تسهيل الدولة الحج بالنسبة للماضي


تسهيل الدولة الحج بالنسبة للماضي

الخطبة الأولى:

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، مَن يهدِه الله فلا مُضِلّ له، ومَن يُضلل فلا هادي له، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهدُ أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومَن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلَّم تسليمًا كثيرًا، أما بعد:

فاتقوا الله أيها المؤمنون واعلموا أن تقواه خير زاد ليوم المعاد، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ}.

عباد الله: فإن الله عز وجل منّ على عباده حيث شرع لهم الحج إلى بيته وفرضه عليهم في العمر مرة واحدة تخفيفا وتيسيراً ووعدهم على حجه إذا أتوا به على الوجه الذي يرضيه ثوابا عظيماً وأجراً كبيرا

قال تعالى (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غني عن العالمين)

وعن أبي هريرة قال خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال (يا أيها الناس قد فرض عليكم الحج فحجوا) رواه مسلم . ومن توفرت فيه شروط وجوب الحج _ بأن يكون مسلماً مكلفاً حراً مستطيعاً _ فلا يجوز له تأخيره من غير عذر فإن الإنسان لا يدري ما يعرض له في مستقبله من مرض أو فقر، أو موت أو عجز، أو غير ذلك من الموانع قال صلى الله عليه وسلم (تعجلوا إلى الحج_يعني الفريضة_ فإن أحدكم لا يدري ما يعرض له) رواه أحمد.

والحج يحتاج إلى قطع الفيافي والقفار، وهذه حكمة ربانية أرادها الله جلَّ وعلا ليختبر عباده، ويعلم الصادق منهم والكاذب..{وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ * لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ * ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ*ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ..}

ولقد كان الذاهب إلى الحج فيما مضى يتجهز للحج قبل عدة أعوام، فيبدأ في جمع المال واختيار الرفقة، وتجهيز المركب أو الراحلة والزاد، وكان يودع أهله وداع من يخشى عدم العودة، حيث بُعدُ المسافة، وقلةُ الزاد، وخطورةُ الطريق ومشقتُه، وما يتعرض له أثناء سفره من الأمراض الخطيرة وقطاعِ الطريق وقلةِ الصاحب. يلقون في رحلتهم تلك من المشقة والتعب، حتى أنه كان يقال لمن عزم على الحج في ذلك الزمن «الذاهب إلى الحج مفقود، والعائد منه مولود»، وهذا تعبير عما يلاقيه الحاج في أزمنة سبقت من الخوف وفقدان الأمن ، وخطورةُ الطريق ومشقتُه.

وكان الحجاج يذهبون قبل الحج بشهر أو شهرين حتى يتمكنوا من الوصول إلى مكة في وقت أداء الفريضة، وكانت وقتها وسائل المواصلات قليلة جداً والطرق وعرة غير معبدة، تنتابهم في رحلتهم الإيمانية مشاعر الخوف من غوائل الغدر والسطو والعدوان، وربما المتاهة والموت عطشاً في الصحراء، وهذا يوضح معاناة الأجداد الذين واجهوا تلك الأمور مع شظف العيش وقسوة الحياة، وكانت تلك الرحلة تمتد من الشام أو العراق أو مصر أو من هنا من نجد شهوراً عديدة، بل ربما سنوات لمن كانوا يأتون من البلاد البعيدة للوصول إلى بيت الله الحرام.

ثم بعد أن يدخلوا حدود جزيرة العرب لا يقابلهم الا إمارات وقرى لا تعرف السكينة والأمن والحرية إلا قليلا، حروب واقتت, فكانت إمارات نجد في تلك الفترة تجسيدا لقصة ملوك الطوائف في الأندلس .

حتى سرى ذلك الى طرق الحجاج من رعب وقطع طريق مما لم يكن محل اهتمام الدولة العثمانية الزاعمة الإشراف على الحرمين .

حتى قام الإمام محمد بن سعود -رحمه الله- بالدولة السعودية الأولى مناصرة لدعوة الإمام المجدد محمد بن عبدالوهاب، وأصبحت هذه الدولة الفتية بكيانها الكبير محط أنظار وإعجاب كثير من الرحالة والمستشرقين الأجانب الذين قدموا إلى منطقة الجزيرة العربية وخاصة منطقة نجد .

فلم يغفل الإمام محمد بن سعود ومن بعد أبناءه وأحفاده عن رعاية وخدمة الحرمين الشريفين، ومن هنا بدأت وشعرت الدولة العثمانية بخطر الدعوة القائمة وبالأئمة الجدد ، وبعد ثمانين عاماً من قيام تلكم الدولة السعودية الفتية الأولى قامت الدولة العثمانية بحملاتها الإعلامية ضد الدعوة حتى تكسب الشرعية في حربها ضد هذه الدعوة المباركة ومجددها الشيخ محمد بن عبدالوهاب -رحمه الله- و القضاء على الدولة السعودية الأولى .

فكان ذلك بسقوط الدرعية عام 1233 هـ فعادت نجد والجزيرة العربية كما كانت تعيش في فوضى عارمة، حيث فقد الأمن والاستقرار الذي كانت تعيشه وتنعم به تحت مظلة أئمة آل سعود حتى الحرمين الشريفين (مكة المكرمة والمدينة النبوية) لم تسلما من تلك الفوضى والخراب حتى أصبحت رعاية وخدمة الحرمين الشريفين تحت جهود شخصية من قبل أهالي مكة والمدينة النبوية

عباد الله: وبعد تلك المحن والابتلاءات التي كانت تمر على ضيوف بيت الله الحرام من خلال رحلة الحج، قيّض الله الملك عبدالعزيز رحمه الله رحمة واسعة فوحد كلمة هذه البلاد، ولم شعثها، وجمع فرقتها، واجتمع عليه الناس، وأعانه الله على تطبيق الشريعة الإسلامية في كل مناحي الحياة، وأرسى قواعد كيان المملكة العربية السعودية، ليسود الأمن والرخاء ربوع الوطن، ويقضي على الاضطرابات والحروب والفتن، ويسخر كل جهود الدولة لخدمة ضيوف الرحمن، بعد أن أفاض الله بالخير على هذه البلاد، من جراء الاكتشافات النفطية التي زادت من موارد الدولة ومداخيلها المالية وإمكاناتها.

اسأل الله أن يحفظ علينا أمننا وأيماننا وبلادتا من كل حاسد . بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بهدي سيد المرسلين أقول هذا القول وأستغفر الله لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية:

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على الرسول الكريم محمد بن عبد الله الذي علم أمته كل خيرٍ، وحذَّرهم من كل شرٍّ، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فاتقوا الله أيها المؤمنون، واعلموا أن بلاد الحرمين الشريفين ــ المملكة العربية السعودية ــ لم تدخر جهداً في تيسير ما فيه خدمة ضيوف بيت الله الحرام، وها هي تبذل كل ما في وسعها للارتقاء بخدمات الحجاج المختلفة، ومن أهمها الحفاظ على أمن الحجاج، وتهيئة الطرق وتقديم سائر الخدمات المادية والمعنوية.

عباد الله: علينا أن نستشعر تلك النعمة التي نعيشها ويعيشها أهلنا وأولادنا، فقد أصبح الحج سهلاً ميسراً، بعد أن كان شاقاً وصعباً، وهذا يتطلب شكر المنعم سبحانه، والدعاء لمن كانوا سبباً في ذلك.

وعلينا أن نستنهض الهمم في أداء تلك الشعيرة العظيمة التي أوجبها الله على المسلمين، وخاصة الذين لم يؤدوا فريضة الحج، وأن يكون حجهم وفق الأنظمة التي وضعتها الدولة من أخذ التصريح وغيره لئلا يقعوا في المحذور الشرعي.

ومن أراد أن يحج نافلة فعليه أن يلتزم بالأنظمة التي وضعتها الدولة وفقها الله مراعاة للمصلحة العامة . فإنه يترتب على كثرة الحجاج وزيادة أعدادهم من المشقة والعنت ما قد يصل معه الأمر إلى ذهاب بعض الأرواح.

فإن الدولة وفقها الله لم تأل جهدا ولم تدخر وسعا في تذليل كل العقبات وبذل الغالي والنفيس في سبيل راحة الحجاج وأمنهم وطمأنينتهم ومن تلك التدابير الإلزام باستخراج التصاريح مراعاة لما فيه الصالح العام . عباد الله : صلوا وسلموا على الحبيب المصطفى فقد أمركم الله بذلك فقال جل من قائل عليماً: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً}

اللهم احفظ الحجاج والمعتمرين ويسر لهم أداء مناسكهم آمنين ، اللهم عليكم بأهل الفتنة والفساد والزيغ والعناد ممن يحاربون دينك وبيتك وشعائر دينك

اللهم احفظ بلادنا من عبث العابثين وكيد الكائدين اللهم عليك بهم فإنهم لا يعجزونك .

اللهم انصر جنودنا الذين يقاتلون في سبيلك لإعلاء كلمتك وحفظ هذا البلد بلد التوحيد والسنة ، اللهم انصرهم نصراً مؤزراً يارب العالمين .

اللهم آمنا في دورنا وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا .

ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار .

سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله ورب العالمين .