المجموعة (975)


يقول السائل: هل فعل معاوية -رضي الله عنه- في توريث ولده يزيد خطأ؟ وما معنى الإجماع الذي ذكره ابن حزم؟

الجواب:
ينبغي أن يُستحضر عند الكلام على خال المؤمنين معاوية بن أبي سفيان -رضي الله عنه- أنه صحابي، وأنه خال المؤمنين، وأنه ذو الفضائل العظيمة وأعظم فضائله أنه صحابي -رضي الله عنه وأرضاه- وهو من جملة الصحابة الذين هم أفضل هذه الأمة فردًا وجنسًا بالإجماع، حكى الإجماع ابن تيمية، وبيَّن أن السلف مجمعون على ذلك وإن حصل خلاف بعد هذا، ذكر هذا كما في (مجموع الفتاوى).

ومما أفاد شيخ الإسلام ابن تيمية أن معاوية أفضل ملوك الإسلام بالإجماع، إلى غير ذلك من الفضائل العظيمة عن معاوية -رضي الله عنه- وقد منَّ الله عليَّ وألقيت محاضرة بعنوان: (أفضل ملوك الإسلام) وهي موجودة في موقع الإسلام العتيق، وفيها ذكر فضائل معاوية الخاصة والعامة، وفيها الإجابة على كثير من الشبهات التي تُثار على هذا الصحابي الجليل -رضي الله عنه-.

ثم ينبغي أن يُعلم أن الكلام في معاوية بوابة للكلام في بقية الصحابة، روى ابن عساكر عن أبي توبة الحلبي أنه قال: معاوية سترٌ لصحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فمن كشف هذا الستر اجترأ على ما وراءه.

الله أكبر! فينبغي الحذر من الكلام في أحد من صحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- سواء كان معاوية أو أبا بكر أو عمر أو عثمان أو عليًا أو غيرهم من صحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ورضي الله عنهم وأرضاهم.

أما التوريث في الحكم فيُعرف حكمه بالنظر في أمرين:
الأمر الأول: أن تولي الحكم في الإسلام يكون بطريقين:
الطريق الأول: بالاختيار، وتحت هذا قسمان: القسم الأول أن يختار الحاكم رجلًا يتولى الحكم بعده، والقسم الثاني أن يختار أهل الحل والعقد الحاكم المناسب، وهذه طريقة تسمى بطريقة الاختيار.
الطريقة الثانية: طريقة الاضطرار، أن يأخذ الحاكم الحكم بالقوة والغلبة.

وفي كلام الطريقتين سواء الطريقة الأولى بقسميها أو الطريقة الثانية في كلها إذا كان الحاكم مسلمًا وثبت له الحكم وجب اعتقاد البيعة له وأن يُسمع ويُطاع له في غير معصية الله، وقد حكى الإمام أحمد في (أصول السنة) وغيره الإجماع ممن كتب في الاعتقاد، ومن خالف في هذا فإنه مبتدع ضال.
هذا الأمر الأول، وينبني عليه أن تولي الحكم بالوراثة بأن يرث السابق لمن بعده هذا من حيث الأصل محرم وقد حكى الإجماع عليه ابن حزم -رحمه الله تعالى- في كتابه (الفِصل).

الأمر الثاني: أن من الأحكام الشرعية ما يكون محرمًا في زمن دون زمن، وفي حال دون حال، وقد تحتفّ به من المصالح ما تجعل المحرم مباحًا بالنظر إلى المصلحة الكلية، ومن ذلك توريث الحكم، فإن معاوية -رضي الله عنه- لو لم يُورِّث أحدًا من بني أمية كابنه يزيد لحصلت فتنٌ، فإن بني أمية تعودوا أن الحكم فيهم، ولو خرج الحكم منهم لحصلت فتن وسفك للدماء واضطرابات… إلى غير ذلك.

ومما يُوضح هذا: أن مروان بن الحكم كان سيُبايع عبد الله بن الزبير لكن قيل له: إن الحكم فيكم فكيف تدعونه …؟ إلخ، فرجع ونادى بالحكم، ثم تكوّنت دولته ثم تولى الحكم بعده ابن عبد الملك بن مروان، إلى أن قُتل عبد الله بن الزبير -رضي الله عنه- وحصل في ذلك فتن وسفك لدماء المسلمين.

فلذا لما ولى معاوية ابنه يزيد كانت هذه حكمة، وهي وإن كانت بالنظرة الجزئية كما تقدم إلا أنها بالنظرة الكلية في مثل هذه الحال جائزة، بل قد تجب حقنًا لدماء المسلمين، وقد ذكر هذا ابن خلدون في مقدمته.

ومثل ذلك في كثير من الولايات، قد اعتادوا أن يُولي السابق اللاحق بالوراثة، فمثل هذا فيه خير لما فيه من حقن الدماء وسلفهم في ذلك معاوية -رضي الله عنه- فإذا اقتضت المصلحة هذا كما هو الواقع في كثير من الدول الملكية فإن مثل هذا يُفعل للمصلحة الكبرى التي تقدمت الإشارة إليها، لاسيما ومن كانوا حكامًا ويتوارثون الحكم فإنهم يعرفون الحكم أكثر من غيرهم، إلى غير ذلك من المصالح الكبيرة.

لذا ترى الدول الملكية اليوم في الجملة أحسن من غيرها من الدول الجمهورية والديمقراطية …إلخ، وترى الدول الملكية فيها تقدم وفيها حرص على مصلحة الرعية وإلى تطوير البلد وتقويته وغير ذلك من مصالحها الدنيوية والدينية بحسب الحكام، بخلاف الدول الديمقراطية والجمهورية.

ومن أمثل هذه الدول وأوضحها الدولة السعودية -أسأل الله أن يعزها بالتوحيد والسنة- ففيها من الخير الديني والدنيوية الشيء الكثير، بل هي في الأمور الدينية لم يأتِ مثلها منذ قرون فلم توجد دولة كهذه الدولة المباركة إلى يومنا هذا وفيها عز ديني ودنيوي، أسأل الله أن يمكنها وأن يقويها وأن يُوفق الملك سلمان وولي عهده أن يُعزوا دينه ويُعلوا كلمته، وجميع حكام المسلمين.

فالخلاصة: أن الإجماع الذي حكاه ابن حزم صحيح، وأن فعل معاوية صحيح، وأن من فعل مثل فعل معاوية للمصالح فإن فعله صحيح، فإن الدين قائم على جلب المصالح وتقليلها ودرء المفاسد وتقليلها، ولا يُقال إن معاوية أخطأ.
أسأل الله أن يعلمنا ما ينفعنا وأن ينفعنا بما علمنا، وجزاكم الله خيرًا.