في قول النبي -صلى الله عليه وسلم- لخالد بن الوليد: “لا تسبوا أصحابي…”، هل خالد -رضي الله عنه- داخل فيمن إذا أنفق مثل أحد ذهبًا… الحديث ؟


يقول السائل: في قول النبي -صلى الله عليه وسلم- لخالد بن الوليد: «لا تسبوا أصحابي». الحديث.

هل خالد بن الوليد -رضي الله عنه- داخل في «فيمن إذا أنفق مثل أحدٍ ذهبًا، ما بلغ أحدنا مده أو نصيفه ممَّن هُم أقدم منه صحبة للنبي -صلى الله عليه وسلم-؟

جواب عن هذا السؤال يُعرَف بمقدمة، ذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية كما في “مجموع الفتاوى”، وفي كتاب “منهاج السنة”، وذكرها العلائي الشافعي في كتابه “منيف الرتبة”، وهو أن للصحبة إطلاقات ثلاثة.

الإطلاق الأول: الشرعي: وهو كُلُّ مَن لقي النبي -صلى الله عليه وسلم- مؤمنًا به، ولو قليلًا، ويدل لذلك ما أخرج مسلم من حديث أبي هريرة أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «وددت لو أني لقيت أخواني»، قالوا: أو لسنا إخوانك يا رسول الله؟ قال: «أنتم أصحابي، إخواني أناس يأتون بعدي».

فجعل الناس قِسمَين، فجعل المؤمنين به قِسمَين: قِسمٌ لقيه، وهؤلاء هم الصحابة، وقِسمٌ لم يَلقَه، وهؤلاء من بعد الصحابة، أي: التابعون.

لذا حكى الإمام أحمد في “اعتقاد الكتاب وأصول السنة” أن الصحابي: من لقي النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- مؤمنًا به ولو قليلًا. والأصل فيما يحكونه في كتب الاعتقاد: أنه مجمع عليه، وأن هذا هو اعتقاد السنة المجمع عليه.

ومثله حكى علي بن المديني رحمه الله تعالى في العقيدة التي رواها اللاكائي.

إذًا كُلُّ مَن لقي النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- مؤمنًا به فهو صحابي، ولو لقيه مرة واحدة، هذا الاستعمال الشرعي.

أمّا الاستعمال اللغوي: فهو مطلق المصاحَبة، وهو الإطلاق الثاني، كما قال سبحانه: {وَمَا صَاحِبُكُم بِمَجْنُونٍ} [التكوير: 22].

كُلُّ مَن صاحب غيرَه ولو كان كافرًا، فهو صاحب له بالمعنى اللغوي.

أما الإطلاق الثالث العرفي، والمراد به: كثرة المصحابة، فخالد بن الوليد ليس صحابي بالنسبة إلى عبد الرحمن بن عوف؛ لأن عبد الرحمن بن عوف من السابقين، وهو أكثر صحبةً كما أن أبا هريرة ليس صاحبيا بالإطلاق العرفي بالنسبة لأبي بكر؛ لأن أبا هريرة أسلم متأخِّرًا، لكن هذا الإطلاق العرفي.

فكُلُّ مَن أكثر الصحبةَ فهو صحابِيٌّ، فهو صحابِي بالإطلاق العُرفي عن غيره، ومَن قَلَّت صحبته يصحّ أن تُنفَى عنه الصحبة بالمعنى العرفي بالنسبة لمن أكثر الصحبة، ومن ذلك ما في الصحيح: لما اختلف الصحابة في حديث ابن عباس: «من السبعون ألفًا الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، فقال بعضهم: فلعلهم الذين صحبوا النبي صلى الله عليه وسلم»، أرادوا بذلك: أي: أكثَرُوا صحبته، أي: أرادوا الإطلاق العرفي.

فإذًا خالد بن الوليد رضي الله عنه صحابي بالمعنى الشرعي ولا شك، لكنه بالنسبة إلى عبد الرحمن بن عوف يصحِّ أن تُنَفى عنه الصحبة بالمعنى العرفي، كما في حديث أبي هريرة هذا الذي أخرجه مسلم؛ لأنه حصل بين خالد بن الوليد وعبد الرحمن بن عوف خلاف، فقال النبي صلى الله عليه وسلم مخاطِبًا خالد بن الوليد: « لا تسبُّوا أصحابي». أي: عبد الرحمن بن عوف الذي أكثر صحبتي.

لكن هل يثبت لخالد بن الوليد الصحبة بأن يكون، بأنه لا يجوز أن يسبَّ، وأنه لو أَنفَق أحدُنا مِثل أُحُدٍ ذهبًا ما بلغ مُدُّ أحدِهم ولا نصيفه.

يقال: نعم، كما بيَّن هذا ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه: “إعلام الموقعين”، فقال: إذا كان هذا حال خالد بن الوليد بالنسبة لعبد الرحمن بن عوف، فكيف من بعد خالد بن الوليد من التابعين بالنسبة إلى خالد بن الوليد؟!

ثم يؤكِّد ذلك عموم النص، وقد جاء من حديث أبي سعيد في الصحيحين بِدُون هذه المناسبة، وعمَّم النبي صلى الله عليه وسلم بلفظ الصحبة، قال: «أصحابي»، وهي نكرةٌ مضافةٌ تفيد العموم، فقال: « لا تسبُّوا أصحابي »، إلى آخر الحديث، «فلو أنفق أحدكم مثل أُحُدٍ ذهبًا ما بلغ مُدّ أحدهم ولا نصيفه»، فمقتضى هذا العموم: يدخل فيه خالد بن الوليد وغيره، وإنما النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- ذكره في ذلك الحديث لما اختلف مع عبد الرحمن بن عوف، ذكره لسببٍ ولمناسَبةٍ.

ومن المعلوم أصولِيًّا: أن ما خرج لسببٍ فلا مفهوم له، فلا يقال: خالد بن الوليد ليس صحابِيًّا بالمعنى الشرعي.

أسأل الله الذي لا إله إلا هو أن يعلِّمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علَّمَنا، وجزاكم الله خيرًا.