تعمد المشقة في العبادة لا يجوز


تعمد المشقة في العبادة لا يجوز

سلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أما بعد :-

فقد انتشر مقطع لشخص جزائري الأصل أسباني الجنسية قدم إلى مكة على دراجة وقد لقي هذا المقطع استحسان بعض الناس مما أدى إلى انتشاره وتداوله حتى في بعض القنوات الفضائية، وتكرر هذا الفعل من بعض الناس لظنه أنه خير يثاب عليه.

ولا بد من تنبيه مهم وبيان لحكم هذا الفعل.

اقول وبالله التوفيق :

إن تعمد الكلفة والمشقة في العبادة من الأمور المبتدعة، ولم يأت ذكر الكلفة والمشقة في النصوص الشرعية إلا على سبيل النفي.

قال تعالى: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها}.

وقوله تعالى: {لا تكلف نفس إلا وسعها}.

وقد جاءت النصوص بنفي الحرج والمشقة، كقوله تعالى: {ما جعل عليكم في الدين من حرج}

و بوب البخاري في صحيحه (باب من نذر المشي إلى الكعبة)

وجاء في الباب:

عن أنس رضي الله عنه أن النبي ﷺ رأى شيخا يهادى بين ابنيه قال :”ما بال هذا !”

قالوا :”نذر أن يمشي “

قال :”إن الله عن تعذيب هذا نفسه لغني ” وأمره أن يركب.

متفق عليه.

فإن قيل

• ما توجيه الأحاديث التي جاءت بذكر الثواب وربطه بالنصب والمشقة ؟

كقوله صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله عنها: ” أجرك على قدر نصبك ” ( البخاري ومسلم )

وما في مسلم وغيره عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ” ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات: قالوا: بلى يا رسول الله. قال: إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد” ..الحديث.

• فيقال إن المشقة في هذه العبادات وغيرها لم تكن مقصودة من الشارع الحكيم و إنما جاءت تبعاً لا قصداً

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: ومما ينبغي أنْ يعرفَ أنَّ الله ليس رضاه أو محبته في مجرد عذاب النفس،

وحملها على المشاق، حتى يكون العمل كلما كان أشق كان أفضل، كما يحسب كثيرٌ من الجُهَّال أنَّ الأجر على قدر المشقة في كل شيء؛ لا، ولكنَّ الأجرَ على قدر منفعة العمل ومصلحته وفائدته، وعلى قدر طاعته أمر الله ورسوله؛

فأي العملين كان أحسن وصاحبه أطوع وأتبع كان أفضل؛ فإن الأعمال لا تتفاضل بالكثرة، وإنما تتفاضل بما يحصل في القلوب حال العمل“.

( مجموع الفتاوى (25281 ))

وقال رحمه الله: ولكنَّ خيرَ الأعمال ما كان لله أطوع، ولصاحبه أنفع“.

(مجموع الفتاوى (22313))

وقال الشاطبي: ليس للمكلف أنْ يقصد المشقة في التكليف نظرًا إلى عِظَم أجرها؛ فإن المقاصد معتبرة في التصرفات، فلا يصلح منها إلا ما وافق الشارع.

فإذا كان قصد المكلَّف إيقاع المشقة؛ فقد خالف قصد الشارع من حيث إن الشارع لا يَقصد بالتكليف نفسَ المشقة، وكل قصدٍ يخالف قَصْدَ الشارع باطل، فالقصدُ إلى المشقة باطل، فهو إذن من قبيل ما يُنْهَى عنه، وما يُنْهَى عنه لا ثواب فيه، بل فيه الإثم إنْ ارتفع النهي عنه إلى درجة التحريم، فطَلَبُ الأجر بقصد الدخول في المشقة قصدٌ مناقض“.

(انظر الموافقات (2222))

وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى في شرح نظم قواعده:”إذا تقرر ذلك وأن الشريعة لم تقصُد المشقة لذاتها ؛ فإنه لا ينبغي لنا أن نقصد المشقة ، لو كان الفعل يمكن أن يؤدّى بدون مشقة ؛ فإن قصْد المشقة ليس مشروعا ، مثال ذلك : من قال سأحج على قدمي من أجل أن أتعب في الحج فيعظُم أجري ، قيل له : قصْدُ المشقة ليس مشروعاً ؛ لأن الشارع لا يقصد المشقة ، فأنت مخالف في فِعلك لمقصود الشارع .

فإن قال قائل: جاء في الحديث أن النبي ﷺ قال :” أجرُك على قدر نَصَبك“.

قيل : هنا ليس المراد بالحديث النّصَب المقصود للمكلَّف ، وإنما المراد النصب الواقع في العبادة الذي لم يقصده المكلف” انتهى .

فعلى ما تقدم من الأدلة والنقول عن أهل العلم يتبين أن تعمد المشقة من البدع المحدثة فيجب التنبه لذلك والحذر منه.

أسأل الله أن يوفقنا لطاعته ومرضاته ولزوم سنة نبيه صلى الله عليه وسلم على فهم السلف الصالح.

كتبه

أبو محمد

عبدالله بن محمد القحطاني