليهما غير المحرم”.

وقد اختلف عن الوليد بن مسلم فيما نقله عن مالك، فروي عنه كما تقدم، وروي عنه أن قول مالك كقول الأوزاعي: بأن يمر الماء على ما بدا من كعبيه.

والرواية الثانية قال عنها أبو الوليد الباجي في المنتقى(1/77): وهذه رواية غير معروفة عن مالك، وإنما يعرف هذا من أقوال الأوزاعي. ا.هـ

والقول بعدم المسح على ما دون الكعبين هو المعروف من مذهب المالكية.

قال ابن شاس المالكي(المتوفى سنة 616هـ) في عقد الجواهر الثمينة(1/ 84) في معرض ذكره للملبوس الذي فقد بعض الشروط:

(الرابع: أن يكون الخف غير ساتر لمحل الوضوء، كالمحرم يقطعه أسفل من الكعبين، فالمعروف من المذهب أنه لا يمسح عليه، وانفرد الوليد بن مسلم فروى أنه يمسح عليه ويغسل ما بدا من كعبيه. وأنكر القاضي أبو الوليد هذه الرواية عن مالك).

وقال ابن عبدالبر في الكافي(1/117):(والخفان اللذان يجوز للمحرم لباسهما لا يجوز لأحد المسح عليهما؛ لقصورها عن الكعبين، وقد روى أبو مصعب عن مالك: أنه أجاز للمحرم المسح على خفيه، وإن كانا دون الكعبين، وتحصيل مذهبه ما قدمت لك).

وينظر: التفريع لابن الجلاب(1/31)، الذخيرة(1/324)، التاج والإكليل(1/468)، شرح مختصر خليل للخرشي(1/179)، حاشية الصاوي على الشرح الصغير(1/155).

وقال ابن قدامة في  المغني(1/372):”ولو كان مقطوعاً من دون الكعبين، لم يجز المسح عليه، وهذا الصحيح عن مالك”. ونحوه في الشرح الكبير(1/405).

  • ثالثاً: نقل ابن مفلح في الفروع(1/197)، ثم المرداوي في الإنصاف(1/405) عن شيخ الإسلام ابن تيمية أنه يجوّز المسح على الملبوس ولو كان دون الكعب.

أما صريح لفظه في مواضع فهو القول بعدم الجواز.

ينظر مثلاً: مجموع الفتاوي(21/190-192 و 32/305)، شرح عمدة الفقه(4/460 و 472).

ومما يؤيد أنه لا يرى المسح على ما كان كذلك: اختياره جواز لبس المحرم للخفين اللذين دون الكعبين ولو كان واجداً للنعلين؛ لأنهما بعد القطع ليسا بخفين عنده، كما قرره في مواضع.

وإلا فمعلوم أن لبس الخف محظور على المحرم بدلالة السنة، والإجماع الذي حكاه جماعة من العلماء، منهم ابن تيمية كما في شرح العمدة(4/457).

وينظر: مجموع الفتاوي(26/110)، شرح الزركشي(1/392)، اختيارات ابن تيمية للحارثي(1/404)، والجربوع(5/12).

ومن نافلة القول التنبيه على الفرق بين عدم اشتراط ستر محل الفرض، والقول بجواز المسح على ما دون الكعبين.

  • قال ابن تيمية:(فعلم أن المعتبر في اللباس أن يكون على الوجه المعتاد، سواء ستر جميع محل الفرض، أو لم يستره، والخفاف قد اعتيد فيها أن تلبس مع الفتق والخرق، وظهور بعض الرجل، وأما ما تحت الكعبين فذاك ليس بخف أصلاً، ولهذا يجوز للمحرم لبسه مع القدرة على النعلين في أظهر قولي العلماء).الفتاوي (21/190).
  • رابعاً: خالف في المسألة ابن حزم، فقال بجواز المسح على الخف وما شابهه، ولو لم يغط الكعبين. المحلى(1/324 و 336).

 

  • خامساً: يحسن التنبه لأمر مهم، وهو أن الأوزاعي ومالكاً ــ في القول الذي رجع إليه ــ لا يجوزان المسح على الجوربين، والقول الآخر لمالك جواز المسح عليهما بشرط كون أعلاه وأسفله من جلد.

وعليه فالشراب المعروف اليوم لا يصح المسح عليه مطلقاً عند الأوزاعي ومالك، ولو كان فوق الكعبين، فكيف إذا لم يغطهما؟ (وبهذا قال جماعة من العلماء، لكني نصصت عليهما لكون القول بجواز مسح الخف القصير دون الكعبين منسوباً إليهما).

المدونة(1/143)، الأوسط لابن المنذر(2/119)، الكافي لابن عبدالبر(1/118)، التمهيد(11/156)،

المحلى(1/324)، المغني(1/473)، التاج والإكليل(1/466)، الطهارة للدبيان(3/42 و 65 و 149).

  • فائدة(1): نص غير واحد من أهل العلم على أن الخف المقطوع لا يسمى خفاً إلا بتقييد، وأنه لا يدخل في مسمى الخف عند الإطلاق.

قال الطحاوي كما في مختصر اختلاف العلماء (2/107) عند كلامه عن الخف المقطوع للمحرم:

(اتفقوا على سقوط الكفارة فيه إذا لم يجد نعلين، فعلم أن الكفارة سقطت لأنهما ليسا بخفين، لأنهما لو كانا خفين لكانت الضرورة لا تسقط الكفارة).

وقال ابن تيمية🙁وأما ما تحت الكعبين فذاك ليس بخف أصلاً).الفتاوي 21/190

وينظر: المغني(1/372)، مجموع الفتاوي(3/24 و 21/190-192 و 32/305)، شرح عمدة الفقه(4/472)، تهذيب السنن(5/197)، مشكل لباس الإحرام للصبيحي(المسألة 2 و 3).

  • فائدة(2): قد تقرأ أو تستمع لبعض من يفتي بجواز المسح على ما دون الكعبين، وقد تقدم أن القول بالجواز ليس معروفاً عن السلف الأولين، فالزم غرزهم، واحتط لدينك، ودع ما يريبك إلى ما لا يريبك.

قال العلامة ابن عثيمين -كما في اللقاء الشهري(3/115)-:(فالاحتياط إذا كان الخف دون الكعبين ألا تمسح عليه).

انتهى .. والحمد لله رب العالمين ..

 

كتبه: حسام بن عبدالله الحسين

ليلة الثلاثاء 25/4/1440هـ

وأضفت إضافات يسيرة صبيحة الجمعة 26/4/1442هـ