تأصيل العلوان الدخيل في إطلاق قبول رواية المدلس


بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أما بعد:

فإن حفظ السنة حفظٌ للدين، وطاعة لله رب العالمين، ومن ذلك رد القواعد الدخيلة في تصحيح الأحاديث الضعيفة، كدعوى سليمان بن ناصر العلوان -هداه الله- بعد أن هجم على العلامة المجدد محمد ناصر الدين الألباني-رحمه الله- في عدة مسائل عدة هجمات بلا أدب ولا احترام، قال : رد عنعنة المدلس خلاف إجماع أهل الحديث الأوائل، وأنه لم يفعل ذلك عالمٌ منهم قط، وأنهم يقبلون رواية المدلس مطلقًا ما لم يتبيَّن أنه دلس هذا الحديث بعينه.

فلم يُفرق العلوان بين المُكثر ولا المقل من التدليس بل مثّل على بعض الرواة المكثرين من التدليس، مما يؤكد أنه لا يرد حتى عنعنة المكثر من التدليس !

فبهذا خالف المحدثين المتقدمين والمتأخرين-على خلاف بين أهل العلم في المدلس الذي تُرد روايته بالعنعنة- في أصل وهو رد عنعنة المدلس !!

قال -هداه الله- في مقطع صوتي باليوتيوب بعنوان: (رأي الشيخ سليمان بن ناصر العلوان في تصحيح وتضعيف الألباني والفرق بين منهج المتقدمين والمتأخرين): “التدليس متى ما ثبت في الحديث فإنه علة، وهذا لا نزاع فيه، وإنما الأواخر يجعلون عنعنة الموصوف بالتدليس تدليسًا، وهذا لم يقل به أحد من الأوائل، والألباني يجري على هذا الأصل في أصول المتأخرين لا أصول المتقدمين، فيقول في الحديث: فيه عنعنة الحسن، فيه عنعنة قتادة، فيه عنعنة أبي إسحاق السبيعي، فيه عنعنة الأعمش، فيه عنعنة ابن جريج، فيه عنعنة أبي الزبير … فيُعل الأحاديث بالطريقة هذه ….

وهذا منهج لم يكن عليه أحد من الأوائل، ولا يُعرف عن أحد من الأئمة قط، بأنه أعل حديثًا بعنعنة المدلس أو الموصوف بالتدليس، وإنما الأوائل يقولون: دلس، ولا يقولون عنعن، فإذا ثبت أنه دلَّس نُعل الحديث، لأن هذا انقطاع، وإذا عنعن ولم يُدلس مجرد عنعنة فهذه لا تؤثر، وهذا الذي عليه الأوائل، وهذا من الفروق العظيمة بين الأوائل والأواخر“. اهـ.

وقال -هداه الله- في مقطع آخر بعنوان: (مناهج المحدثين في التصحيح والتضعيف للشيخ سليمان بن ناصر العلوان):” الأوائل يُفرقون بين التدليس وبين عنعنة المدلس، وهذا منهج معروف مبسوط معمول به بينهم، أما المتأخرون فلا يعرفون هذا، يرون أن عنعنة المدلس علة في الحديث، عنعنة إسحاق السبيعي، عنعن قتادة، عنعن الأعمش، عنعن أبو الزبير، عنعن ابن جريج، عنعن الوليد بن مسلم، يجعلون هذا علة في الحديث، وهذا غير صحيح، ولا أعلم أحدًا من الأئمة الأوائل ضعف حديثًا لأن فيه عنعنة مدلس، وكانوا يفرقون بين التدليس وبين العنعنة، فيقولون دلس ولا يقولون عنعن، وإنما إذا ثبت أنهم أعلوا شيئًا بالعنعنة لأنه دلس، لا لأن العنعنة علة أو أن العلة دليل التدليس، هذا غير صحيح، التدليس شيء، والعنعنة شيء آخر.

ولا يزال الأئمة يقبلون عنعنة المدلسين، ولا يعلون ذلك، إلا إذا ثبت تدليسه، إذا ثبت تدليسه أعلوا الخبر “. اهـ.

فخلاصة قوله: أن الأئمة الأوائل لا يُعلون الحديث بأن راويه مدلس وقد عنعن في روايته ولو كان كثير التدليس، وذكر أن هذا لا يوجد في كلامهم قط!!

ولست بصدد نقل تأصيلات أهل العلم في قبول رواية المدلس أو ردها، وبيان المدلس الذي تُرد عنعنته، وإنما بصدد بيان خطأ سليمان العلوان -هداه الله- في هذا الذي نسبه لعلماء الحديث الأوائل؛ لئلا يغتر بقوله من لا يدري، فإن كثيرًا من الشباب إذا سمعوا أحدًا يتكلم بحماسة وجزم خُدعوا به.

وإليكم بعض النقولات المختصرة التي تدل على وهم العلوان وخطئه وتعجُّله، وأن علماء الحديث يُعلون رواية المدلس إذا عنعن-على خلاف بينهم في المدلس الذي ترد عنعنته-

قال الإمام مسلم في مقدمة صحيحه (1/ 33):” وإنما كان تفقد من تفقد منهم سماع رواة الحديث ممن روى عنهم، إذا كان الراوي ممن عرف بالتدليس في الحديث، وشهر به، فحينئذ يبحثون عن سماعه في روايته، ويتفقدون ذلك منه كي تنزاح عنهم علة التدليس“. اهـ.

وقال العلامة ابن رجب -رحمه الله- في شرح علل الترمذي (2/ 582): “السادس: ألا يكون مدلساً، فمن كان مدلساً يحدث عمن رآه بما لم يسمعه منه فإنه لا يقبل منه حديثه حتى يصرح بالسماع ممن روى عنه، وهذا الذي ذكره الشافعي قد حكاه يعقوب بن شيبة عن يحيى بن معين.

وقال الشاذكوني: من أراد التدين بالحديث فلا يأخذ عن الأعمش، ولا عن قتادة إلا ما قالا: سمعناه.

وقال البرديجي: لا يحتج من حديث حميد إلا ما قال: (ثنا) أنس.“. اهـ.

وقال – أيضًا-في شرح علل الترمذي (1/ 516): “قال يحيى بن سعيد: كان ابن جريج صدوقا، إذا قال: حدثني فهو سماع، وإذا قال: أخبرنا أو أخبرني فهو قراءة، وإذا قال: قال، فهو شبه الريح، يعني أنه لم يسمعه ولم يقرأه“. اهـ.

هذه النقولات التي ذكرها ابن رجب صريحة في بيان تعجُّل العلوان وخطئه على علماء الحديث الأوائل، وأنهم ردوا عنعنة المدلس تأصيلًا كما في كلام ابن معين أو تطبيقًا كما فعلوا مع الأعمش وحميد وقتادة وابن جريج !!

روى الخطيب في تاريخه (12/ 142) عن أحمد بن صالح المصري أنه قال”: ابن جريج إذا أخبر الخبر فهو جيد، وإذا لم يخبر فلا يعبأ به –ثم روى الخطيب – عن

 أبي بكر الأثرم، عَن أحمد بن حنبل: إذا قال ابن جُرَيْج”قال فلان” “وَقَال فلان” “وأخبرت” جاء بمناكير، وإذا قال: أخبرني””وسمعت” فحسبك به.“. اهـ.

وقال المزي في تهذيب الكمال (18/ 348): “وَقَال أَبُو الحسن الميموني، عن أحمد بن حنيل: إذا قال ابن جُرَيْج “قال” فاحذره، وإذا قال: سمعت” أو “سألت”جاء بشيءٍ ليس في النفس منه شيء.“. اهـ.

وهذا -أيضًا-صريح في تخطئة العلوان في عنعنة ابن جريج، وبيان تعجُّله.

ونقل ابن أبي حاتم في كتابه الجرح والتعديل (9/ 138) عن أبي نعيم الفضل بن دكين أنه قال في أبي جناب الكلبي: “ما كان به بأس، الا انه كان يدلس، وما سمعت منه شيئًا إلا شيئا قال فيه حدثنا“. اهـ.

وقال ابن عدي في الكامل في ضعفاء الرجال (8/ 160) عن ميمون بن موسى المرائي البصري: “وإذا، قَال: حَدَّثَنا فهو صدوق لأنه كَانَ متهمًا فِي التدليس.“. اهـ.

وهذان النقلان عن أبي نعيم وابن عدي واضحان في بيان خطأ العلوان.

قال أبو حاتم في العلل لابن أبي حاتم (5/ 471): “وأنا أخشى ألا يكون سمع هذا الأعمش من مجاهد، إن الأعمش قليل السماع من مجاهد، وعامة ما يروي عن مجاهد مدلس“. اهـ.

تأمل كيف أن أبا حاتم لم يقبل عنعنة الأعمش مع أنه لم يثبت لديه أنه لم يسمع هذا الحديث عن مجاهد وإنما رده خشية التدليس؛ لأن تدليسه كثير عن مجاهد.

فإذن إذا كان المُدلس مُكثرًا من التدليس بالنسبة إلى روايته فإن حديثه لا يُقبل حتى يُصرح بالسماع بخلاف ما ليس كذلك، ولتقرير هذا موضع آخر وإنما المراد بيان خطأ تأصيل العلوان، وبيان أن نفيه عن المتقدمين تهور وعجلة.

ثم أشير إلى أن من الرواة ما يختلف في وصفه بالتدليس، وفي وصفه بالكثرة منه، وفي قبول روايته، وهذا كله ليس مرادًا من هذا المقال.

وفي ختام هذا المقال المختصر، أدعو الشباب أن يلزموا غرز علماء السنة ومن سار على طريقتهم حتى لا يضلوا، وعن طريق الحق يزلوا، فقد منَّ الله بعلماء جبال من أئمة أهل السنة في هذا العصر، كالشيخ العلامة عبد العزيز بن باز، والشيخ العلامة محمد ناصر الدين الألباني، والشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين، والشيخ العلامة صالح الفوزان والشيخ العلامة عبد المحسن العباد، وأمثالهم- رحم الله حيهم وميتهم-.

اللهم اهد سليمان العلوان، ورده إلى الطريق المستقيم، واحفظ سنة نبيك -صلى الله عليه وسلم- من كل مُفسد لها بعلم أو بغير علم.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

د. عبدالعزيز بن ريس الريس

@dr_alraies

المشرف العام على موقع الإسلام العتيق

20 / 5 / 1441هـ