سؤال طويل عن: انتشار ما يسمى بدورات التدبر في حلق الذكر ودور تحفيظ القرآن


وهذا سؤال طويل، يقول السائل: فقد انتشرت في الآونة الأخيرة في كثير من الدُّور وحِلقِ الذِّكْر دورات تسمى دورات تدبر القرآن، وهي عبارة عن دورات تعلّم الطالب كيفية تدبر القرآن وتُدربهم على التدبر، ويعرِّفون التدبر اصطلاحًا عندهم بأنه الوقوف مع الآيات، والتأمل فيها، والتفاعل معها بالانتفاع والامتثال، موضِّحين أن التدبر ليس تفسيرًا؛ فإنهم يطبِّقون هذا من خلال مجالس التدارس، وللمدارسة طريقة معتمدة، وهي على النحو التالي:

أوَّلًا : معرفة مقصد السور، ثم تتبّع الآيات الدالة عليه، واستشعار ما يريده الله منا، ولابد من الخضوع، والخشوع، والبكاء.

ثانيًا: تقسيم السُّوَر إلى مقاطع ومحاور وموضوعاتٍ، يُعِين على التدبُّر والفهم على النحو التالي:

عمل خارطة ذهنية للسورة، قد تكون على شكل دورة الطبيعة عند علماء الطبيعة عندما يشرحون كيفية تكوين المطر، أو أحيانًا يرسمون الهيكل العظمي للإنسان، يُظهِرون بعض الأجزاء مثل الدورة الدموية أو مراكز الحفظ أو الفهم، وغيرها من الأشكال، ثم تبدأ مجالس التزكية، وهي تشبه مجالس المدارسة، لكن مع قياس الأثر الإيماني للآيات على قلوب الطالب انطلاقًا من الآية {قد أفلح من تزكى}.

ومع التذكير أنه مع كثرة ختمات القرآن والتدبر تُزكَّى النفس، وتكثر الأخلاق، وتوضع أمام الطالب الآية محلّ الدراسة وتفسيره بشكلٍ مختصرٍ، علمًا بأن الأغلب لا يدرسن أدوات التفسير أو علوم القرآن بشكلٍ كاملٍ، ثم يبدؤون بالمدارسة والاستنباط، ومنها:

كيف أعمل بها؟ وماذا استشعرت منها……….. إلى آخر سؤالها الطويل.

وهذا الذي يُسمَّى بالتدبر ومجالس التدبر، قد وردني أكثر من سؤال حول هذا الأمر، لكن رأيت هذا السؤال سؤالًا مطوَّلًا، قد شرح شيئًا قد يخفى على الكثير ممّن يسمع هذا الجواب؛ لذلك أحببت أن أقرأ شيئًا منه ليُفهَم المراد.

وقبل الجواب على هذا أحب أن أبيِّن ما يلي:

الأمر الأول: أن التدبر مطلب شرعي، وقد امتدحه الله في كتابه، وأَمَرَنا بالتدبر، وذمَّ من لا يتدبر كتابه، وقال سبحانه: { أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} [محمد: 24] إلى غير ذلك من آيات معلومة.

الأمر الثاني: أن الشيطان يدخل على ابن آدم بتغيُّر الأسماء، فسمَّى عبادة الصالحين تعظيم الأولياء، وسمَّى التوحيد انتقاصًا للأولياء حتى يحذر الناس، حتى يستطيع أن ينفِّر الناس من التوحيد، وأن يعلِّقهم بالشرك – عافاني الله وإياكم-.

الأمر الثالث: التدبر تقدَّم أنه حقٌّ ومطلب شرعيٌّ، لكن لا يصح أن يُدخَل في دين الله ما ليس منه باسم التدبر، فإنه وإن كان اسم التدبر محمودًا، وحقيقة التدبر مطلوبًا إلا أنه لا يصح أن يُدخَل في دين الله ما ليس منه باسم التدبر.

فإذا تبين هذا، فإن حقيقة ما يسمى التدبر فيما يلي أنه يرجع إلى شيئين:

الشيء الأول: تفسير القرآن.

والشيء الثاني: السعي لصلاح القلوب بالتفاعل مع الآيات القرآنية إلى غير ذلك.

أما ما يتعلق بالشيء الأول وهو تفسير القرآن، فإنه من المعلوم أن القول على الله بغير علم خطيرٌ، والكلام في كتاب الله بغير علم أمرٌ محرَّم شرعًا، وقد ذم الله القول عليه بغير علم، كما قال سبحانه: {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۚ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا}[الإسراء:36].

وقال سبحانه: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [الأعراف:33]، إلى غير ذلك من الأدلة من الكتاب والسنة.

والكثير ممن يريد أن يتدبر القرآن بهذه الطرق، كثير منها كما قالت السائلة في حقيقة حاله ليس من أهل العلم، فلذلك قد يجتمعن أو قد يصدِّرن من ليس ذا علمٍ في هذا الباب، وهذا خطأ، ونذير شرٍ، وباب خطير للشيطان – عافاني الله وإياكم- بأن تُفسَد أديان الناس باسم التدبر.

والمعروف في تعلُّم كتاب الله، إما أن يجتمع طلاب العلم على عالمٍ، فيتعلّمون كتابَ الله منه، أو أن يجتمع أهل علم ويتدارسون بينهم.

أما أن يجتمع مَن لا علم عنده بينهم، أو يجتمعوا على من هو مثلهم، فمثل هذا خطأ، وباب شرٍ، وقولٌ على الله بغير علم، وكم يُفسِد الشيطان دين الله بأمثال هذه الأمور.

أما الشيء الثاني: وهو السعي لصلاح القلوب بمثل هذه الطرق.

ينبغي أيها المسلمون أن نكون حَذِرين، وألا نسلك طريقًا نبتغي به ما عند الله، وألا نصلح قلوبنا وأدياننا إلا بالطُّرُق التي سار عليها محمد r.

فإن محمَّدًا r مات، وقد أكمل ربُّنا لنا الدين، ومات، ودينُ الله كاملٌ، قد بلَّغه، فمن أراد أن يصلح القلوب بخلاف طريقة محمد r فسيُفسِدها قطعًا، ولو زعم إصلاحًا، فإن الخير كل الخير في اتِّباع محمدr.

وقد بيَّن شيخ الإسلام –رحمه الله تعالى- في كتابه” اقتضاء الصراط المستقيم” قاعدة نفيسة في التفريق بين الوسائل المحدَثة وبين البِدع المحدَثة والمصالح المرسَلة، ومما ذكر –رحمه الله تعالى- أنه إذا وُجِد المقتضِي في عهد النبي r وصحابته، أي: السبب المحوِج لهذا الفعل، ولم يفعلوه، وليس هناك مانع يمنعهم من الفعل، ومع ذلك لم يفعلوه؛ فإن فِعل مثل هذا بدعة، مهما ظنَّ صاحبه فيه من الخير، فإنه لو كان خيرًا لسبقونا إليه.

وهذه الطُّرُق التي يزعمون من التدبر، أين النبي r؟! أين أبو بكر وعمر وعثمان وعلي؟! أين الصحابة الكرام؟! أين التابعون الأبرار؟! لو كان خيرًا لسبقونا إليه، أليس الواحد منا يُنكِر الاحتفال بمولد النبي r، وينكر الدعاء الجماعي، وينكر غير ذلك من البِدع، بحجة أن النبي r والصحابة لم يفعلوا ذلك.

أليس قد ثبت عند الدارمي وابن وضاح: «أن ابن مسعود-رضي الله عنه- أنكر على الأقوام الذين كانوا يجتمعون ويذكرون الله مائة، يقول أحدهم: سبِّحوا الله مائة، فيسبِّحون مائة، ويعدّون تسبيحهم بالحصى، أنكر عليهم عبد الله بن مسعود» معتمدًا على أمر، على أن هذا الأمر لم يفعله النبي r، ولو كان خيرًا لسبقنا إليه.

قال عبد الله بن مسعود: «أأنتم سابقو إلى خيرٍ لم يسبق به النبي r، أم أنكم مفتتحو باب ضلالة، والله إنكم مفتتحو باب ضلالة»، وصدق –رضي الله عنه وأرضاه-.

فمثل هذه الأمور لو كانت خيرًا لكانوا أسبق إليها.

وكم دخل الشيطان على أقوامٍ بمثل هذا، فهذا الذي يُزعَم أنه تدبر، قد اختلط فيه حقٌ وباطل، والذي يروج على الناس كثيرًا هو إذا اختلط في الأمر حقٌ وباطل.

كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية، فقد ذكر في كتابه” درء تعارض العقل والنقل” وفي كتابه “الاستقامة”، وفي غيرها من كتبه، وذكر هذا أيضًا الإمام المجدد في “مسائل كتاب التوحيد”، أن الذي يروج على الناس هو الأمر الذي امتزج فيه حق وباطل، وجمع بين حق وباطل؛ لأنه لو كان باطلًا من كُلِّ وجه لما رَاجَ على الناس.

وإنما يروج على الناس ما اجتمع فيه حقٌ وباطل، وهذا هو حال البِدع كُلّها؛ فإن ظاهرها تديُّنٌ واستقامةٌ، وإقبالٌ على الله، ولكنها لما كانت على خلاف طريق النبي r كانت ضلالًا، لذلك لما ظنّوها خيرًا بما فيها من محبة الله، أو زعم محبة الله، أو إرادة الخير، راجت هذه البدع عند الناس، ومن ذلك ما يسمَّى بهذا التدبر.

فإن فيه حقًّا، وفيه باطل كبقية البِدَع، لذلك راج أمرها على الناس، ويقول شيخ الإسلام –رحمه الله تعالى-: “والشر المحض لا يجتمع الناس عليه، ولا يكون له طائفة تتعصَّب عليه، وإنما تتعصّب الطوائف على ما اختلط فيه الحق بالباطل”، فمثل هذا أؤكِّد يرجع إلى أحد أمرين:

الأول :إما إلى القول على الله بغير علم، وإن قرءوا كتابًا أو كتابين أو ثلاثة في التفسير فإن مثل هذا لا يكفي، وإلا لصار كل أحدٍ عالمًا بقراءة كتاب أو كتابين أو ثلاثة.

ثم الأمر الثاني: يرجع إلى الشيء الثاني وهو زعم إصلاح القلوب والتخشع وغير ذلك في أمثال هذه الأمور.

زِد على ذلك أمرًا ثالثًا وشيئًا ثالثًا أن في هذه الأفعال رياءً وسُمعةً بمن قام الليل، بمن تفاعل مع القرآن، قد تفاعلت مع القرآن إلى غير ذلك مما يحصل.

والشيطان يأتي بالأمور رويدًا رويدًا، يأتي بالصغار حتى يقع الناس فيها، ثم بعد ذلك يقع ما هو أكبر – عافاني الله وإياكم-.

فالمقصود: أن مثل هذا الفعل لا يجوز، وإنْ دعا إليه مَن دعا إليه، وإن سُمِّي بالأسماء الحسنة كالتدبر – عافاني الله وإياكم-.

وبعد هذا أريد أن أنبِّه على أمور:

الأمر الأول: إن من القواعد العظيمة عند أهل السنة: أن صلاح النية لا يدل على صلاح الطريقة، قد يكون الرجل حَسَن النية، لكن لا يدل هذا على صلاح طريقته، ويوضح ذلك أن عبد الله بن مسعود-رضي الله عنه وأرضاه- قال لأولئك الذين كانوا يجتمعون حين قال: أنهم يسبِّحون الله مائة إلى آخره، قالوا له: «والله يا أبا عبد الرحمن ما أردنا إلا الخير، فقال عبد الله بن مسعود-رضي الله عنه وأرضاه- : وكم من مريدٍ للخير لن يصيبه»، يعني: أن النية الحسنة لا تكفي، بل لابُدَّ من اجتماع نيَّة حسنة مع عملٍ صالح.

ومن المتأكد عندنا أن لكل عبادة شرطين:

الشرط الأول: الإخلاص.

والشرط الثاني: المتابعة.

ومجرَّد الإخلاص لا يكفي، لابُدَّ من الشرط الثاني، وهو المتابعة للنبي r وصحابته الكرام.

التنبيه الثاني: اعلموا أن الشيطان يبدأ بالبِدع صغارًا، ثم تكون كبارًا، قال البربهاري –رحمه الله تعالى- في كتابه” السنة”: “احذروا صِغار البِدع؛ فإن البدع تبدأ صِغارًا ثم تكون كبارًا.

وقال شيخ الإسلام-رحمه الله تعالى-: “البدعة تبدأ شبرًا، ثم تكون ذراعًا، ثم تكون باعًا.

إذًا ينبغي أن نتَّقي الله في أمثال هذه الأمور، وأن نرجع إلى الله سبحانه، وأن نتأكَّد أن صلاح القلوب يكون باتباع النبي r وطريقة أصحابه-رضي الله عنهم وأرضاهم-.

واعلموا أن الشيطان قد يفتح باب التعبّد لمن يقع في أمثال هذه البِدَع، وقد يرقّق قلبه، وقد يلقي عليه البكاء حتى يفتن الناس.

نقل الطرطوشي عن الأوزاعي، ونقل هذا أيضًا الشاطبي: “قال الأوزاعي-رحمه الله تعالى- إن الرجل إذا ابتدع بدعة، وأحدث حدثًا في الإسلام ألقى الشيطان عليه البكاء، والخشوع، قال: ليصطاد به الناس”.

إذًا، فلنتّقي الله؛ فإن الأمر خطيرٌ، وقد يكون هذا الباب باب فتحٍ للتصوّف، يبدأ باسم التدبر، ثم يقع الناس في التصوّف – عافاني الله وإياكم-، فيدخل في الابتداع، دخلوا من باب الخير ثم يقعوا في باب الشر، عافاني الله وإياكم، والشيطان إذا أراد أن يفتح بابًا من أبواب الخير فتحه، وإن أراد أن يفتح بابًا من أبواب الشر فتحه.

وأبواب كثيرة من أبواب الخير يدخله من هذا الباب، ويخرجه من هذا الباب حتى يوقعه في باب الشر.

وتعرفون ما ذكر البخاري عن عبد الله بن عباس في تفسير قوله تعالى: وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا [نوح:23]، قال: “هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح، قال الشيطان: أن ننصب في مجالسنا أنصابًا، ونسميهم بأسمائهم، ففعلوا.

في أول الأمر، قالوا: هؤلاء الصالحين نضع لهم أنصابًا، حتى إذا رأيناها، تذكرناهم، وتذكرنا عادتهم، فازددنا طاعةً وإقبالًا على الله، قال: ففعلوا، ولم يتعبدوهم، حتى إذا هلك أولئك، ونُسِيَ العلم، عُبِدت – عافاني الله وإياكم-.

وأحذِّركم أيها المسلمون، وأحذِّر أختي السائلة وأخواتي المسلمات أن يقعوا في مثل هذا، وليتقوا الله؛ فإن الأمر شديد، وإن الحياة واحدة، ليست محل تجارب، وإن الأيام أنفاسٌ، وإن علينا مَلَكَين يكتبان كُلَّ ما نفعل، فلنتقي الله، وإيانا والكِبر والتعصب، والإصرار على الباطل ولو باسم الخير والدين، كما تقدم.

أسأل الله أن يعصمني وإياكم والمسلمين أجمعين من هذه الفتنة ومن غيرها من الفِتَن، وأن يكفينا شر البدع كبيرها وصغيرها، وأن يحيينا على التوحيد والسُّنَة، ويميتنا على ذلك، وجزاكم الله خيرًا.