خديعة الشيطان في التزهيد بالتوحيد


بسم الله الرحمن الرحيم

الخطبة الأولى:

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 102]

أما بعد:

إن أهم ما أمرَ الله به وهو أحب عبادةٍ إلى الله، بل لا توجد عبادة تُدانيها فضلًا عن أن تساويها هو التوحيد الذي هو إفراد الله بالعبادة، وهو القيام بكلمة  “لا إله إلا الله”.

أخرج البخاري ومسلم عن عتبان بن مالك -رضي الله عنه- أن النبي ﷺ قال: «فإن الله حرَّم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله»، وأخرج الإمام مسلم عن عثمان بن عفان -رضي الله عنه- أن النبي ﷺ قال: «من مات وهو يعلم أنه لا إله إلا الله دخل الجنة»، وروى الإمام مسلم عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي ﷺ قال: «من لقيت من وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنًا بها قلبه، فبشره بالجنة».

إلى غير ذلك من الأحاديث الكثيرة الدالة على فضل التوحيد وعلى فضل ألا يُدعى إلا الله، ولا يُستغاث إلا به، ولا يُذبح إلا له.

وتدارس وتذاكر التوحيد يكون بأمور منها :

الأمر الأول: ليس كل من تلفَّظ بكلمة التوحيد فقد نجا؛ فإن المنافقين كانوا يقولون لا إله إلا الله ولم تنفعهم ، بل أخبر الله عنهم أنهم في الدرك الأسفل من النار، فإذن لا يكفي للنجاة التلفظ بكلمة التوحيد “لا إله إلا الله” بل لابد من شروطها ومن العمل بمقتضاها.

علق البخاري عن وهب بن منبه -رحمه الله تعالى- أنه قيل له: أليس “لا إله إلا الله” مفتاح الجنة؟ قال: “بلى، ولكن ليس مفتاح إلا له أسنان، فإن جئت بمفتاح له أسنان فتح لك، وإلا لم يفتح لك “.

الأمر الثاني: أن كفار قريش كأبي جهل وأبي لهب كانوا يُقرِّون بأن الله هو الخالق الرازق المحيي المميت، قال سبحانه: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ ومع ذلك لم ينفعهم، وهذا يدل على أن معنى “لا إله إلا الله” ليس راجعًا إلى أنه لا خالق و لا رازق إلا الله أو لا قادر على الاختراع إلا الله… فإنه لو كان هذا معناها لانتفع بها كفار قريش ولما قالوا: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾.

وإنما معناها: لا معبود بحق إلا الله. فلا ذبح ولا نذر ولا دعاء ولا استغاثة إلا لله الذي لا إله إلا هو.

الأمر الثالث: أن كفار قريش عبدوا الأصنام، فقد عبدوا اللات والعزى وغيرهما من دون الله سبحانه، وهم لا يعتقدون في نفسها أنها تنفع وتضر، وإنما عبدوها من باب الوسائط، قال الله عنهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾، وقال الله: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾.

وهذا الأمر الذي فعله كفار قريش وصاروا به مشركين قد شاع وانتشر في بلاد العالم الإسلامي، فما أكثر المسلمين الذين يقصدون الأضرحة وقبور الصالحين فيطلبون من الولي ويذبحون له حتى يشفع لهم عند الله، إن من فعل ذلك وقع في الشرك الأكبر الذي لا يغفره الله سبحانه وتعالى.

الأمر الرابع: أن كفار قريش إذا اشتدَّت بهم الحال وضاقت بهم السبل فزعوا إلى الله وأفردوه بالعبادة، كما قال سبحانه: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوْا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ أما اليوم فما أكثر جهلة المسلمين الذين إذا اشتدت بهم الأمور وانقطعت بهم السبل فزعوا إلى الأولياء والصالحين يدعونهم من دون الله عز وجل!

حتى إن طائرة تعطلت فقال قائدها لركابها: إن وضعنا حرج، ولا نستطيع أن ننزل بسلام. فضجّ الناس يدعون غير الله، كقول: يا السيد البدوي … وكقول: يا السيدة زينب … إلى غير ذلك.

والله إن هذا الفعل مما لا يفعله كفار قريش مع شدة كفرهم وشركهم، فيا لله، كيف غُزيَ المسلمون، حتى جهلوا التوحيد فإذا اشتدت بهم الحال ازدادوا شركًا بالله؟

اللهم يا من لا إله إلا أنت، يا رحمن يا رحيم، اللهم أحينا على التوحيد والسنة وأمتنا على ذلك، واجعلنا نلقاك راضيًا عنا.

أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية:

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فإن من أعظم خدع الشيطان أن يوسوس للموحدين بأنهم موحدون وليسوا في حاجة إلى تذكُّر التوحيد ولا إلى تدارسه ولا ينبغي أن تذهب الأوقات وأن يشغل العمر في التذكير بالتوحيد الذي هو مستقر في نفوس المسلمين، وقد أخذوه من آبائهم وأجدادهم …

إخوة الإيمان، إن هذا المكر الكبار من الشيطان مكرٌ خطير، يريد أن يتناسى عباد الله التوحيد، يا عباد الله، من نحن؟ وما نحن؟ عند الخليل إبراهيم -عليه السلام- الذي يدعو الله : ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ﴾ روى ابن جرير عن التابعي الجليل إبراهيم التيمي أنه قال: “ومن يأمن البلاء -أي الشرك- بعد إبراهيم عليه السلام؟”.

وقال الله لنبينا محمد ﷺ : ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ بل إن نبينا ﷺ جلس في مكة عشر سنوات لا يدعو إلا إلى التوحيد، فلم تُفرض عليه صلاة ولا صيام ولا زكاة ولا حج، ثم لما فُرضت عليه الصلاة في السنة العاشرة دعا الناس إلى الصلاة، واستمر داعية إلى التوحيد حتى في مرض موته ﷺ وهو يدعو خير القرون ويُذكرهم بالتوحيد.

أخرج البخاري ومسلم عن عائشة -رضي الله عنها- أن النبي ﷺ قال في مرض موته وهو يخاطب صحابته الكرام -رضي الله عنهم-: «لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد».

أيها المسلمون، احذروا هذا المكر الكبَّار والخديعة العظيمة من الشيطان،

واحمدوا الله على نعمة التوحيد، ومِن حمد الله على هذه النعمة أن نتذاكرها في أنفسنا ومع أزواجنا وأولادنا وزملائنا فنتذكر نعمة الله ونقرأ الكتب المفيدة في توحيد الله، ومن أنفع الكتب التي أُلّفت في توحيد الله وقد جمعت بين سهولة العبارة وغزارة العلم ووضوح المراد: كتاب التوحيد وكتاب ثلاثة الأصول وكتاب القواعد الأربع كلها لشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله تعالى-.

جرب مع نفسك أنك تقرأها وتراجعها، والله لترينَّ علمًا عظيمًا نحن في حاجة ماسة إليه مراجعة ومدارسة ومذاكرة.

اللهم أحينا على التوحيد والسنة وأمتنا عليهما

اللهم اهدنا الصراط المستقيم وجنبنا السبل المضلة

وقوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله


Tags: ,