المختصر في الرد على محمد الشنقيطي المقيم في قطر


المختصر في الرد على محمد الشنقيطي المقيم في قطر

يقول محمد بن المختار الشنقيطي أستاذ تاريخ الأديان بكلية قطر للدراسات الإسلامية كما في حوار أجرته معه مجلة مشروع النهضة: ( عموما فأنا أنصح الإسلاميين في كل مكان بعدم القفز إلى السُّلطة بوسائل غير شرعية، حتى وإن مكنهم ميزان القوى الداخلي من ذلك )

ويقول: ( كان نيلسون مانديلا يقول مزدهيا وهو شاب يافع يقود الجناح العسكري للمؤتمر الوطني الإفريقي: “إن الحق والديناميت إلى جانبنا.” وكان يقول: “إذا حرَمك أهل السلطة من الحرية فإن طريقك إلى الحرية هو السلطة”. لكن ذلك الحكيم الإفريقي أدرك -بعد أن عركتْه التجارب وأنضجتْه السنون- أن الحق يمكن أن ينتصر من دون الديناميت )!!

لكنّه يعكس ذلك كلّه ويغير هذا النهج، فيقول كما في مقال له منشور على موقع قناة الجزيرة: ( يدل استقراء تاريخ عدد من الحضارات على أن روح البطولة والشهادة مؤشر على ميلاد حضارة جديدة. فإذا رأيتَ أمة تبذل الشهداء بسخاءٍ فاعلم أنها في فجْر حضارتها، وإذا رأيتَ أمة تبخل بالشهداء فاعلم أن حضارتها في إدبار. وهذا الذي يطَمْئن على مآلات الربيع العربي… فنحن أمام تحول فقهي عميق يرى -بحق- أن القتال من أجل الحرية واجب شرعي وحق إنساني، ويعد -بحق- أن الذين يقاتلون الطغاة في بلداننا اليوم سائرون على خطى سيد الشهداء حمزة. وهذا فقهٌ يُحيي القيم السياسية الإسلامية التي وقع عليها الحيف التاريخي، ويستجيب لمستوى النضج الأخلاقي والإنساني الذي وصلت إليه البشرية )

القصّة باختصار، أن الشنقيطي أستاذ تاريخ الأديان بكلية قطر للدراسات الإسلامية كان من دعاة الخيار الديمقراطي، والحل السّلمي، وصناديق الاقتراع، والاحتكام للشّعب، والرضا باختياره، والتّسليم لمطالبه، بل كان يهاجم ويطعن في كلّ من سلك سبيل العُنف واختار طريق الخروج المسلّح علي الحكّام والمجتمعات والأنظمة.

فلما أتت الديمقراطية بعكس مبتغاه، واحتشدت الملايين في الميادين ضدّ توجه حزبه، وخلاف برنامج تنظيمه، أصبح اليوم من دعاة وأنصار الجهاد، والتّرغيب في الشهادة التي يَعدُ بها الخارجين عن الطّاعة، والمارقين من الجماعة.

أي والله هكذا وبكلّ وضوح لا لبس فيه، فهو يدعو اليوم إلى الجهاد والنّفير في سبيل الديمقراطية والموت من أجل إقرارها، والتضحية بالمسلمين فداءً لعيونها، وكأنّه في حلّ من أرواح العباد التي تُزهق ودمائهم التي سوف تراق.

يدعو إلى الجهاد في سبيل الديمقراطية، وكأنها الجنّة الموعودة والمساكن الطيبة التي وعد الله بها عباده المتّقين، يُمنّي الناس بالديمقراطية ويعدهُم بخيراتها، ويُرغّبهم في الاستشهاد من أجل الفوز بها والظفر بنعيمها.

وهكذا يُغيّرُ الواحدُ من هؤلاء مبادءه، ويُبدّلُ كالحرباء جلده، من غير حياء من الله ولا من الناس، فما كان منكراً من القول وزورًا، أصبح اليوم ديناً يُدعى النّاس إليه ومطلباً شرعيّاً ملحا تُسترخص الأنفسُ والمُهج دونه.

ولسان حاله يقول ما دمنا لم نحقّق أهدافنا، ولم نصل إلى غاياتنا بتلك الوسائل السّلمية، والحلول الديمقراطية فلا بد من تغيير الأقنعة، وتبديل الآليات والوسائل، وتنويع الخيارات، فبدلاً من ارتداء ( كرفتة ) وبنطال الديمقراطية، فلا مانع من أن نلبس لامة المجاهد ونعتمّ بعمامة المقاتل، ضحكاً علي الذقون، وتغريراً بالسذج والمغفلين الذين يصدّقون كلامه ويغترون بدعاواه، فتشرئب أعناقهم للفتن، ويتخوّضون في الدماء، ويغررون بأنفسهم وبمصالح المسلمين وأمنهم واستقرارهم في معارك عبثية وحروب أهليّة ورميات طائشة لا طائل من ورائها ولا مصلحة تُرتجى منها.

ووالله ما دعا في كلامه هذا الي المزيد من الخوض في الدماء واسترخاص الأنفس المعصومة والمتاجرة بالأرواح البريئة التي أمرت الشريعة بحقنها وصيانتها والمحافظة عليها، حبّاً للشعوب ولا رغبة في الخير والكرامة والحريّة لهم كما يزعم، ولا حرصاً علي أرواح الملايين من رجال ونساء وشيوخ وأطفال المسلمين، إنّما كان السبب الذي يهمزه للدعوة إلى مزيد من القتلى والتخوّض في الفتن، وجعل عامة المسلمين حطباً تحترق، ورؤوسا تتطاير، إلا من أجل التمكين لحزبه، والعمل على بسط نفوذ تنظيمه مهما كانت الخسائر الفادحة والمصائب النازلة.

لقد كان أهل الرسوخ في العلم يُحذّرون عامّة النّاس من تتبّع زلات العلماء، لأنّ النّاس قد يغترّون بعلمهم وسعة اطّلاعهم فيقلّدونهم في أخطائهم، ويأخذون بزلّاتهم، وذلك من أعظم الأمور التي تهدمُ الإسلام وتثلمُه.

لكننا في هذا الزمان أمام بلاء أشدّ، وشرٍّ ولا ريب أعظم، فإنّه قد تصدّر لأمر إفتاء الناس وتقرير ما يلزمهم في النّوازل، وما يجب عليهم في أمر القوارع التي تنزل بهم وتحُلُّ في ديارهم، أناسٌ من المفكّرين وطائفة من العقلانيين الذين لا هم يسيرون على خُطى السّلف الصالح ويقتفون آثارهم في التعامل مع الفتن حتى نعرف لهم مقاماتهم ونفهم منزعهم، ولا هم سلكوا طريق المفكرين والفلاسفة الغربيين حتى نغسل أيدينا منهم ولا نرجو خيراً في الدين من ورائهم، فحاولوا عبثاً الجمع بين الطريقتين والمزج بين النقيضين.

فتراهم في مقامٍ يستندون إلى الآيات والأحاديث والآثار في الدعوة إلى أفكارهم والتنظير لمناهجهم، وتارة يحتكمون في نزاعهم ويحاجّون خصومهم بالاستناد إلى مقولات صاحب نظرية العقد الاجتماعي جان جاك روسو أو الاحتكام إلى أبي الليبرالية الاقتصادية آدم سميث، فصاروا كذي الوجهين الذي أخبر عنه النبي صلى الله عليه وسلم أنّه يلقى هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه.

إنّه من المعلوم عند علماء السُنّة وكبرائهم أنّ طاعة ولاة أمر المسلمين واجبة بالنصّ والإجماع، وأن القول بعدم جواز الخروج عليهم قولٌ واحدٌ لا ثاني له، نقل الإجماع على ذلك الحافظُ ابن حجر والنووي رحمهم الله، فلا يجوز الخروج عن طاعة ولاة الأمر ما لم ير المسلمون الكفر البواح والشّرك الصُراح الذي لا يتمكّن من المغالطة فيه مغالط ولا التّأوّل في شأنه متأوّل.

فهذه المسائل العظيمة في الدين ليس مردّها لاجتهادات عامّة الناس وسُفهاء الأحلام وحُدثاء الأسنان فيهم، ليعبثوا بمصائر المسلمين ويتلاعبوا بمصالحهم، ويقرروا الخروج والافتئات عن الجماعة نيابة عنهم، وفق آرائهم الشخصية ومصالحهم الحزبية الضيّقة وأفكارهم المختلفة المتباينة، والمتأثرة بمستوياتهم المعيشية وأحوالهم الاجتماعية وخلفياتهم الثقافية والفكريّة.

فدين الله لا يقوم بهذا، ولا تأت الشريعة بمثل هذا، فالله تعالى يُنزّه دينه عن هذا الفساد والعبث الذي يضرب أطنابه، ويقيم بنيانه على دعاوى شرعيّة مزعومة، فهذه الآراء الفرديّة الجائرة والنّظرات الجزئية القاصرة لا مكان لها في هذا المعترك، ولا مُقام لها في مثل هذا الميدان الذي يتعلّق بمصالح المسلمين كافّة.

فإذا تُركت هذه الأمور العظيمة والمسائل الجليلة لكلّ فرد من عامة الناس ليستبدّ فيها برأيه ويحكم فيها بهواه، وفق أوضاعه النفسية وأحواله الاجتماعية، ضاعت أمور المسلمين وفسدت أحوالهم، وذهبت ريحهم، وتفرقت جماعتهم، فلا أقاموا ديناً ولا أبقوا دنيا.

فإذا تمّت تنحية العلماء الربانيين الصّادقين وعمل الخارجون على تهميشهم والتّضييق عليهم وتجاوز مقولاتهم وعدم الإصغاء لهم، صار الأمر إلى أن يتولّي كِبر هذه الفتن وينفخ في كيرها أعلي الخارجين جلبةً وصوتاً، وأعظمُهم جُرأه وحُمقاً وطيشاً، فتسيرُ عند ذلك الجموع الغفيرة والحشود الكثيرة وراء هؤلاء السفهاء تتقحّم في أودية الفتن وتتخوّض في عظائم الأمور.

ومن جعل الغراب له دليلا… يمرُّ به على جيف الكلاب

وبمثل هذه الصنائع لا يمكن أن تأت شريعة الإسلام ولا يمكن أن يستقيم دين الناس ولا تنضبط أمورهم ولا تصلح معايشهم، بل يصيرون من فساد إلى فساد ومن فتنة إلى فتنة تحت ذرائع دينيّة ومسوّغات شرعيّة مُفتراه، ودين الله بريء من هذا العبث والاستهتار بأرواح المسلمين ومصالحهم حتى وإن تسوّر هؤلاء الأغمار محرابه وتحدثوا باسمه وخطبوا من على منبره !

ثم هل هو الربيع العربي حقيقة كما يدّعي الشنقيطي أم هي الفوضي الخلاقة التي بشّر بها بعض المسؤولين والمنظرين الغربيين؟!

الفوضى التي يُراد من إيجادها خلخلة الأوضاع، وتفتيت المجتمعات، وبعثرة خريطة المنطقة، وإعادة رسم حدودها، وتشكيل أقاليمها، من أجل إخضاعها لأعدائها، وزلزله كياناتها، ونهب خيراتها.

واذا لم يُقرّ المسلم ما تسمّونه بالربيع العربي، هذا الربيع الملطّخ بالدماء والمرصّع بجُثث مئات الآلاف من المسلمين ولم يرض به، فقام المسلم بإنكاره والبراءة إلى الله منه، هل يُتّهم المُنكر له والمناوئ لدعاة الفتنة فيه أنّه عدو للدين ومحاربٌ لكرامة الشعوب، هذا بُهتان لا يرضاه الله وكذبٌ يترفّعُ كلُّ منصف عنه.

هذا الربيع الذي طال أمده واكتوت الشعوب بميسمه، وأمسكت روضاته قيعاناً من الدماء، وأنبتت أشجاره طلعاً من رؤوس الفرقة والفتن وموقدي الأحقاد والضغائن في طول بلدان المسلمين وعرضِها إلا من رحم الله.

فهل يُتّهم من لم يرض بهذا الحال أنّه ممن يشرع للظلم والاستبداد أو يُزعم أنه يسوّغُ لفقه الذلّ والاستعباد، إنّ هذا والله من الفجور في الخصومة والبهتان والتجنّي علي من اتّبع وصية النبي صلي الله عليه وسلم في الصبر علي جور الأئمة والسّمع والطاعة لهم في المعروف، والله الموعد.

فالشنقيطي يقول: ( فنحن أمام تحوّل فقهي عميق يرى -بحق- أن القتال من أجل الحرية واجب شرعي وحق إنساني، ويعدّ -بحق- أن الذين يقاتلون الطغاة في بلداننا اليوم سائرون على خطى سيد الشهداء حمزة. وهذا فقهٌ يُحيي القيم السياسية الإسلامية التي وقع عليها الحيف التاريخي، ويستجيب لمستوى النضج الأخلاقي والإنساني الذي وصلت إليه البشرية )

ولسائلٍ أن يسأل، ما هي حقيقة الحرية التي يريد الكاتب من المسلمين الاستشهاد في سبيلها والتّضحية بأرواحهم من أجل نيلها والظّفر بها، والتي يعتبر الموت في سبيلها واجب شرعي وحقّ إنساني؟!

وكأنّ هذه الحرية أمر متّفق علي الجهاد في سبيله والموت تحت رايته بين شعوب الأرض وطوائفه وأديانه قاطبة !

ما هي هذي الحرية وما هي سماتها وما مظاهرها وما حدودها وما الضامن لانضباطها بضوابط الشرع ؟ّ

فإنّ النّاس تختلف مشاربهم وتتعدّد أهواؤهم وتتنوع مناهجهم في فهم حقيقتها ومعرفة ماهيتها، ويختلفون في فسحتها، ويتنازعون حول مساحتها وحدودها.

فهل يقبل مسلم أن يغرر به أحد تحت شعارات زائفة ودعاوى عريضة إذا فحصتها واستفصلت عن حقائقها لم تجد لها عند أحد من هؤلاء المنظرين لها ردا شافيا أو إجابة مقنعة؟

وهل يعقل أن يدعو مفكر إلي المزيد من خراب الديار وسفك الدماء وانتهاك الأعراض وانتهاب الأموال من أجل الوصول الي معان غامضة ومفاهيم ملتبسة لا ندري حقيقتها ولا نعرف شيئا عنها، كلٌّ يتأوّلها وفق مصالحه، ويوظفها لغاياته، فصار صاحب الدعوة إلى الموت من أجل الحرية كمن يبيع للنّاس السمك في البحر والطير في الهواء !!

وكتبه محمد بن علي الألمعي
شوال 1435