المختصر المفيد من أحكام المسح على الخفين


 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله -صلى الله عليه وسلم-.

 

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ . الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 21-22].

 

أما بعد:

 

فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد -صلى الله عليه وسلم-، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة.

أخرج الإمام أحمد من حديث عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «بُعثت بالحنيفية السمحة»، قال الإمام ابن القيم -رحمه الله تعالى-: الحنيفية أي في التوحيد، والسمحة: أي في الأحكام.

ومن سماحة شريعة محمد بن عبد الله -صلى الله عليه وسلم- أن الشريعة أجازت المسح على الخفين والجوربين، وتكاثرت الأحاديث في بيان جواز المسح على الجوربين، قال الحسن البصري: روى المسح على الخفين سبعون نفسًا.

وقال الإمام أحمد: ليس في نفسي شيء من المسح على الخفين، فقد رُوي فيه أربعون حديثًا عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.

والخفان هما ما كان من الجلد، أما الجوربان ما كان من غير الجلد، وما يُسمى شرابًا فإنه من الجوارب.

أخرج الشيخان من حديث المغيرة بن شعبة -رضي الله عنه- قال: كنت مع النبي -صلى الله عليه وسلم- في سفر فتوضأ فأهويت لأنزع خفيه، فقال: «دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين»، ثم مسح عليهما -صلى الله عليه وسلم-.

أما المسح على الجوارب فقد ثبت عن صحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، عن عبد الله بن مسعود الهذلي، وعن أبي مسعود البدري، وعن أنس بن مالك الأنصاري، وقال ابن تيمية: ليس بين الصحابة خلاف في ذلك -رضي الله عنهم-.

 

وإن للمسح عليهما شروطًا:

  • الشرط الأول: أن يكونا ملبوسين على طهارة ماء، فليس لأحد أن يمسح على الخف أو الجورب إلا وأن يكون قد لبسهما بعد وضوء أو غسل جنابة، لقوله في حديث المغيرة بن شعبة -: «دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين».
  • الشرط الثاني: أن يكونا غير نجسين، كأن يكونا من جلد غير مأكول لحم فإنهما إذا كانا نجسين لم يصح المسح عليهما، وعلى هذا المذاهب الأربعة، وتوارد كلام العلماء على ذلك.
  • الشرط الثالث: ألا يكونا متنجِّسين، أي ألا تتعلق بهما نجاسة، فإذا تعلقت به نجاسة من بول أو غيره، فلا يصح المسح عليه
  • الشرط الرابع: ألا يكون خفيفًا يُرى ما وراءه من رقتها، فقد حكى جمع من أهل العلم الإجماع على عدم جواز المسح على الخف إذا كان خفيفًا يُرى ما وراءه، وممن حكى الإجماع على ذلك الكاساني والمنصوري.

 

وضابط الخفيف الذي لا يصح المسح عليه: أن يُرى ما وراءه من لون الجلد،

واعلموا أنه إذا كان الخف أو الجورب مخرقًا فإنه يصح المسح عليه، قال الإمام سفيان الثوري -رحمه الله تعالى-: وهل كانت خفاف المهاجرين والأنصار إلا مخرقة؟

وينبغي أن يُعلم أن للمسح على الخفين مدة، فإذا كان الرجل مقيمًا فإن له أن يمسح على خفه يومًا وليلة، يعني أربعًا وعشرين ساعة، وإذا كان مسافرًا فله أن يمسح على الخف ثلاثة أيام ولياليهن، يعني اثنتين وسبعين ساعة.

أخرج مسلم من حديث علي -رضي الله عنه- قال: جعل النبي -صلى الله عليه وسلم- يومًا وليلة للمقيم، وثلاثة أيام ولياليهن للمسافر، يعني في المسح على الخفين.

وتبتدئ مدة المسح من أول مسحة بعد حدث، وذلك أن الشريعة علقت الأمر على مسح الخفين، فلو قدر أن رجلًا مقيمًا توضأ ثم لبس خفه ثم صلى الظهر، وقبيل العصر في الساعة الثانية والنصف أحدث ثم توضأ لصلاة العصر ومسح على خفه، فإن له أن يمسح إلى الغد الساعة الثانية والنصف، أي لمدة أربع وعشرين ساعة.

أما ما شاع عند بعضهم أنه يمسح لخمس صلوات فهذا لا دليل عليه.

 

ثم اعلموا -علمني الله وإياكم كل خير- أنه قد يلبس الرجل جوربًا -أي شرابًا- أو خفًا ثم يريد أن يلبس خفًا فوقه، فهل له أن يمسح على الفوقاني؟ أو لابد أن يخلع الفوقاني ويرجع ويمسح على التحتاني؟

 

إن من أراد أن يمسح على الفوقاني فيُشترط بإجماع أهل العلم كما حكاه ابن قدامة أن يلبس الفوقاني على طهارة ولو على طاهرة مسح، فإذا لبسه على طهارة فله أن يمسح عليه.

 

فلو أن رجلًا مسح على خفه قبيل العصر، وقد لبسه قبلُ وصلى الظهر، وأحدث بعد ذلك، ثم مسح على خفه قبيل العصر، ثم لما جاء وقت صلاة المغرب أراد أن يلبس فوقه خفًا آخر أو جوربًا آخر، فإن له أن يلبس ذلك وأن يمسح عليه بشرط أن يكون وقت لبسه طاهرًا ولو على طهارة مسح.

والفوقاني تبع للتحتاني في المدة، فيستمر يمسح على الفوقاني إلى أن تنتهي مدة المسح على التحتاني.

أسأل الله الذي لا إله إلا هو، أسأل الله الرحمن الرحيم، أسأل الله ذا المن الفضل، أن يعلمني وإياكم ما ينفعنا، اللهم علمنا ما ينفعنا، اللهم فقهنا في ديننا، اللهم ارزقنا علمًا وعملًا بعلمنا يا أرحم الراحمين.

 

أقول ما ستمعون وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فإن المسح على الخفين طهارة مخففة، لذا كل ما يسمى مسحًا على الخف فإنه يُعد مسحًا، كما ذهب إلى ذلك الإمام الشافعي -رحمه الله تعالى-، ولا يلزم أن يُعمم أعلى الخف، فأي مسح على أعلى الخف يُسمى مسحًا، لأن الشريعة جاءت بالمسح على الخفين.

 

ثم اعلموا أن من وقع في جنابة فإنه يجب عليه أن يخلع خفه، لأنه مُبطل للمسح على الخفين بدلالة السنة والإجماع.

ثبت عند الترمذي والنسائي من حديث صفوان بن عسال -رضي الله عنه- قال: كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يأمرنا إذا كنا مسافرين ألا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابة، لكن من غائط وبول ونوم.

 

أي من الغائط والبول والنوم نمسح وليست مبطلة للمسح على الخفين بخلاف الجنابة، فإنه مُبطل للمسح على الخفين.

إخوة الإيمان، هذا شيء قليل من أحكام المسح على الخفين التي نحتاج ا في السنة كلها، لاسيما عند اشتداد البرد، فبهذا يعلم أن نعلم العلم الشرعي مهم للغاية، والعلم الشرعي من حيث الجملة نوعان:

  • النوع الأول: فرض عين، وهو ما يحتاج إليه كل مسلم، من الاعتقاد في الله وتوحيده سبحانه ومن أحكام الصلاة والطهارة، إلى غير ذلك.
  • النوع الثاني: المستحبات.

وكلا هذين العلمين محبوبان إلى الله، وهما من العمل الصالح أخرج مسلم من حديث زيد بن أرقم -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يقول: «اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع».

 

فطلب العلم النافع من خير العبادات وأجلها وأحبها إلى الله، فإن الله سبحانه يقول: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: 9]، وأما الذين أوتوا العلم فإنهم في درجة أعلى، يقول سبحانه: ﴿يَرْفَعْ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: 11].

 

وأخرج الإمام مسلم من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهل الله له به طريقًا إلى الجنة»، وأخرج البخاري ومسلم من حديث معاوية بن أبي سفيان -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «من يرد الله به خيرًا يُفقهه في الدين».

والمراد العلم الشرعي، الذي يحبه الله، والذي هو الوحي.

 

ومما يُتحسر له أن أقوامًا يُشار إليهم بالبنان، قد اشتغلوا بغير النافع، من تتبع السياسات في القنوات والصحف والمجلات، وأعرضوا عن تعلم العلم الشرعي، ما إن تراهم يجتمعون إلا ويتصارعون ويتناطحون فكريًا في القضايا السياسية، لكن إذا جاء العلم الشرعي رأيتهم أجهل الناس في ذلك، وبعضهم مع جهله عنده رقة دين لا يُبالي في أن يتكلم في دين الله بغير علم، وبجهل -عافاني الله وإياكم-.

 

اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، اللهم فقهنا في الدين وعلمنا التنزيل.

اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وعم التوحيد والسنة في بلاد المسلمين