علو الهمة


علو الهمة

إِنَّ الحَمدَ للهِ، نَحمَدُهُ ونَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعوذُ باللهِ مِنْ شُرُورِ أَنفُسِنا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلا مُضِلَّ لَه، وَمَنْ يُضلِلْ فَلا هَادِيَ لَهُ.

وَأَشْهَدُ أَنْ لا إلهَ إِلا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وصَحْبِهِ وسَلَّمَ تسلِيماً كَثِيراً.

أمّا بعد: عباد الله،

اتقوا الله ، فتقوى الله أعلى ما تنافس فيه المتنافسون .

عباد الله : تحتاج الأمم جميعها إلى أصحاب الهمم والطموح، فهم صناع الحياة وقيادات المستقبل في أي أمة من الأمم في القديم والحديث .. وحتى في موازين الله تعالى في الدنيا والآخرة، فضَّل الله أصحاب الهمم العالية والطموح والمثابرة على غيرهم .. وإن كانوا مسلمين من أصحاب الحسنى … قال تعالى)لاَ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلاَّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا(

إذا غامرت في شرف مروم — فلا تـقـنع بما دون النجوم
فطعم الموت في أمر حقير — كطعم الموت في أمر عظيم
يرى الجبناء أن العجز أمن –وتلك خـديعة الطـبع اللئيم

في الحديث الذي رواه الطبراني وصححه الألباني 🙁 إِنَّ اللهَ تَعَالَى: يُحِبُّ مَعَالِيَ الأُمُوِر وَأَشرَافَهَا، وَيَكَرهُ سَفْسَافَهَا) وَمَعالِي الأُمُورِ هي الأَعْمالُ التي تَدُلُّ على شَرَفِ الإنسانِ وحِرْصِهِ عَلَى مَرْضاةِ الله, والاقتِداءِ بِرَسولِ الله -صلى الله عليه وسلم-, واسْتِغلالِ الوَقتِ فيما يُفِيد, والتَّحَلِّي بِمَكارِمِ الأخلاق.

وأمَّا سَفاسِفُ الأُمور: فهي الأُمُورُ الرَّديئَةُ أو التافِهَةُ أوِ

الناقِصَة, التي قَدْ يَخْسَرُ المَرْءُ بِسَبَبِها مُرُوءَتَه, ويَنْزِلُ

بِسَبَبِها قَدْرُهُ وَمَكانَتُه.

وليس من ذلك اهتمام الإنسان بأمور حياته الأساسية كالملبس والمأكل والمظهر الخارجي في حدود الشرع ، دون افراط او تفريط .

والناسُ يَتَفاوَتُونَ في الانشغال بِمَعالِي الأُمُورِ وسَفاسِفِها بِقَدْرِ تَفاوُتِ هِمَمِهِمْ ومَقاصِدِهِم، فينبغي للمؤمِن أَنْ يكونَ ذا هِمَّةٍ عالية يَرْتَقي بِسَبَبِها -بَعْدَ توفيقِ اللهِ- إلى أَعلَى المَنازِل في أُمُورِ دِينِهِ ودُنياه.

وكَذلِكَ يُعْرَفُ أَهْلُ الهِمَمِ العالِيةِ وأَهْلُ النُفُوسِ الشَّريفَة مِنْ خِلالِ اهْتِماماتِهم وعَدَمِ رِضاهُم بِالدُّون؛ فَهَذا رَبيعةُ بنُ كَعْبٍ الأسْلَمِيّ -رضي الله عنه-, يقول له النبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: “سَلْنِي يا رَبِيعَةَ أُعْطِك، فقال: “أسْأَلُكَ مُرافَقَتَكَ في الجنة“. فَلَمْ يَسْأل مِنْ متاعِ الدنيا الفانيةِ وحُطامِها شيئاً؛ لِعِظَمِ هِمَّتِهِ، وَشَرَفِ نَفْسِهِ، وعَدَمِ رِضاها إلا بِالمَعالي.

وصاحِبُ الهِمَّةِ العالِيَة هو الذي يَتَمَنى وَيَبْذُلُ الأسباب مِن أجْلِ الوُصولِ إلى ما يُريد, ولا يَكْتَفِي بِمُجَرَّدِ الأَمانِي وهو جَالِسٌ في بَيْتِهِ أو مَعَ أصْحابِه؛

وما نـيـل المطالب بالتمني — ولكن تؤخذ الدنيا غلاباً
وما استعصى على قوم منالٌ — إذ الإقدام كان لهم ركاباً

فَإِنَّ الأمانيَّ المُجَرَّدَة, التي لا يَحْصُلُ مَعَها بَذْلُ الأسْباب, لا تُجْدِي صاحِبَها شَيْئا, وَهِيَ “رأسُ مالِ المَفاليس؛ فَإِنَّ مَنْ أَرادَ الجَنَّةَ لا بُدَّ وأنْ يَسْعَى لها, كما قال –تعالى:(وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا(

وَلَمَّا ادَّعَتْ اليهودُ والنصارَى أَنَّهُم أَهْلُ الجَنَّة, وأَنَّها لَهُمْ خاصَّة، أَخْبَرَ اللهُ -تعالى- أَنَّ ذلكَ مُجَرَّدُ أمانيّ فَقْطْ؛ لأنَّهُم لو كانوا صادِقِينَ في طَلَبِهِمُ الجنَّةَ لَدَخَلُوا في الإسلام, كما قالَ –تعالى:(وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ(

وهكذا الشَّأْنُ في الأُمُورِ كُلِّها, فَمَنْ أَرَادَ صَلاحَ أُمُورِ دِينِهِ ودُنْياه, فلا بُدَّ أَنْ يَبْذُلَ الأَسْبابَ في ذلك.

وطريق العلو بهممنا وهمم شبابنا وأبنائنا وتنمية طموحهم؟ فذلك يكون بأمور منها:

1-الاستعانة بالله .. ودوام الدعاء .

2-ثم باختيار الصحبة الصالحة المشجعة والمعينة

3-ثم بمجاهدة النفس ومحاسبتها

4-و تعـوِّيد النفس الابتعاد عن سفاسف الأمور فأصحاب الطموحات الراقية والهمم العالية لا ينغمسون في الأمور التافهة فتشغلهم عن معاليها ، فليس من دأبهم الترداد على البراري والمتنزهات فضلا أن تكون شيئا يفاخر به ،

قال ابن الجوزي: طاف الإمام أحمد بن حنبل الدنيا مرتين، حتى جمع المسند وفيه ثلاثون ألف حديث، وقال أيضاً: ولو أني قلت: طالعت عشرين ألف مجلد كان أكثر، وأنا بعد في الطلب، فاستفدت بالنظر فيها من ملاحظة سير القوم، وقدر هممهم وحفظهم وعباداتهم، وغرائب علومهم ما لا يعرفه من لم يطالع، فصرت أستزري ما الناس فيه، وأحتقر همم الطلاب ولله الحمد .ا هـ.

وقال ابن الجوزي – في ترجمة الطبراني – : هو العلامة سليمان بن أحمد مُسنِد الدنيا، زادت مؤلفاته على خمسة وسبعين مؤلفاً، سئل عن كثرة أحاديثه؟! فقال: كنت أنام على الحصير ثلاثين سنة.

ومما يعين على علو الهمة مدارسة سير أصحاب الهمم .

وَتُعْرَفُ هِمَّةُ المُؤمِنِ مِنْ أَفْعالِهِ وأقوالِهِ، وذلكَ مِنْ خِلالِ

مُحافَظَتِهِ على الصلاةِ معَ الجماعَة, وتِلاوَتِهِ للقرآن, وَحُسْنِ خُلُقِه, ومُجالسَتِهِ للصالحين, وإِكْرامِهِ للضيف, وحِفْظِ اللِّسان إلا عن الخير, فِإنَّ الرِّجالَ وأَهْلَ المُرُوءَةِ يُعْرَفونَ مِنْ مَنْطِقِهِم, وسَماعِهِم لِما هو مُفيد.

باركَ اللهُ لِي وَلَكُم فِي القُرآنِ الْعَظِيم، أَقُولُ مَا تَسْمَعُون وَأسْتَغْفُرُ اللهَ لِي وَلَكُم.

الخطبة الثانية:

الحمدُ للهِ ربِّ العَالَمِين, وَالعَاقِبةُ للمُتّقِين, وَلا عُدوانَ إِلا عَلَى الظَّالِمين, وَأَشهدُ أنْ لا إِلهَ إِلا اللهُ وَحدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ, وَأَشهدُ أَنَّ مُحَمّداً عَبدُهُ وَرَسُولُهُ, صَلَى اللهُ عَليْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلّمَ تَسلِيماً كَثِيراً.

أما بعد:

عباد الله، من الخلل الكبير ظن بعض مدعي الدعوة أن من الهمة طلب رئاسة أو منصب والتذرع بأن ذلك اسرع في حصول النتيجة في المدعوين ، فإن القدوة الأعلى بأبي وأمي صلى الله عليه وسلم لَمّا عَرَضَ عَلَيْهِ قَوْمُهُ المُلْكَ, لَمْ يَلْتَفِتْ لِذلك, وقال لهم:(ما أنا بِأقْدَرَ عَلَى أنْ أَدَعَ لَكُمْ ذلك)

مَعَ العِلْم أَنَّهُ يَسْتَطِيعُ أنْ يَسْتَغِلَّها فُرْصَةً- كما يظن البعض -, فَيُوافِقُ عَلَى أنْ يَكونَ مَلِكاً عَليهِم, فَإِذا اسْتَتَبَّ له الأمرُ, أَلْزَمَهُم بِعِبادَةِ الله, لَكِنَّه لَمْ يَرْكَنْ لِذلك؛ لأنَّ دَعْوَتَهُ إنما هِيَ مِنْ أجْلِ أمْرِ الناس بإفرادِ الله بالعبادة،

وأمَّا المُلْكُ والرِّئاسةُ, فَلَمْ تَكُنْ مَطْلَباً لَهُ, ولِذلِكَ لَمْ يَسْعَ إِلَيها, وَلَمْ يَفْرَحْ بِها حِينَ عُرِضَت علَيْه.

وفي هذا مَوْعِظَةٌ لِمَنْ يَتَسابقونَ إِلى الكَراسي والمُلكِ مِمَّن يَنْتَسِبُون إلى الدَّعوة, فَيُقالُ لَهُمْ: اجعلوا هَمَّكُمْ هوَ الدَّعوةَ إلى الله. وأما الملكُ فإنَّ الأرضَ للهِ يُورِثُها مَنْ يشاءُ مِن عِبادِه, والعاقِبَةُ للمتقين.

والاحتجاج بطلب يوسف – صلى الله عليه وسلم – حين قال: {اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ} فإنه – صلى الله عليه وسلم – ما دخلها إلا وله شهادة من الله مكتوب عليها {إنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ}وفرق بين حفيظ وحافظ .

ثم إنّه – صلى الله عليه وسلم – لم يَسألها ولكن عَرَضها عليه الملِك نفسه، ولم يَقبلها إلا بعد أن ضمن له الأمن والتّمكين، فلا مضايقات ولا استفزاز، ولا تنزّلات ولا استدراج، ولا مساومات ولا احتجاج، ولذلك تأمل ترتيبه في قوله تعالى: {وقالَ المَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إنَّكَ اليَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ. قالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ} فلم ينفّذ قانون الملك الكافر باسم مصلحة الدعوة أو التدرج قال الله تعالى: {ما كانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ في دِينِ المَلِكِ إِلاَّ أَن يَشَاءَ اللهُ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَن نَشاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ}

ثم إنه في شرعنا النهي عن طلب الرئاسة كما في حديث عبد الرحمن بن سمرة قال: قال لي رسول الله – صلى الله عليه وسلم – : ( يا عبد الرحمن! لاتسأل الإمارة؛ فإنّك إن أُعطِيتَها عن مسألة وُكِلْتَ إليها وإن أُعطيتها من غير مسألة أُعِنتَ عليها ) متفق عليه.

اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عنّا سيئها لا يصرف عنا سيئها إلا أنت يا ذا الجلال والإكرام .

اللهم أصلح أحوال المسلمين حكاما ومحكومين، اللهم أصلح أحوال المسلمين حكاما ومحكومين، اللهم أصلح أحوال المسلمين حكاما ومحكومين .

اللهم ارفع البلاء عن المستضعفين من المؤمنين، اللهم ارفع البلاء عن إخواننا في سوريّا، اللهم ارفع البلاء عنهم، اللهم ارفع البلاء عنهم، اللهم ارفع الظلم والطغيان عنهم، اللهم اكشف كربتهم، اللهم اجعل لهم من كل هم فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً برحمتك يا أرحم الراحمين.

اللهم أنزل عذابك الشديد وبأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين على من تسلّط عليهم وظلمهم يا قوي يا عزيز، اللهم عليك بهم فإنهم لا يعجزونك، اللهم زلزلِ الأرض من تحت أقدامهم، اللهم سلط عليهم مَنْ يسومهم سُوء العذاب يا قوي يا متين.

اللهم احفظ لبلادنا دينها وعقيدتها وأمنها وعزتها وسيادتها واستقرارها يا ذا الجلال والإكرام، اللهم احفظها ممن يكيد لها.

اللهم وفق حكامنا وأعوانهم لما فيه صلاح أمر الإسلام والمسلمين، وبصّرهم بأعدائهم يا حي يا قيوم.

اللهم مغيث المستغيثين وجابر كسر المكسورين نسألك رحمة من عندك ، اللهم غيثا مغيثا هنيئا مريئا ، اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين .

اللهم صلِّ وسلم على نبينا محمد .

أحمد آل عبد الله