كورونا بين الابتلاء والعقوبة مع الصبر واتخاذ أسباب العافية


 

الخطبة الأولى: ـــــــــــــــــــــــــــــ

الحمد للهِ العظيمِ القادر، الفعَّالِ لِمَا يُريد، الذي خلَق فقدَّر، ودبَّرَ فيسَّر، فكُلُّ عبدٍ إلى ما قَدَّرَه عليه وقضَاه صائر، لا يُسألُ عمَّا يَفعل وهُم يُسئَلون، وأشهد أنْ لا إله إلا الله، وأنَّ محمدًا عبدُه ورسوله، الذي حذَّرَ أُمَّتَه عِظَمَ عقوبات الذُّنوب، وبيَّنَ كِبَرَ أجورِ احتسابِ البلاءِ والمُصاب، فاللهمَّ صلِّ عليه، وعلى آل بيته وأصحابه وأتباعه، وسَلِّمْ تسليمًا كثيرًا.

أمَّا بعد، أيُّها المسلمون:

فلقد أقسَمَ ربُّكم ــ جلَّ وعزَّ ــ على أنَّ يَبتلِيَكُم ببعض المصائب لا كُلِّها، فقال سبحانه: { وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ }، ووعَدَ بعدَ إقسامِه بذلك مَن صبَرَ على ما ابتُلِيَ بِه، واحتسَب أجْرَ مُصابِه، فقال ــ جلَّ وعلا ــ: { وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ }، وبيَّنَ رسولُه صلى الله عليه وسلم إلى الناس كبيرَ أجْرِ الصَّبرِ على البلاء، رِضًا بقضاء الله وقدَره، واحتسابًا لأجْره، فصحَّ عنه صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: (( مَا يُصِيبُ الْمُؤْمِنَ مِنْ وَصَبٍ، وَلا نَصَبٍ، وَلا سَقَمٍ، وَلا حَزَنٍ، حَتَّى الْهَمِّ يُهَمُّهُ، إِلا كُفِّرَ بِهِ مِنْ سَيِّئَاتِهِ ))، وصحَّ عنه صلى الله عليه وسلم أيضًا أنَّه قال: (( مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُصِيبُهُ أَذًى مِنْ مَرَضٍ، فَمَا سِوَاهُ، إِلَّا حَطَّ اللهُ بِهِ سَيِّئَاتِهِ، كَمَا تَحُطُّ الشَّجَرَةُ وَرَقَهَا ))، وثبت عنه صلى الله عليه وسلم أيضًا أنَّه قال: (( لَا يَزَالُ الْبَلَاءُ بِالْمُؤْمِنِ أَوْ الْمُؤْمِنَةِ فِي جَسَدِهِ، وَفِي مَالِهِ، وَفِي وَلَدِهِ، حَتَّى يَلْقَى اللَّهَ وَمَا عَلَيْهِ مِنْ خَطِيئَةٍ ))، وإذا علِمَ العبدُ المؤمنُ أنَّ ما يُصيبَه مِن البلاء سيُكفَّرُّ بِه مِن سيئاته كثيرًا، وتزدادُ بِه حسناتُه شديدًا، فرِحَ واستبشَر، واطمأنَّ قلبُه، وارتاحتْ نفسُه، ودخلَه الأُنْس، وزالَ هَمُّ قلبِه أو خَفَّ، بل قد يَتلذَّذُ بِمُصابِه، ويَجِدُ حلاوةً في بلائه، لِزيادةِ قُرْبِه حِينها مِن ربِّه، وشديدِ لُجوئِه إليه، وعَظيمِ دعائِه ومُناجاته له، وكثيرِ استغفارِه وتوبته وإنابتِه وخشيتِه وتضَرُّعه.

أيُّها المسلمون:

إنَّ الذنوبَ والآثام، والفواحشَ والمنكرات، والقبائحَ والرَّذائل، والجرائمَ والمَخازي، والظُّلمَ والعُدوان، والبَغْيَ والفِسقَ والفجور، والمُجاهَرةَ بِها، لَتُؤثِّرُ على العِباد، وعلى بلادهم، فتَتسَبَّب لَهم بعقوبات شَتَّى، وآلامٍ تَزدادُ وتتابع، تارةً تتعلَّق بالأمْن والخوف والحَرب والاقتتال، وتارةً تتعلَّق بالاقتصاد وزيادةِ الفقر والجوع والبَطالة، وتارةً تتعلَّق بالصِّحة والأمراضِ المُتنوِّعة، والأوبِئةِ المُعدِية، وتارةً تتعلَّق بالفُرْقَة والتنازُعِ والتناحُرِ بين أهلِ البلدِ الواحد، وانقسامِهم إلى أحزاب وجماعات، ولقد قال ربُّنا ــ تباركَ وتقدَّس ــ في تقرير ذلك وتأكيده: { ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ }، وقال ــ عزَّ شأنه ــ: { وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ }، وثبت: (( أَنَّ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ ــ رضي الله عنه ــ ابْتُلِيَ فِي جَسَدِهِ، فَقَالَ: مَا أُرَاهُ إِلَّا بِذَنْبٍ، وَمَا يَعْفُو اللَّهُ أَكْثَرُ، وَتَلَا: { وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ } ))، وجاء عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: (( لَمْ تَظْهَرِ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطُّ، حَتَّى يُعْلِنُوا بِهَا، إِلَّا فَشَا فِيهِمُ الطَّاعُونُ وَالْأَوْجَاعُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مَضَتْ فِي أَسْلَافِهِمُ الَّذِينَ مَضَوْا ))، وصحَّحه الحاكِمُ، والذَّهبيُ، والألباني، وجاء بسندٍ صحَّحه الإمام الألباني ــ رحمه الله ــ عن ابنِ عباسٍ ــ رضي الله عنه ــ أنَّه قال: (( وَلَا فَشَتْ الْفَاحِشَة فِي قوم إِلَّا أَخذهم الله بِالْمَوْتِ ))، وأخرَج البخاريُّ في “صحيحه” عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم أنَّه قال عن وباءِ الطاعون المُعدِي: (( أَنَّهُ عَذَابٌ يَبْعَثُهُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ )).

أيُّها المسلمون:

لقد دَهَمَ غالبَ البلدانِ مرَضٌ ووباءٌ سمَّوه طبيًّا: “بكورونا”، أُصِيبَتْ بِه أعدادٌ عفيرةٌ مِن الناس، وماتَ بسببِهِ خلْقٌ كثيرون، ولا زالَ يَتوسَّعُ في البلدان أكثَر، حتى أصابَ الناسَ مِنه هلَعٌ شديد، وحصلَ لَهُم بِه فزَعٌ عريض، وانتشرَ لأجلِه خوفٌ كبير، وزادَ مِن ذلك أنَّه لم يُكتشَف له علاجٌ بعد، وأنَّ أعرَاضَه تتشابَه مع أمراضٍ أُخْرى مشهورة، بحيثُ يَصعُب تمييز أهله، والحامِلين بفيروساته، إلَّا أنَّ حالَ المؤمنِ الحقِّ مع هذا الوباءِ يَختلفُ عن غيره مِن الناس، إذ هوَ يُؤمنُ أنَّ كلَّ شيءٍ يَحصُلَ لَه ولِغيرِه بقدَرٍ، وأنَّ ما قضَاهُ اللهُ عليه، وقدَّرَ أنْ يَحصُلَ له فهوَ صائرٌ لا محَالَة، ولو احتَمى بمَن في الأرض جميعًا، وأنَّ ما قدَّرَ أنْ لا يَحصُلَ لَه فلن يَحصُل، ولو كادَهُ بِه جميعُ الإنسِ والجنِّ، حيث صحَّ عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: (( كَتَبَ اللهُ مَقَادِيرَ الْخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ ))، وصحَ عنه صلى الله عليه وسلم أنَّه قال لابن عباسٍ ــ رضي الله عنه ــ مُوصِيًا ومُذَكِّرًا: (( وَاعْلَمْ أَنَّ الأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَىْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلاَّ بِشَىْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَلَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَىْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلاَّ بِشَىْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الأَقْلاَمُ، وَجَفَّتِ الصُّحُفُ ))، ولَمَّا ذَكر الله ـــ جلَّ وعزَّ ــ أذِيَّةَ السَّحرةِ في سورة البقرة، فقال سبحانه: { فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ }، طمأنَ قلوبَ عِبادِه، وربَطَ جأشَها، وقوَّى عزيمتَها، فقال بعد ذلك على الفور: { وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ }، ألَا فلنَطِبْ ــ يا عِبادَ الله ــ نفسًا، ولا نُرعِبْ أهلًا أو زوجًا أو ولدًا، ولْنَنَم سُعداء، ولنَخرُجْ ونَدخُل باطمئنان، ولا نَخرُج في بلوانا عن قول نبيِّنا صلى الله عليه وسلم الصَّحيح: (( عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ، فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ، صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ )).

أيُّها المسلمون:

إنَّ دِينَ اللهِ الإسلام دِينٌ مُتكامل، حيث بيَّنَت شريعةُ الإسلامِ أنَّ كلَّ ما يُصيبُ العبدَ بقدَر، وأنَّه لنْ يَخرجَ عمَّا كتبَه اللهُ عليه، ودعتْهُ إلى الصَّبر على ما أصابَه، ووعدَتْهُ على صَبرِه واحتسابِه الأجْرَ العظيم، وأمَرَتْهُ باتخاذ الأسبابِ الواقيةِ لَه، وأنَّ وِقَايتَها لَه تحت مشيئةِ الله، وشَرعَت له اتخاذ الأسباب التي تَقِي المرضَ والوباءَ قبلَ حصوله، وبعدَ حصوله، وشجَّعَت نفسَه لطلبِ العلاج، وشجَّعت الطبيبَ معَه ليَبحث للمريض عن علاج، وذلك بالإخبار أنَّه ما مِن داءٍ إلا ولَه دواء، فصحَّ عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: (( تَدَاوَوْا عِبَادَ اللهِ، فَإِنَّ اللهَ ــ عَزَّ وَجَلَّ ــ لَمْ يُنَزِّلْ دَاءً إِلَّا أَنْزَلَ مَعَهُ شِفَاءً، إِلَّا الْمَوْتَ وَالْهَرَمَ ))، وبيَّنَت شريعةُ الإسلامِ أيضًا بعضَ أسبابِ الوِقايةِ مِن الوبَاء المُعدِي على الخصوص قبلَ وقوعه، وبعد وقوعه، وشَرعَت في حقِّ المُصابينَ بِه الحَجْرَ العامَّ والخاص، فصحَّ عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم أنَّه قال في مرضِ الجُذَامِ المُعدِي: (( فِرَّ مِنَ المَجْذُومِ كَمَا تَفِرُّ مِنَ الأَسَدِ ))، وصحَّ عن الشَّرِيدِ ــ رضي الله عنه ــ أنَّه قال: (( كَانَ فِي وَفْدِ ثَقِيفٍ رَجُلٌ مَجْذُومٌ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «إِنَّا قَدْ بَايَعْنَاكَ فَارْجِعْ» ))، وصحَّ عنه صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: (( لَا يُورِدُ الْمُمْرِضُ عَلَى الْمُصِحِّ ))، وصحَّ عنه صلى الله عليه وسلم أنَّه قال في شأن وباءِ الطاعون: (( الطَّاعُونُ رِجْزٌ أَوْ عَذَابٌ أُرْسِلَ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَوْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَإِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ، فَلَا تَقْدَمُوا عَلَيْهِ، وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا، فَلَا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ ))، وبيَّنَت شريعةُ الإسلامِ أيضًا، تقويةً لِنفسِ المؤمنِ المريضِ المَوبُوء، عِظمَ الأجْرِ على وباءِ الطاعونِ المُعدي، وفضلِ الصَّبرِ عليه، مع الاحتساب، فأخرجَ البخاريُّ في”صحيحه”، عن أُمِّ المؤمنين عائشة ــ رضي الله عنها ــ أنّها قالت: (( سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الطَّاعُونِ، فَأَخْبَرَنِي: «أَنَّهُ عَذَابٌ يَبْعَثُهُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ، وَأَنَّ اللَّهَ جَعَلَهُ رَحْمَةً لِلْمُؤْمِنِينَ، لَيْسَ مِنْ أَحَدٍ يَقَعُ الطَّاعُونُ، فَيَمْكُثُ فِي بَلَدِهِ صَابِرًا مُحْتَسِبًا، يَعْلَمُ أَنَّهُ لاَ يُصِيبُهُ إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ، إِلَّا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ شَهِيدٍ» ))، فاللهُمَّ إنَّا نعوذُ بِكَ مِن البَرصِ، والجُنونِ، والجُذَامِ،  وسَيِّءِ الأسقامْ، إنَّك سميعٌ مُجيب.

الخطبة الثانية: ـــــــــــــــــــــــــــــ

الحمد لله كاشفِ الشِّدات، وفارِجِ الكُربات، ودافِعِ البليَّات، وهو حسْبُنا ونِعمَ الوكيل، ولا حولَ ولا قوَّة إلا بِه، وأُصلِّي وأسلِّمُ على عبده ورسوله محمدٍ الأوَّه المُنيب، وعلى آله وصحابته.

أمَّا بعد، أيُّها المسلمون:

فاتقوا الله ربَّكم حقَّ تُقاته، وتزوَّدوا مِن تقواهُ كثيرًا، لا سِيَّما عندَ نُزولِ البلاء، وتَفَشِّي الوباء، وكَثرةِ الأدواء، فإنَّ ذلك مِن أعظم أسبابِ زواله، وأقوى أسلحةِ دفعِه ورَفعه.

إلَا وإنَّ مِن تقواهُ الكاشفةِ لذلك: التَّوبةَ النَّصوحَ مع الاستغفارِ والإقلاعِ عن الذُّنوب، شركيةً كانت، أو بِدَعًا، أو معاصي، لأنَّ الأمْرَ كما نُقِل عن بعض الصحابة ــ رضي الله عنه ــ، ومَن بعدَهم: (( مَا نَزَلَ بَلَاءٌ إلَّا بِذَنْبِ، وَلَا رُفِعَ إلَّا بِتَوْبَةِ ))، وتصديقُ ذلك قولُ اللهِ ــ جلَّ وعزَّ ــ في سورة الأنفال: { ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ }.

ومِن تقواهُ الكاشفةِ لذلك: كثرةَ اللجوءِ والتَّضَرُّع إلى الله سبحانه بدفع ما نَزلَ بِنا، وكشفِه عن بُلدانِنا، حيث قال ــ تبارك اسمُه ــ مُرغِّبًا لَنا في ذلك: { أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ }، وقال سبحانه زاجِرًا ومُرهِّبًا: { وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ (42) فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ }.

ومِن تقواهُ الكاشفةِ لذلك: الإكثارَ مِن استعمال الأذكارِ والأدعيةِ الواردةِ عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم في باب الكَرْبِ والبَلاءِ والمرضِ، بقلْبٍ حاضِر، وذِهنٍ صافٍ، ونفسٍ مُتعلِّقة بالله سبحانه، حيث ثبت عن النَّبي صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: (( دَعْوَةُ ذِي النُّونِ إِذْ دَعَا وَهُوَ فِي بَطْنِ الْحُوتِ: لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنْ الظَّالِمِينَ، فَإِنَّهُ لَمْ يَدْعُ بِهَا رَجُلٌ مُسْلِمٌ فِي شَيْءٍ قَطُّ إِلَّا اسْتَجَابَ اللَّهُ لَهُ ))، وصحَّ عن ابن عباس ــ رضي الله عنه ــ أنَّه قال: (( كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْعُو عِنْدَ الْكَرْبِ يَقُولُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْعَظِيمُ الْحَلِيمُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ))، مع الاستعاذةِ بالله مِن الشُّرور والأمراضِ والأوبئة، حيثُ صحَّ عن أنس ــ رضي الله عنه ــ أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: (( اللهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْبَرَصِ، وَالْجُنُونِ، وَالْجُذَامِ، وَسَيِّءِ الأَسْقَامِ ))، والمحافظةِ على أذكار الصَّباحِ والمساء، حيث صحَّ عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: (( مَا مِنْ عَبْدٍ يَقُولُ فِي صَبَاحِ كُلِّ يَوْمٍ وَمَسَاءِ كُلِّ لَيْلَةٍ: «بِسْمِ الله الَّذِي لَا يَضُرُّ مَعَ اسْمِهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَهُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَيَضُرَّهُ شَيْءٌ» ))، وصحَّ أنَّه: (( جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ مَا لَقِيتُ مِنْ عَقْرَبٍ لَدَغَتْنِي الْبَارِحَةَ، قَالَ: أَمَا لَوْ قُلْتَ، حِينَ أَمْسَيْتَ: «أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ لَمْ تَضُرَّكَ» ))، وصحَّ أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قال لِرجلٍ مِن أصحابه: (( قُلْ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله مَا أَقُولُ؟ قَالَ: «قُلْ قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ، وَالْمُعَوِّذَتَيْنِ، حِينَ تُمْسِي وَحِينَ تُصْبِحُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ تَكْفِيكَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ» )).

اللهم اجعلنا مِن الصابرينَ على أقدارِكَ وبلائِك، وادفع عنَّا وعن المسلمينَ كلَّ شَرٍّ ومكروه، وأعذنا وإيَّاهُم مِن الفتن ما ظهرَ مِنها وما بطَن، وأعِن الحُكَّامَ ونُوَّابَهم وعُمَّالَهم وجُندَهم على حفظ البلاد والعباد مِن الأوبئة والأمراض والأعداء والمُفسِدين، وأعظِم الأجْرَ للأطباءِ والمُمرِّضينَ ومَن يقوم على إدارتِهم، واكلأهُم بحفظِكَ والعافية، واغفر لَنا، ولأهلينا، وجميعِ المؤمنين، وتَجاوَز عن موتانا وموتاهُم، إنَّك سميعُ الدعاء، وأقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.

وكتبه: عبد القادر الجنيد