الجواب عن شبهة استدلال الوضعيين على إبطال أحكام الشريعة بحديث ( أنتم أعلم بأمر دنياكم)


الجواب عن شبهة استدلال الوضعيين على إبطال أحكام الشريعة بحديث ( أنتم أعلم بأمر دنياكم)
الحمد لله وصلى الله وسلم على رسول الله وآله ومن اهتدى بهداه.
أما بعد، فقد انبرى العلمانيون قديما إلى ترويج شبهة، يقصدون من ورائها تجريد الأمور الدنيوية عن أحكام الله تعالى، وينيطون الحكم عليها بالقوانين الوضعية، ثم من بعد ذلك يفترون على الله وعلى رسوله صلى الله عليه وسلم؛ إذ زعموا أن ذلك هو دلالة الشريعة؛ مستشهدين بقوله صلى الله عليه وسلم ( أنتم أعلم بأمر دنياكم) رواه مسلم.
ثم وجدنا من يحاول ترويج هذه البضاعة الكاسدة ممن ينتمون إلى ما يسمى بالتيارات الإسلامية، وإخراجها في قالب إسلامي، يريدون قلب الحقائق، وإرضاء الأطراف العلمانية وما يسمى مكونات المجتمع المدني بكافة أطيافه، وهنا يكمن الخطر؛ إذ يؤول الأمر إلى تبديل الملة، وتحريف الشريعة، ولبس الحق بالباطل؛ فوجب كشف هذه الشبهة، ورد هذه الفرية؛ حماية للملة، وصيانة للشريعة، وبيانا للحق، وهو ـ سبحانه ـ ولي التوفيق، وحسبنا ونعم الوكيل.
والجواب عن هذه الشبهة من وجوه : 
أحدها : منع الاستدلال بالحديث رأسا؛ فإن الحديث يدل على أن الأصل التشريع ؛ لأنه هو الذي فهمه الصحابة من قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في التأبير ، لاسيما وأن أدلة الاتباع تعضده، وعندئذ فالخروج عنه يحتاج إلى دليل ، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ : ( والمقصود أن جميع أقواله يستفاد منها شرع، وهو ـ صلى الله عليه وسلم ـ لما رآهم يلقِّحُون النخل قال لهم : ( ما أرى هذا يغني شيئا ) ثم قال لهم : ( إنما ظننت ظنًا فلا تؤاخذوني بالظن، ولكن إذا حدثتكم عن اللّه فلن أكذب على اللّه ) ، وقال : ( أنتم أعلم بأمور دنياكم، فما كان من أمر دينكم فإلي ) وهو لم ينههم عن التلقيح، لكن هم غلطوا في ظنهم أنه نهاهم، كما غلط من غلط في ظنه أن الخيط الأبيض والخيط الأسود هو الحبل الأبيض والأسود ).[1]
وهذا الحديث قد بين النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه ليس بتشريع ، وإنما هو ظن ورأي منه ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، كما سيأتي ـ إن شاء الله ـ في ذكر روايات الحديث .
الوجه الثاني : أن الحديث ليس على عمومه ، بل هو فيما لم يكن على جهة التشريع ، بمعنى أن الأمر الدنيوي له متعلقان ؛ أحدهما الفعل ذاته ، والآخر الحكم ، فالحكم الشرعي على الأفعال الدنيوية سواء بحرمة أو إيجاب أو كراهية أو استحباب أوإباحة شامل لكل الأفعال الدنيوية ، لاينفك عنها شيء البتة؛ فإن أحكام الله محيطة بأفعال المكلفين ، ويشهد لهذا قوله ـ تعالى ـ : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ } [الممتحنة: 10، 11] فالنكاح من الأمور الدنيوية ، ومع ذلك حكم الله فيه ، وسماه حكما له فقال سبحانه : {ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ} .كما يشهد له قوله ـ تعالى ـ : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ } [المائدة: 1]
والعقود والصيد من أمور الدنيا ومع ذلك حكم الله فيها بقوله : {إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ}
وقوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ( أنتم أعلم بأمور دنياكم ) متعلق بالفعل الذي يقع في اجتهاده الخطأ، وليس متعلقا بالحكم، ويدل على ذلك سياق الحديث في صحيح مسلم ورواياته ، فقد رواه مسلم من طريق حماد بن سلمة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة وعن ثابت عن أنس أن النبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ مر بقوم يلقحون فقال : ( لو لم تفعلوا لصلح )، فخرج شيصا ، فمر بهم فقال : ما لنخلكم ؟ ). قالوا : قلت : كذا وكذا ، قال : ( أنتم أعلم بأمر دنياكم ).
ورواه من حديث موسى بن طلحة عن أبيه قال : مررت مع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بقوم على رءوس النخل فقال : ( ما يصنع هؤلاء ؟) فقالوا : يلقحونه ، يجعلون الذكر فى الأنثى فيلقح . فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : ( ما أظن يغنى ذلك شيئا ) فأخبروا بذلك فتركوه ، فأخبر رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بذلك فقال : ( إن كان ينفعهم ذلك فليصنعوه فإني إنما ظننت ظنا ؛ فلا تؤاخذونى بالظن ، ولكن إذا حدثتكم عن الله شيئا فخذوا به ؛ فإنى لن أكذب على الله ـ عز وجل ــ) .
ورواه عن رافع بن خديج رضي الله عنهقال : قدم نبى الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ المدينة وهم يأبرون النخل يقولون يلقحون النخل فقال : ( ما تصنعون ؟) قالوا : كنا نصنعه ، قال : (لعلكم لو لم تفعلوا كان خيرا ). فتركوه فنفضت أو فنقصت ، فذكروا ذلك له ، فقال : ( إنما أنا بشر ، إذا أمرتكم بشىء من دينكم فخذوا به ، وإذا أمرتكم بشيء من رأي فإنما أنا بشر ) .
وبهذه الروايات يتبين أن قوله ـ عليه الصلاة والسلام ـ هذا متعلق بالفعل الذي يدخله الاجتهاد، فقد يصيب وقد يخطئ ، وليس هو تشريعا ، أوخبرا يحتمل الصدق والكذب ، قال الإمام الطحاوي ـ رحمه الله ـ: ( ولم يكن ذلك منه ـ صلى الله عليه وسلم ـ إخبارا عن وحي, وإنما كان منه على قول غير معقول ظاهر ، مما يتساوى فيه الناس في القول , ثم يختلفون فيتبين ذوو العلم به عمن سواهم من غير أهل العلم به , ولم يكن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ممن كان يعاني ذلك ولا من بلد يعانيه أهله ).[2]
وقال القاضي عياض ـ رحمه الله ـ: (وقول النبي ـ هاهنا ـ للأنصار فى النخل ليس على وجه الخبر الذي يدخله الصدق والكذب فينزه النبي عن الخلف فيه ، وإنما كان على طريق الرأي منه ؛ ولذلك قال لهم : ( إنما ظننت ظنًا ، وأنتم أعلم بأمر دنياكم) ، وحكم الأنبياء وإزاؤهم في حكم أمور الدنيا حكم غيرهم من اعتقاد بعض الأمور على خلاف ما هي عليه، ولا وصم عليهم في ذلك ؛ إذ هممهم متعلقة بالآخرة ، والملأ الأعلى ، وأوامر الشريعة ونواهيها، وأمور الدنيا يضادها ؛ بخلاف غيرهم من أهل الدنيا الذين يعلمون ظاهرًا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون).[3]
وقال ابن حزم ـ رحمه الله ـ 🙁 وأما أمور الدنيا ومكايد الحروب – ما لم يتقدم نهي عن شيء من ذلك – وأباح الله ـ تعالى ـ له التصرف فيه كيف شاء، فلسنا ننكر أن يدبر ـ عليه السلام ـ كل ذلك على حسب ما يراه صلاحا، فإن شاء اللهـ تعالى ـإقراره عليه أقره، وإن شاء إحداث منع له من ذلك في المستأنف منع، إلا أن كل ذلك مما تقدم الوحي إليه بإباحته إياه ولا بد.
وأما في التحريم والإيجاب فلا سبيل إلى ذلك البتة، وذلك مثل ما أراد النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن يصالح غطفان على ثلث ثمار المدينة فهذا مباح، لأن لهم أن يهبوا من أموالهم ما أحبوا ما لم ينهوا على ذلك، ولهم أن يمنعوه ما لم يؤمروا بإعطائه، وكذلك منازله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في حروبه، له أن ينزل من الأرض حيث شاء، ما لم ينه عن مكان بعينه، أو يؤمر بمكان بعينه، وكذلك قوله ـ عليه السلام ـ في تلقيح ثمار أهل المدينة، لا أنه مباح للمرء أن يلقح نخله ويذكر تينه، ومباح أن يترك فلا يفعل شيئا من ذلك…وهذا كله ليس من أمور الدين الواجبة والمحرمة في شيء، إنما هي أشياء مباحة من أمور المعاش، من شاء فعل ومن شاء ترك، وإنما الاجتهاد الممنوع منه ما كان في التحريم والإيجاب فقط بغير نص، وقد نص النبي ـ عليه السلام ـ في حديث التلقيح على قولنا)[4].
وقال ـ أيضا ـ : (فهذا بيان جلي – مع صحة سنده – في الفرق بين الرأي في أمر الدنيا والدين، وأنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ لا يقول الدين إلا من عند الله ـ تعالى ـ، وأن سائر ما يقول فيه برأيه ممكن فيه أن يشار عليه بغيره فيأخذ ـ عليه السلام ـ به، لأن كل ذلك مباح مطلق له، وإننا أبصر منه بأمور الدنيا التي لا خير معها إلا في الأقل، وهو أعلم منا بأمر الله ـ تعالى ـ، وبأمر الدين المؤدي إلى الخير الحقيقي، وهذا نص قولنا…ومن ذلك ما قال أبو بكر يوم الحديبية لرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إذ قال له بعض من حضر: أرى أن نميل على عيال هؤلاء – فقال أبو بكر: نرى أن نمضي لوجهنا ، فهذا كله مباح للإمام أن يغزو، وله أن يؤخر الغزو يومه ذلك وشهره ذلك، ويغزو بعد ذلك )[5].
وقال السمعاني ـ رحمه الله ـ ( وأما أمور الدنيا ، كتجهيز الجيوش ، وتدبير الحروب ، والعمارة ، والزراعة ، وغيرها من مصالح الدنيا فالإجماع ليس بحجة فيها ؛ لأن الإجماع فيها ليس بأكثر من قول رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، وقد ثبت أن قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إنما هو حجة في أحكام الشرع دون مصالح الدنيا ، وكذلك الإجماع ، ولهذا قال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ : (أنتم أعلم بأمور دنياكم وأنا أعلم بأمور دينكم ) وقد كان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ إذا رأى رأيا في الحرب راجع الصحابة في ذلك ، وربما ترك رأيه برأيهم ، وقد ورد مثل هذا في حرب بدر ، وحرب الخندق ، وغير ذلك ، ولم يكن أحد يراجعه فيما يكون من أمر الدين ).[6]
وترجم النووي ـ رحمه الله ـ على الحديث فقال : ( باب وجوب امتثال ما قاله شرعا دون ما ذكره صلى الله عليه و سلم من معايش الدنيا على سبيل الرأي ) ثم قال : ( قال العلماء : قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : (من رأيي ) أي في أمر الدنيا ومعايشها لا على التشريع ، فأما ما قاله باجتهاده ـ صلى الله عليه و سلم ـ ورآه شرعا يجب العمل به ، وليس إبّار النخل من هذا النوع ، بل من النوع المذكور قبله …قالوا ورأيه ـ صلى الله عليه و سلم ـ في أمور المعايش وظنه كغيره ؛ فلا يمتنع وقوع مثل هذا ولا نقص في ذلك ، وسببه تعلق هممهم بالآخرة ومعارفها )[7].
وقال الشيخ أحمد شاكر ـ رحمه الله ـ: (والحديث واضح صريح لا يعارض نصا، ولا يدل على عدم الاحتجاج بالسنة في كل شأن ؛ لأن رسول الله – صلى الله عليه وسلم ـ لا ينطق عن الهوى، فكل ما جاء عنه فهو شرع وتشريع، {وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا } [النور: 54] وإنما كان في قصة تلقيح النخيل أن قال لهم : ( ما أظن ذلك يغني شيئا ) فهو لم يأمر ولم ينه، ولم يخبر عن الله، ولم يسن في ذلك سنة، حتى يتوسع في هذا المعنى إلى ما يهدم به أصل التشريع، بل ظن، ثم اعتذر عن ظنه، قال : ( فلا تؤاخذوني بالظن ) فأين هذا مما يرمي إليه أولئك؟ هدانا الله وإياهم سواء السبيل ).[8]
وقال الشيخ ابن عثيمين ـ رحمه الله ـ في الرد على من استدل بالحديث : (لا دليل في هذا الحديث لما ذهبوا إليه؛ لأن الحادثة المذكورة من أمور الصنائع التي من يمارسها فهو أدرى بها، وتدرك بالتجارِب؛ وإلا لكان علينا أن نقول: لا بد أن يعلمنا الإسلام كيف نصنع السيارات والمسجلات، والطوب، وكل شيء!! أما الأحكام – الحلال، والحرام – فهذا مرجعه إلى الشرع؛ وقد وفى بكل ما يحتاج الإنسان إليه)[9].
الوجه الثالث : تخصيص العام بالسياق الذي ورد فيه متعين إذا كان حمله على العموم يقتضي معارضة الأدلة الأخرى ، كما هو الحال هنا ، وذلك أن قوله ( أنتم أعلم بأمر دنياكم ) لا يجوز حمله على العموم ، اعتبارا بقاعدة ( العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب) ؛ لأن العمل به في كل أمر دنيوي حتى الذي ورد فيه نص بعينه ، يفضي إلى رد النصوص الأخرى ، وهي متواترة تواترا مقطوعا به في الكتاب والسنة ؛ فوجب حينئذ فهم هذا الحديث في سياقه الذي ورد فيه ـ كما تقدم بيانه في الوجه الثاني ـ .
الوجه الرابع : يقال : كل مسألة جاء فيها نص بعينها من الشارع ، أو كانت مندرجة تحت حكم مستفاد من قاعدة أو أصل كلي ، أو قياس صحيح ، فهي مسألة دينية ، فانفصلت عن هذا الحديث ، فلا يقال فيها إنها من أمر الدنيا ، بل من أمر الدين الذي يجب رعايته ، كما يدل على ذلك الشرط في قوله ـ تعالى ـ : { الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ } [النور: 2] وقوله : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ } [البقرة : 278]
الوجه الخامس : أن هذا التأويل ( التحريف ) الذي ذكروه لم يعهد عن أحد من أهل العلم ممن شرح الحديث وبيّنه ، كما أنه يتنافى مع ماعهد عن الصحابة والتابعين ومَن بعدهم من أهل العلم والإيمان من طلب الأحكام الدنيوية في الكتاب والسنة . ومن طالع كتب التفاسير وأحكام القرآن ، ودواوين السنة وشروحها ، وكتب الفقهاء في المذاهب كافة ، وماقرره علماء الأصول ، تبين له إجماع أهل العلم إجماعا قاطعا على رد هذا التأويل للحديث.
الوجه السادس: يقال لهؤلاء : لو تنزلنا أن الحديث فيه احتمال لماذكرتموه فهو محتمل ـ أيضا ـ لغيره ، والدليل إذا تطرق إليه الاحتمال بطل به الاستدلال ، ووجب الرجوع إلى ما لا يتطرق إليه الاحتمال .
الوجه السابع: أن حُكم الله في الأمور الدينية والدنيوية مخرجه واحد في الكتاب والسنة ، فمن فرق بينهما ، وقصر الأخذ من الكتاب والسنة على الأحكام الدينية ، فقد فرق بين ماسوّى الله بينهما ، وآمن ببعض وكفر ببعض، ويبين هذه المسألة: ورود الأمر الديني مقرونا بالأمر الدنيوي في النص الواحد ، كما في قوله ـ تعالى ـ : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } [المائدة: 90] وقوله ـ تعالى ـ : { وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا }إلى قوله : {كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا }[الإسراء : 23 ـ 38]
الوجه الثامن:أنه يلزم من هذا القول وصف الشريعة بالعبث؛ ذلك أنه ورد في آيات القرآن وأحاديث النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أحكام كثيرة جدا، في البيع ، والقرض ، والرهان ، والربا ، والنكاح ، والطلاق ، والجهاد ، والقصاص ، والحدود ، والجنايات ، والقضاء ، والمواريث ، والعلاقات … وهذا دليل على أن الحكم للشرع ، وإلا فلا معنى لذكرها ؛ فإن كلام الله وكلام رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ منزهان عن العبث ، لاسيما وقد جاءت مفصّلة ، مصداقا لقوله ـ تعالى ـ : {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ } [النحل: 89] وقوله : {وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا } [الإسراء: 12] وقوله : {وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ } [الأنعام: 119] ؛ فلا يصح ـ قطعا ـ أن يقال بعد هذا التفصيل : إن هذه الأحكام لا تقضتي الاستمرارية ـ كما يزعمه هؤلاء ؛ فإن هذا ينافي بيان القرآن المعجز ، وينافي البيان الذي أوتيه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ؛ إذ كيف يكون هذا التفصيل ، لطائفة مخصوصة ، وزمان مخصوص ، ومكان مخصوص ، مع تغير الأحكام في زعمهم متى شاءت الأمة ! ولو كان الأمر ـ كما زعموا ـ لم يكن هذا التفصيل .
بل مجيئ الشريعة بهذا التفصيل المطلق عن أي قيد زماني أو مكاني ، دليل على وجوب امتثال حكم الشرع فيها بإطلاق ، فمن خصها أو قيدها بزمان أو مكان فعليه البرهان ، خلافا لما صنعه بعض المنحرفين عن سواء السبيل ؛ إذ جعلوا أحكام الشريعة المتعلقة بالحياة المدنية قابلة للتغيير ، بل منهم من أوغل في الضلال والإلحاد فجعل حكم النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ حكما مدنيا لا شرعيا!! نعوذ بالله من الخذلان ، ونسأله سبحانه الثبات على الإسلام والسنة .
الوجه التاسع: أن هذا الفهم الخاطئ الشنيع يتنافى مع الأدلة العامة المطلقة الدالة على وجوب تحيكم الشريعة والتحاكم إليها دون تقييد ذلك أو تخصيصة بأمور الدين، كما يتنافى مع من انعقد عليه إجماع الأمة من أن الحاكم هو الشرع المطهر.[10]
وخلاصة الأمر: أن هذا التفسير للحديث بدعة وضلالة، وقواطع الأدلة تمنعه، ومن تعذر عليه فهم الحديث كان في حقه مشتبها؛ فوجب عليه أن يرده إلى النصوص المحكمة، وهي في هذه المسألة قطعية الدلالة والثبوت، والله أعلم.
ونسأل الله أن يهدينا للحق، ويثبتنا على السنة، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله، والحمد لله رب العالمين.
كتبه/ عبدالعزيز بن محمد السعيد
عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
14/10/1435


[1] مجموع الفتاوى (9/ 242) .

[2] شرح مشكل الآثار (4 /425) .

[3] إكمال المعلم (7 /167) .

[4] الإحكام (5/ 703) .

[5] الإحكام ( /704) .

[6] قواطع الأدلة (2/16) .

[7] شرح النووي على مسلم (15 /116) .

[8] (1) مسند أحمد بشرح شاكر ( 2/364-365 )

[9] تفسير القرآن (5 /323)

[10] انظر : نهاية السول (1/ 111) ، إرشاد الفحول ( 1/ 28 ) .، إجماعات الأصوليين (ص362)