الحث على الكسب الحلال والتحذير من المعاملات المحرمة والتستر التجاري


 

الخطبة الأولى

إنّ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضلّ له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلّم تسليمًا كثيرًا، أما بعد:

معاشر المسلمين:

إنّ ديننا الحنيف يحثنا على طلب الحلال وتحريه، لا سيما في مجال الكسب، فليس الإسلام دين بطالة أو تواكل، أو سؤال وكسل وخمول، وإنما هو دين يحفّز أتباعه على العمل ويحث عليه، ويمقت الاعتماد على الآخرين.

قال الله – عز وجل-: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ}.

والحلال الطيب مخلوقٌ أصلًا للمؤمنين، فإذا كان يوم القيامة صار حقاً خالصاً لهم، قال تعالى: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ}. قال ابن كثير – رحمه الله -: (أي: هي مخلوقة لمن آمن بالله وعبده في الحياة الدنيا، وإن شركهم فيها الكفار حسًّا في الدنيا، فهي لهم خاصة يوم القيامة، لا يشركهم فيها أحد من الكفار؛ فإنّ الجنة محرمة على الكافرين).

وفي الصحيحين عن أبي هريرة – رضي الله عنه – قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: «لأن يحتطب أحدكم حزمة على ظهره خيرٌ من أن يسأل أحدًا فيعطيه أو يمنعه».

وعن ابن عمر – رضي الله عنهما – أنّ رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال: «أطيب الكسب عمل الرجل بيده، وكل بيع مبرور» صححه الألباني.

معاشر المسلمين:

إذا كان الإسلام قد أمر بتحري الحلال، وحث عليه، ورغّب فيه، فإنه قد نهى نهياً جازماً عن الكسب الحرام، وتحصيل المال من طرقٍ غير مشروعة والتحايل على ذلك بسبب أو آخر، وقد بيّن الإسلام ما يترتب على أكل الحرام من آثار سيئة وعواقب وخيمة في الدنيا والآخرة يعود أثرها على مكتسب الحرام، وعلى من يعول من أهله وأولاده.

قال الله – عز وجل -: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تأكلوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ}.

وأخرج البخاري عن أبي هريرة – رضي الله عنه – أنّ رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال: «يأتي على الناس زمان لا يبالي المرء ما أخذ منه أمن الحلال أم من الحرام». ففي الحديث ترهيب من الحرام وبيان عدم مبالاة الناس -آخر الزمان – بجمع المال من أي طريق كان.

وأخرج البخاري عن خولة الأنصارية – رضي الله عنها – أنها قالت: سمعت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يقول: «إن رجالًا يتخوّضون في مال الله بغير حق فلهم النار يوم القيامة».

والمرئ مسؤول يوم القيامة عن مصدر أمواله وموردها، بل لا تزول قدماه حتى يسأل، من أين آلت إليه هذه الأموال، وفي وجوه الحلال أم في وجوه الحرام أنفقها؟

قال – صلى الله عليه وسلم -: (لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع خصال: عن عمره فيما أنفناه؟ وعن شبابه فيما أبلاه؟ وعن ماله من أين اكتسبه، وفيما أنفقه؟ وعن علمه ماذا عمل به؟) أخرجه الترمذي، وصححه الألباني.

اللهم إنا نسألك علمًا نافعًا ورزقًا طيبًا وعملًا متقبلًا.

بارك الله لي ولكم.

 

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

معاشر المؤمنين:

إنّ من صور المعاملات المحرمة “التستر التجاري” وهو علاقةٌ بين طرفين بموجب عقد خفيّ بينهما مخالف للأنظمة، ويظهران أمام الغير وولاة الأمور بمظهر نظامي. ومن أبرز صوره: قيام المواطن بتمكين الأجنبي من مزاولة الأعمال التي يمنع النظام الأجنبي من ممارستها.

وهو عقدٌ وتعاملٌ غيرُ جائزٍ شرعًا، وتُرتّب عليه الأنظمةُ العقوباتِ الرادعة.

وذلك لاشتماله على الغش والخداع والتغرير بمن يتعامل مع الجهة؛ لتسميتها باسم المتستّر، وهو لا يملك منها شيئًا.

كما أنّ هذا العقدَ فيه تحايلٌ على الأنظمة، بما فيه من الكذب والزور الذي نهينا عنه،

والعقود الشرعية يجب أن يكون ظاهرها متفقًا مع باطنها.

وليس عقد الشركة في التستر التجاري من الشركات الجائزة شرعًا؛ لفقد أصلها وهو المال والعمل، فالمتستّر لا يشترك لا بمال ولا بعمل؛ فلذا لا تصح الشركة، ولا يستحق الربح.

كما أنّ الشركة باتخاذها مواطنًا شريكًا اسمًا لا حقيقةً مخالفٌ لتعليمات وليّ الأمر، ومعلومٌ أنّ السمع والطاعة في المعروف من أهم الواجبات، كما أنه مخالفٌ لما تهدف إليه تعليمات ولي الأمر من تشغيل الأموال والطاقات المحلية وإحلالها محل الأموال والطاقات الأجنبية وغيرها من المقاصد الحسنة المنوطة بولي الأمر.

الأمر الذي انتهى معه مجلسُ هيئة كبار العلماء في المملكة إلى عدم صحة عقد هذه الشركة، وأنه يجب على المسلمين الكف عن التعامل معها، والاكتفاء بالشركات والعقود الجائزة في الشريعة الإسلامية.

فعلينا أن نكف عن التعامل بهذا النوع من المعاملات، وأن نحرص على استثمار فترة التصحيح لمرتكبي هذه المخالفة، وأن نتعاون مع ولاة أمرنا ضد كل ما يخل بإيماننا وأمننا واقتصادنا وسائر مصالحنا الدينية والدنيوية.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم {يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ}.

وصلوا وسلموا رحمكم الله على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه، فقال سبحانه: (إنّ الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليمًا) اللهم صل وسلم على يا رب العالمين، وارض اللهم عن صحابة نبيك أجمعين، وعن التابعين، ومن تبعهم، وعنا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، و دمّر أعداء الدين.

اللهم احفظ ولاة أمورنا، ووفقهم بتوفيقك وأيدهم بتأييدك واجعل عملهم صالحًا في رضاك، اللهم هيء لهم البطانة الصالحة الناصحة التي تدلهم على الخير وتعينهم عليه يا رب العالمين.

اللهم انصر جنودنا المرابطين على الحدود والثغور وفي الداخل يا قوي يا عزيز.

ربنا آتنا في الدنيا حسنةً وفي الآخرة حسنةً وقنا عذاب النار.

ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم، وتب علينا؛ إنك أنت التواب الرحيم.

والحمد لله رب العالمين.

 

أعدها: بدر بن خضير الشمري، للملاحظات يرجى التواصل عبر الرقم:0533646769.

 

 

 


شارك المحتوى: