الدعوة السلفية وموقفها من التكفير


إن مما من الله به في هذه الأزمان المتأخرة أن قيض لهذه الأمة من يعيدها إلى المنبع الصافي والدين الصحيح بعد قرون من الانحرافات في شتى المجالات , وإن لم تكن الأرض طوال تلك الفترات خالية من نفر كانوا على الهدى المستقيم لكن لم يكن لهم من الظهور كما لهم بعد دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب – رحمه الله – الذي اجتمع لدعوته السيف والقرآن , فقامت دولة التوحيد وطبقت شرع الله ونشرت عقيدة السلف في أرجاء الأرض حتى أنه الآن لا يعرف دولة في هذا العصر تدرس العقيدة السلفية في مدارسها وجامعاتها إلا هذه الدولة المباركة واجتمعت الكلمة على هذه الدعوة, الحكام , والعلماء , والعامة على قلب رجل واحد حتى تأثر بعض أبنائنا بالدعوات الوافدة المخالفة لسبيل المؤمنين , فنابذوا هذه الدولة العداء وأخذوا يهيجون الناس ضدها ويضخمون الأخطاء , ويعلنونها على الملأ فلما رأت الدولة تماديهم عرضت الأمر على هيئة كبار العلماء فأفتوا بإيقافهم حماية للمجتمع من أخطائهم , فلما استمروا فيما هم عليه أخذت الدولة على أيديهم ومن على طريقتهم وكفى الله المسلمين شرهم وقتها، وبعد سنوات وتحولات وتقلبات عادت هذه الفئة لكن بطريقة جديدة وتغيرت الأساليب والمواقف واختلف الطرح حتى أن الأتباع الذين تشربوا بالأفكار القديمة انتقدوا هذا التحول واصطدموا بالقيادات السابقة واختطوا خطا آخر أكثر وضوحاً في تطبيق الأفكار القديمة ووجدوا من يؤزهم عليه أزا من داخل البلاد وخارجها، أما الجيل المتقلب فأخذ يوجه سهامه إلى الدعوة المباركة التي حفظ الله بها البلاد أكثر من قرنين ونصف قرن ولا شك أن سقوط الأساس كفيل بسقوط كل ما قام عليه، فاتهم بعضهم الدعوة بأنها السبب في التكفير لدى الفئة الضالة التي كفرت حكومتنا وفجرت ودمرت , وأن في الدعوة إلغاءً للمخالف وأنه يجب مراجعة كتب أئمة الدعوة ورسائلهم، وبعضهم وصفها بأنها سلفية تقليدية وأن فيها جموداً وجوانب مظلمةإلخ.

وأما الجيل الآخر فأخذ يتمسح بالدعوة وينسب أفعاله التي وقع فيها من تكفير وتفجير إلى الإمام وأتباعه وأن فعلهم موافق لما كان عليه أئمة الدعوة، ونقول لكلا الجيلين وغيرهم وبكل صراحة :

إن دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب – رحمه الله – فيها تكفير كما أن في الإسلام تكفيرا لأنها سائرة على ما كان عليه السلف الصالح , فهل يستطيع أحد أن ينفي التكفير مطلقاً عن دين الإسلام ؟

قال الشيخ محمد – رحمه الله – كما في الدرر 1/83 ” وأما التكفير فأنا أكفر من عرف دين الرسول – صلى الله عليه وسلم – ثم بعد ما عرف سبه ونهى الناس عنه وعادى من فعله فهذا هو الذي أكفره وأكثر الأمة – ولله الحمد – ليسوا كذلك ” أهـ

وقال أيضاً كما في الدرر السنية 10/128 : ” وإنما نكفر من أشرك بالله في إلهيته وكذلك نكفر من حسنه للناس إلخ”

لكنه تكفير على منهج أهل السنة والجماعة تراعى فيه الضوابط الشرعية التي نص عليها أئمة الدعوة في أكثر من مقام وليس لكل أحد أن يلج هذا الباب , بل هو لأهل العلم الراسخين فيه، وأئمة الدعوة يفرقون بين تكفير النوع والعين فيطلقون الكفر على القول والفعل ولا يلزم من ذلك تكفير كل من وقع فيه قال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن كما في الدرر1/484 : ” الأصل الخامس أنه لا يلزم من قيام شعبة من شعب الإيمان بالعبد أن يسمى مؤمناً ولا يلزم من قيام شعبة من شعب الكفر أن يسمى كافراً وإن كان ما قام به كفر , وأما الشعبة نفسها فيطلق عليها اسم الكفر كما في الحديث ” اثنتان في أمتي هما بهم كفر الطعن في النسب والنياحة على الميت ” وحديث ” من حلف بغير الله فقد كفر ” ولكنه لا يستحق اسم الكفر على الإطلاق أهـ

بل لابد من توافر الشروط وانتفاء الموانع بالنسبة للمعين فدعوة الشيخ في الحقيقة ضيقت مجال التكفير وفقاً للنصوص الشرعية وإلا التكفير موجود في كافة المذاهب الإسلامية المنتسبة للسنة ,فلا تجد كتاب فقه جامع إلا وفيه باب حكم المرتد

فالشيخ – رحمه الله – لايكفر بالذنوب كما يفعل الخوارج، يقول الشيخ كما في الدرر 1/32 : ” ولا أكفر أحدا من المسلمين بذنب ولا أخرجه من دائرة الإسلام ” أهـ

وقال في موضع آخر كما في الدرر 10/129 : ” والمسألة الأخرى : يذكر لنا من أعداء الإسلام من يذكر أنا نكفر بالذنوب مثل التتن وشرب الخمر والزنا أو غير ذلك من كبائر الذنوب فنبرأ إلى الله من هذه المقالة ” أهـ

والشيخ كذلك لايكفربالعموم أو كل من خالفه ولم يدخل في طاعته قال الشيخ في رسالة لأحد علماء العراق كما في الدرر 1/80 : ” ومنها ما ذكرتم أني أكفر جميع الناس إلا من اتبعني وأزعم أنكحتهم غير صحيحة ويا عجبا كيف يدخل هذا في عقل عاقل؟؟ هل يقول هذا مسلم أو كافر ؟ أو عارف أو مجنون؟ ” أهـ

وقال الشيخ أيضاً كما في الدرر 1/100 : “وأما القول إنا نكفر بالعموم فذلك من بهتان الأعداء الذين يصدون عن هذا الدين ونقول سبحانك هذا بهتان عظيم ” أهـ

والشيخ – رحمه الله – لايكفر بالظن بل لابد من التثبت وكذا يعذر الجاهل بجهله وأنه لابد من إقامة الحجة يقول الشيخ مبيناً ذلك كما في مؤلفات الشيخ – الرسائل الشخصية – الرسالة الثالثة : ( وأما ما ذكر الأعداء عني أني أكفر بالظن وبالموالاة أو أكفر الجاهل الذي لم تقم عليه الحجة فهذا بهتان عظيم يريدون به تنفير الناس عن دين الله ورسوله ) أهـ

قال الشيخ عبدالله بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب كما في الدرر 1/234 ونحن نقول فيمن مات : تلك أمة قد خلت ولا نكفر إلا من بلغته دعوتنا للحق ووضحت له المحجة وقامت عليه الحجة وأصر مستكبراً معانداً أهـ

وقال الشيخ عبدالله بن عبداللطيف كما في الدرر 10/434 ” فإن الشيخ محمداً رحمه الله لم يكفر الناس ابتداء إلا بعد قيام الحجة والدعوة لأنهم إذ ذاك في زمن فترة وعدم علم بآثار الرسالة ,ولذلك قال : لجهلهم وعدم من ينبههم فأما إذا قامت الحجة فلا مانع من تكفيرهم ” أهـ

والشيخ لايكفر إلا في المسائل المجمع عليها , قال الشيخ في معرض كلامه عن تارك الصلاة كسلا من غير جحود كما في الدرر 1/102 : “ولا نكفر إلا ما أجمع عليه العلماء كلهم ” أهـ , فمن خلال هذه النقول يتبين أن دعوتنا بريئة من موجة التكفير على منهج الخوارج الذي انتشربين شباب الصحوة بسبب بعض الجماعات والأفراد الغالين في هذا الباب الذي تنضح كتبهم وأشرطتهم بالتكفير العام لكل من لايوافقهم ووقع مثل ذلك من بعض المتشددين المنتسبين للدعوة في عصر الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن فأرسل إليهم ينكر عليهم منهج التكفير هذا ويدافع عن الشيخ ودعوته , حيث قال كما في الدرر السنية 3/20 ” وقد رأيت سنة أربعة وستين “يعني 1264 ” رجلين من أشباهكم المارقين في الأحساء قد اعتزلا الجمعة والجماعة وكفرا من في تلك البلاد من المسلمين وحجتهما من جنس حجتكم يقولان : أهل الأحساء يجالسون ابن فيروز ويخالطونه هو وأمثاله ممن لم يكفر بالطاغوت ولم يصرح بتكفير جده الذي رد دعوة الشيخ محمد ولم يقبلها وعاداها ” قالا : ومن لم يصرح بكفره فهو كافر بالله لم يكفر بالطاغوت ومن جالسته فهو مثله ورتبوا على هاتين المقدمتين الكاذبتين الضالتين ما يترتب على الردة الصريحة من الأحكام حتى تركوا رد السلام فرفع إلى أمرهم فأحضرتهم وتهددتهم وأغلظت لهم القول فزعموا أولاً : أنهم على عقيدة الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأن رسائله عندهم فكشفت شبهتهم وأدحضت ضلالاتهم بما حضرني في المجلس وأخبرتهم ببراءة الشيخ من هذا المعتقد والمذهب وأنه لايكفر إلا بما أجمع المسلمون على تكفير فاعله من الشرك الأكبر والكفر بآيات الله ورسوله أو بشيء منها بعد قيام الحجة وبلوغها المعتبر كتكفير من عبد الصالحين ودعاهم مع الله وجعلهم أنداداً له فيما يستحقه على خلقه من العبادات الإلهية , وهذ مجمع عليه من أهل العلم والإيمان أهـ

ونقول للجيل المتقلب اتقوا الله في أنفسكم وفي أتباعكم المتعصبين لكم الذين يميلون حيث ملتم , فدين الله واحد وانظروا إلى علمائنا الكبار السائرين على السنة من عهد الإمام محمد إلى الإمامين ابن باز وابن عثيمين ومشايخنا الموجودين الآن تجد طريقتهم واحدة في أصول الدين وفروعه وفي دعوتهم وتعاملهم مع الآخرين سواء كانوا حكاماً أو محكومين أو كانوا من المخالفين كفرة أو مبتدعين فالزموا غرزهم وسيروا على طريقتهم تفلحوا في الدنيا والآخرة ولا تكونوا ممن ضل وأضل عياذاً بالله من ذلك.

حفظ الله لنا دعوتنا المباركة وجزى الله القائمين عليها خير الجزاء من العلماء والأمراء وغيرهم وأقر عيوننا بنصرالسنة وأهلها وقمع البدعة وأهلها.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين

محمد بن راشد الحبشان

المعهد العلمي بالشفاء