حقيقة القطعيات التي يريدون منا أن نجتمع حولها


حقيقة القطعيات التي يريدون منا أن نجتمع حولها

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد:

ألف عدد من المعاصرين كتبا ومصنفات كثيرة في كيفية التعامل مع الاختلاف، وطريقة إدارته، وسبل الخروج منه، وأخرجوا لنا تلك المصنفات في أسماء لماعة، وحُلل براقة.

وجدوا اختلافا وتنازعا وبغيا واستطالة بين المختلفين، فأرادوا أن يجمعوا الأمة على أمر جامع، رأوا أنه السبيل الأقوم والمهيع الصحيح الذي يجب على المختلفين بشتى فرقهم، وتنوّع مذاهبهم أن يتداعوا إليه، ويجتمعوا حوله.

وكان السمط الحاوي والعقد الذي ينظم ما تناثر من دعاوى هؤلاء المعاصرين في طريقة التعامل مع الخلاف، هو دعوتهم للاجتماع حول القطعيّات والمشتركات، والاتّفاق على الجوازم والمحكمات التي يجب أن لا يكون اختلاف بشأنها.

وتبقى المسائل الظنية بحسب وجهتهم، دائرة مفسوحة للإعذار والتغافر، ونافذة مفتوحة للخلاف والتنازع الذي يكتنفه حفظ الودّ، ويحيط به صفاء القلوب وبقاء الألفة والتحاب، ولا يورث هذا النوع من الاختلاف شيئا من البغضاء والشحناء والقطيعة، ولا يجوز أن يكون سببا في التدابر والتهاجر، فلا مانع في هذا النوع من المسائل أن يردّ بعض المختلفين على بعض، ويبين بعضهم خطأ بعض، في دائرة المسائل الظنيّة التي يسوغ فيها الاجتهاد مع عدم إهدار المكانة، ولا خفض المنزلة.

وهذه دعوة للاجتماع والائتلاف قد تبدو في ظاهرها سليمة مما يكدّرها، بريئة مما ينغّص عليها، موافقة لما عليه جمهرة العلماء، لكننا تعودنا أن لا نغترّ بالبهرج والشعارات، وأن لا نلتفت لصاحب مقالة وإن كان عليم اللسان، حتى نعرف حقيقة دعواه، وصحّة منطقة، وماذا سوف يترتّب على قالته تلك من الآثار والنتائج والثمرات ؟!

نظرنا في نتاج أصحاب دعاوى الاجتماع على القطعيات والمشتركات، وتأملنا في كلامهم، فساءنا تناولهم بالتشويه والتنقّص لكثير من القضايا التي أجمع عليها علماء السنّة، وآلمنا أنّهم كانوا أول الناقضين لدعواهم، والقاطعين للطريق الذي دعوا الآخرين للسّير فيه.

وبعد أن فحصنا كثيرا من القطعيات التي يعنونها، ويُكثرون الدندنة حولها، ويدعوننا إلى التلاقي معهم في ظلها، استبان لنا أنّه من القطعيّ الذي لا خُلف فيه، أننا مختلفون معهم في تحديد معنى هذه القطعيات، ومتنازعون بشأن تحديد حقيقة المحكمات التي يقصدونها في مطاوي كلامهم.

فإنّ الأمر الذي لا مداورة فيه، أنّ كثيرا من المسائل التي يزعمونها مُحكمة، نحن نعدُّها من المشتبهات التي يجب تسليط الضوء على التباسها وغموضها، بتبيين مبهمها، وتفصيل مجملها، وردّها إلى جادة الحق.

فلم يعد الخلاف مع هؤلاء القوم في الفروع والظنيات، بل تعدى الأمر إلى مسائل عظيمة، وأصول جليلة، ما كنا نظن أن يتجرأ طالب علم أن يطرق بابها فضلا عن أن يخالف طريقة القوم، ومنهجهم السويّ فيها.

أصبحنا نختلف معهم في حقيقة معنى لا إله إلا الله، فكتبوا في تعمية مدلولها ومخالفة مقتضاها ..! ثم طلبوا منا أن نجتمع معهم حول ما يسمّونه المسلمات، أيّ مسلّمات سلِمت وأيّ قطعيات بقيت، بعد أن اختلفنا حول مدلول كلمة التوحيد !

ولقد هوّنوا من الاعتصام بالسُنة، ودعوا إلى التساهل مع المبتدعة مهما غلظت بدعتهم وعظُمت مخالفتهم، وزعموا أنه لا فرق بين التعامل مع المبتدع والسني، فطالما أن المبتدع لم يأت ببدعة مكفّرة فهو مسلمٌ، والأصل فيه أن يعامل كأيّ مسلم لا فرق، وأعرضوا عن ما تواتر عن علماء السنّة وأئمة الدين من منافرة المبتدعة وهجرهم.

ثم ثلّثوا بقضية الولاء والبراء التي لا يوجد في القرآن بعد توحيد الله وبيان حججه، مسألة أعظم منها، فقد كثٌرت أدلتها، وتنوّعت براهينها في كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، بل إنّ من العلماء من عد الولاء والبراء من حقيقة معنى لا إله إلا الله لا من لوازمها ومقتضياتها.

فأعمل دعاة الاجتماع على القطعيات معاول الإفساد ومطارق التخريب في معنى هذه العروة الوثقى من عرى الإيمان، بتفريغ الولاء والبراء من مضمونه، وجعله لفظا ومبنى لا حقيقة ولا معنى له، فصار ولاءً مرتبطا بالإنسانية فحسب، ليس للدين فيه مدخل.

فأصبحنا لا ندري ما هي مصاديق المعاقد التي يريدون منا أن نجتمع حولها، ولا القطعيات التي لا يجب أن يكون خُلف حولها، فقد أقدموا على العبث بقضايا مهمّة، ومسائل عظيمة في التوحيد والسنّة، هي محلّ إجماع بين أهل السنة والأثر، كان يجب عليهم أن لا يقتربوا من أسوارها، ولا يرعوا حول حماها.

كتبه محمد بن علي الجوني