(جريمة) أكل المال الحرام ، نماذج وصور من الواقع (4/4)


(جريمة) أكل المال الحرام ، نماذج وصور من الواقع (4/4)

د. عارف عوض الركابي

من الجرائم التي يمارسها البعض ويتكسبون بها أموالاً محرمة : (الكهانة والعرافة والدجل والشعوذة والسحر) .. فهذه الأمور تجد سوقاً رائجة ليس في مجتمعنا فحسب وإنما في مجتمعات كثيرة بل أصبحت تمارس في بعض القنوات الفضائية وكثير من مواقع (الانترنت) ، يدفع فيها كثيرون وكثيرات أموالاً يعطونها لمن يدعون معرفة المغيبات ، ويتكهنون لهم بأخبار مستقبلية ، أو يعدونهم بأفعال معينة ، وللأسف فإن الدجالين والمشعوذين والكهان والسحرة لهم وجود في المجتمع وبكثرة ، يمارسون دجلهم وكذبهم على مرأى ومسمع من المجتمع بمختلف أطيافه.

عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ رَضِي الله عَنْهُ قَالَ : (نَهَى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ وَحُلْوَانِ الْكَاهِنِ وَمَهْرِ الْبَغِيِّ) رواه البخاري وغيره.

إن المال الذي يأخذه الكاهن ومن يدعي علم الغيب والعرّاف والودّاعية وغيرهم هو من المكاسب المحرمة بإجماع علماء المسلمين ، قال الحافظ ابن حجر العسقلاني الشافعي في شرح هذا الحديث في “فتح الباري شرح صحيح البخاري” : (الحكم الرابع حلوان الكاهن وهو حرام بالإجماع لما فيه من أخذ العوض على أمر باطل وفي معناه التنجيم والضرب بالحصى وغير ذلك مما يتعاناه العرّافون من استطلاع الغيب والحلوان مصدر حلوته حلوانا إذا أعطيته وأصله من الحلاوة شبه بالشيء الحلو من حيث أنه يأخذه سهلا بلا كلفة ولا مشقة..).

وقال ابن بطّال في شرحه للحديث في شرحه لصحيح البخاري : (قاله ابن النحاس . وأما نهيه عن حلوان الكاهن فالأمة مجمعة على تحريمه ؛ لأنهم يأخذون أجره مالا يصلح فيه أخذ عوض وهو الكذب الذي يخلطونه مع مايسترقه الجن فيفسدون تلك الكلمة من الصدق بمائة كذبة أو أكثر كما جاء فى بعض الروايات فلم يسغ أن يلتفت اليهم ، ولذلك قال عليه السلام : ( ليسوا بشىء ) وقد جاء فيمن أتى الكهان آثار شديدة..).

فالأمة مجمعة على أن المال الذي يأخذه الكهان والعرّافون ومن يدعون علم الغيب مال محرم ، وكسب خبيث ، ولنتدبر أن (حلوان الكاهن) ذكره المصطفى عليه الصلاة والسلام وقرنه مع (مهر البغي) وهو المال الذي يدفع للبغايا مقابل جريمة (الزنا) .. فهو كسب خبيث ، وفي الحلقة الثانية من هذه الحلقات ذكرت ما فعل صديق هذه الأمة الخليفة الراشد أبو بكر رضي الله عنه فقد روت عنه أم المؤمنين عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فقالت : (كَانَ لأَبِي بَكْرٍ غُلاَمٌ يُخْرِجُ لَهُ الْخَرَاجَ ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ يَأْكُلُ مِنْ خَرَاجِهِ فَجَاءَ يَوْمًا بِشَيْءٍ فَأَكَلَ مِنْهُ أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ لَهُ الْغُلاَمُ تَدْرِي مَا هَذَا فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ وَمَا هُوَ قَالَ : كُنْتُ تَكَهَّنْتُ لإِنْسَانٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَمَا أُحْسِنُ الْكِهَانَةَ إِلاَّ أَنِّي خَدَعْتُهُ فَلَقِيَنِي فَأَعْطَانِي بِذَلِكَ فَهَذَا الَّذِي أَكَلْتَ مِنْهُ فَأَدْخَلَ أَبُو بَكْرٍ يَدَهُ فَقَاءَ كُلَّ شَيْءٍ فِي بَطْنِهِ) رواه البخاري.وهو صنع عجيب يبين جانباً من جوانب الصدق في الصديق رضي الله عنه.

قال ابن حجر العسقلاني : (والذي يظهر أن أبا بكر إنما قاء لما ثبت عنده من النهي عن حلوان الكاهن وحلوان الكاهن ما يأخذه على كهانته والكاهن من يخبر بما سيكون عن غير دليل شرعي وكان ذلك قد كثر في الجاهلية خصوصا قبل ظهور النبي صلى الله عليه و سلم).

إن صور هذه الجريمة التي تمارس في مجتمعنا كثيرة جداً ، منها ضرب الرمل و(خت أو رمي الودع) و(التنجيم) وهو الاستدلال بالحوادث الكونية على الأحوال الأرضية ، فيقول من يوم كذا إلى يوم كذا أو ساعة كذا لا تفعلوا الأمر الفلاني أو افعلوه ، وقراءة الفنجان والكف والأبراج التي تتناقلها بعض الصحف .. ومما له تعلق بذلك وهو ما يفعله السحرة بأن يأتي الشخص – رجلاً كان أم امرأة – إلى هؤلاء ويطلب منهم أن يفعلوا له أمراً محدداً ، كالإتيان بزوج ، أو رد الضالة ، أو الانتصار في المباراة ، وهزيمة الخصم ، أو الصرف أو العطف ، والسحر دركٌ أشد سفلاً من درك الكهانة والعرافة ، فالكاهن يدعي المغيبات ويخبر بها ، والساحر يصنع السحر ، ينفث في العقد ويستعين بالجن فيمرض ويقتل ويفرق بين الأخ وأخيه والمرأة وزوجها بإذن الله الكوني القدري ، ولذلك كان حكم الساحر القتل مقابل إفساده وتدميره في المجتمع.

إن من المؤسف جداً أن يوجد في مجتمعنا الكهان والدجالون ، يضحكون على عقول الناس ويأخذون أموال البسطاء والسذج ، يسطون على أموالهم بمكر وخداع ، فيطلبون الطلبات ممن يأتونهم ، بدءاً بالدجاجة والخروف إلى الذهب والمجوهرات ونفائس الأموال !! يستغلون حاجتهم وجهلهم ويطلبون منهم أن يعطونهم أموالهم وهو ما يسمى بــ (البياض) ، والبياض (خشم بيوت) كما يقال !! ، فعلى حسب الزبائن وإمكانياتهم تكون (المَكْنَة) منهم ، فقد يكون البياض مائة جنيه وقد يكون خمسمائة !! وقد يكون قطعة أرض ، أو شقة ، أو سيارة ، وقد يكون عمارة !! والمؤسف حقاً أن يأتي إلى هؤلاء الدجالين أشخاصٌ لهم نصيب من العلم الدنيوي أو الشهادات الأكاديمية !! والوظائف الكبيرة !! وقد تأتيهم مؤسسات وشركات ومجالس إدارات !! وإدارات أندية !! وغيرهم .. يطلبون منهم معرفة المغيبات وإخبارهم بما سيكون !! وقد تكون حجة بعضهم : أن هذا الشيخ أخباره صحيحة ، وقد أخبر قبل هذا بالشيء الفلاني فوقع كما قال ، فهذا هو مبلغهم من العلم !! فتجدهم يصفونه بعبارات مثل (شيخ كارب أو فكي مكرّب) (فكي كلامو ما بجلي).. وغير ذلك.

ولهؤلاء المساكين المغشوشين المخدوعين أسوق هذا الحديث :عَنْ أم المؤمنين عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ الْكُهَّانَ كَانُوا يُحَدِّثُونَنَا بِالشَّىْءِ فَنَجِدُهُ حَقًّا قَالَ : (تِلْكَ الْكَلِمَةُ الْحَقُّ يَخْطَفُهَا الْجِنِّىُّ فَيَقْذِفُهَا فِى أُذُنِ وَلِيِّهِ وَيَزِيدُ فِيهَا مِائَةَ كَذْبَةٍ).رواه مسلم ، فهذا خبر الصادق المصدوق عليه الصلاة والسلام وفيه أن الجني يجتهد لأن يسترق السمع قبل أن يتبعه الشهاب الثاقب ، فيخطف الكلمة ثم يلقيها على قرينه الدجال العرّاف فيكذب معها مائة كذبة ، وكثير الكذب هو الذي يوصف بالدجّال.

ويزداد الأسف عندما نجد بعض وسائل الإعلام ترسخ هذه (الجريمة) في أذهان الناس وتسوقها وكأنها عمل صحيح أو فعل حسن فترسخ لدى الناشئة والكبار ، فينشر عبر أثير الإذاعة والتلفاز ويغني المغنون (أندب حظي يا رمالي … وشوف الخيرة يا رمالي )!! و (ست الودع أرمي الودع لي كشكشي … وكان فيه شيء قوليهو لي وما تختشي)!! وغير ذلك .. والواجب على وسائل الإعلام أن تؤدي رسالتها في الإصلاح ، وأن تحرص على الإسهام في إغلاق أبواب الشر وتقليله لا المساعدة في زيادته ، والشر والفساد في هذه الجريمة عقدي وأخلاقي ومالي .. كما لا يخفى على عامة الناس قبل علمائهم ..

ولم يستفد كثيرون ممن يدفعون أموالهم لهؤلاء الدجالين في نظرهم وتأملهم في أحوال الدجالين أنفسهم ، فكثيرون منهم بهم من الفاقة والفقر ما هو مشاهد غير خفي ، وقد تكون الأمراض والأسقام المزمنة تصحبهم الأزمنة الطويلة ، فهم أشد حاجة من تغيير أحوال أنفسهم قبل أحوال من يأتونهم !! و(فاقد الشيء لا يعطيه) !! ، ولكن قلة البصيرة يعمى بسببه الكثيرون (ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور) .. ومن القصص الواقعية التي تحكى أن رجلاً أخذ ابنته وسافر بها إلى واحدٍ ممن يدّعون المغيبات حيث إنها لم ترزق مولوداً ، فلقيه رجل كبير السن (عامي) في طريقه فسأله عن وجهته فأخبره بأمره وأمر ابنته ، فقال له إذا أردت أن تخرج من عند من تقصد فاسأله عن عدد أبنائه !! واكتفى هذا الرجل المسن في نصح هذا الرجل وابنته بهذا الأسلوب ، حيث كان الشخص المقصود (عقيماً) وقد توفي وقد تجاوز الثمانين من عمره ولم يرزقه الله تعالى مولوداً قال الله تعالى الملك الرزاق سبحانه : (لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ (49) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ (50) سورة الشورى.

ويزداد المصاب عندما يوجد في المجتمع من ينشر أن أشخاصاً من خلق الله تعالى يعلمون المغيبات ، فينشر المنثور والمنظوم ومما نقرأ في شعر الديوان المسمى رياض الجنة لعبد الرحيم البرعي قوله عن الأولياء :

منهم خفي الحال منهم مجاهر *** منهم عليم بالغيب باطن وظاهر

ونقرأ قوله :

وعلمه الكريم علم الحقيقة ***وعلم الغيب مع علم المعاهد

ونقرأ قوله :

ألا يا رجال الغيب أنتم حصوننا *** فما زال مسبولاً على الناس ستركم

أيلحقني ضيم وأنتم حمـــــــايتي *** وألهث عطشاناً وقد فاض بحــركم

فحاشا وحاشا أن تضيع عيـالكم *** وأنتم عيال الله والأمــــر أمـــــركم

إذا شئتم شــــــاء الإلــــه وإنكم *** تشــــاءون ما قد شــــــاء لله دركم

ونقرأ قوله : فلهم من المولى ثلاث خصائل*** نور وإقبال وأجر داما

ولهم به سمع وأبصار بها *** قد يبصرون اللوح والأقلاما

ونقرأ قوله :

غابوا ففاهوا بشيء في سرائرهم*** يدق عن فهم ذي علم بكراسي

قال الحسين على معبودكم قلمي *** وضعته يا له من عارف كاسي

وغير ذلك ، مما ينشر ويروج له ، وهو مما يساعد في انتشار هذه الجريمة التي يجب أن تجد الحسم المناسب من الجهات المختصة ، ولدى الجهات المختصة من الشكاوى والبلاغات في هذه الأمور ما يجعلها تدرك خطورتها والضرر الديني والدنيوي المترتب على هذا النوع من الإجرام ، فالضرر الديني واضح ومَن مِن الناس لم يسمع بالحديث الصحيح أن من أتى كاهناً فصدقه بما قال فقد كفر بما أنزل على محمد ..والرواية الأخرى والتي معناها أنه إن أتاه إلا أنه لم يصدقه فإن عقوبته أن لا تقبل له صلاة أربعين يوماً..

والضرر الديني أيضاً يتضح في رد ما دل عليه كتاب الله تعالى في منطوقه الصريح ، وفي هذا خطر عظيم فقد قال الله تعالى : (قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (65) سورة النمل ، وقد أمر الله تعالى نبيه أن يقول للناس إنه لا يعلم الغيب وحوادث كثيرة في السيرة النبوية تؤكد هذه الحقيقة ، وإبراهيم أبو الأنبياء عليه السلام لم يكن يعلم الغيب فلم يعلم أن ضيوفه كانوا ملائكة ، وأن ماء زمزم سيخرجه الله لهاجر وإسماعيل ، وسليمان عليه السلام لم يكن يعلم عن مملكة سبأ وملكتها بلقيس !! وزكريا عليه السلام لم يكن يعلم أن الله سيرزقه بالسيد الحصور النبي الصالح يحي ، ولا مريم لم تكن تعلم بأنها ستلد المسيح عيسى عليه السلام لغير أب ، وحتى الجن لم يعلموا بموت سليمان إلا بعد أن خرّ على الأرض !! فما بال هؤلاء الدجاجلة يدعون علم المغيبات وما يكون في الغد ويجاهرون بهذا الكذب ويعدون له الأماكن والصوالين والحانات ؟! وإن إدعاء هذا الأمر مشاركة لله تعالى في مقام الربوبية لأن علم الغيب من خواص الله تعالى ولا يعلمه إلا هو .. وأما الضرر الدنيوي فليس بحاجة إلى ذكر لأنه أوضح من أن يعرف به.

أرجو من الله أن توفق الجهات المختصة وغير المختصة في أطياف المجتمع للقيام بواجبها بالوسائل الشرعية المناسبة حتى تختفي هذه (الجريمة) ويقلع عنها (المجرمون) المتكسبون عن طريقها ..فغاية الأسف أن يأتي إليهم بعض طلاب الجامعات ليعدونهم بالنجاح ، وتأتيهم الفتيات ليعدونهن بالأزواج وقد يكتبون لهن طلاسم والمجال لا يتسع للحديث عنها ، وقد يستدلون بالقرآن في غير محله ، وكمثال لذلك يقول بعضهم لمن تريد الزواج ، ردّدي هذه الآية كذا مرة (وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالاً ..).أسأل الله لهم الهداية وأن يرزقهم توبة صادقة برة قبل الغرغرة..