التبرك حقيقته وآثاره


التبرك: مصدر تبرك يتبرك تبركاً، وهو طلب البركة، والتبرك بالشيء: طلب البرك بواسطته، ومعناها: الثبوت واللزوم والنماء والزيادة.

والبركة على نوعين: النوع الأول: بركة هي فعله تبارك وتعالى، والفعل منها بارك، ويتعدى بنفسه تارة، وبأداة على تارة، وبأداة في تارة، والمفعول منها مبارك.. النوع الثاني: بركة تضاف إليه، إضافة الرحمة والعزة، والفعل منها (تبارك). ولهذا لا يقال لغيره ذلك. والبركة كلها من الله – عز وجل – كما أن الرزق والنصر والعافية من الله تعالى.

والتبرك يكون بالله تعالى وبأسمائه وصفاته عز وجل، والقرآن الكريم مبارك فقد وصفه الله – عز وجل – بأنه مبارك كما قال تعالى: {وَهَذَا ذِكْرٌ مُّبَارَكٌ أَنزَلْنَاهُ أَفَأَنتُمْ لَهُ مُنكِرُونَ}؛ فهو كثير الفائدة والنفع لاشتماله على منافع الدارين، وعلوم الأولين والآخرين، ولكثرة خيره ومنافعه، ووجوه البركة فيه، وكذلك التبرك بالأعمال الصالحة كالصلاة والصيام والصدقة، وكل أمر شرعه الله ففيه بركة الأجر والثواب.

وأما التبرك بآثار النبي – صلى الله عليه وسلم – التي انفصلت من جسده كوضوئه وعرقه وشعره ونحو ذلك، فهذا أمر معروف وجائز عند الصحابة – رضي الله عنهم -؛ لما فيها من الخير والبركة؛ ولهذا أقرهم النبي – صلى الله عليه وسلم – عليها، وهي انتهت بوفاته – عليه الصلاة والسلام -، واندثرت باندثارها، وما قصده النبي – صلى الله عليه وسلم – للصلاة أو الدعاء عنده من الأماكن كمسجد قباء ومقام إبراهيم، فقصده للصلاة أو الدعاء اقتداءً به سنة مستحبة، أما التبرك بها فبدعة منكرة، وأما ما لم يقصده من الأماكن التي صلى بها أو جلس عليها أو مر بها، فلا يشرع تحري الصلاة فيها، أو الدعاء أو العبادة بها، ولا تتبعها، لأنه لم يحفظ عن الصحابة الكرام ولا الخلفاء الراشدين تتبع آثاره والأماكن التي صلى فيها أو مواقع غزواته أو الجبال التي صعد عليها أو غار ثور أو حراء، بل ثبت عن عمر – رضي الله عنه – أنه نهى عن قصد الصلاة في مكان صلى فيه النبي – صلى الله عليه وسلم – وأقره الصحابة – رضي الله عنهم -، وكذلك أمر بقطع الشجرة التي بايع تحتها الصحابة رسول الله – صلى الله عليه وسلم -، وما ذاك إلا لخوف الغلو والتبرك بها، ومن ثم تتخذ هذه الأماكن أوثاناً تعبد من دون الله – عز وجل -.. وأما ما كان يفعله ابن عمر – رضي الله عنه – من تتبع لتلك الآثار فهو يقصد الاقتداء اجتهاداً منه لا التبرك، وأيضاً خالفه من هو أفضل منه من الصحابة – رضي الله عنهم -؛ فليست الحجة في أفعال الناس من غير دليل، ولو كانوا من المعظمين، وإنما الحجة في اتباع السنة وبما عليه جمهور الصحابة – رضي الله عنهم -، ولا يلتفت أيضاً إلى من قال به أو فعله من العلماء؛ لأن الحق أحق أن يتبع.

قال شيخ الإسلام بن تيمية – رحمه الله – في الاقتضاء (1-389): (فإن النبي – صلى الله عليه وسلم – كان يصلي في تلك البقاع التي في طريقه؛ لأنها كانت منزله لم يتحر الصلاة فيها لمعنى في البقعة؛ فنظير هذا: أن يصلي المسافر في منزله فأما قصد الصلاة في تلك البقاع التي صلى فيها اتفاقاً فهذا لم ينقل عن غير ابن عمر من الصحابة، بل كان أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وسائر السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار يذهبون من المدينة إلى مكة حجاجاً وعماراً أو مسافرين ولم ينقل عن أحد منهم أنه تحرى الصلاة في مصليات النبي صلى الله عليه وسلم…) إلى أن قال: (..أيضاً فإن تحري الصلاة فيها ذريعة إلى اتخذها مساجد والتشبه بأهل الكتاب مما نهينا عن التشبه بهم فيه، وذلك ذريعة إلى الشرك بالله)، وقال أيضاً كما في مجموع الفتاوى (36-144): (وأما زيارة المساجد التي بنيت بمكة غير المسجد الحرام، كالمسجد الذي تحت الصفا وما في سفح أبي قبيس ونحو ذلك من المساجد التي بنيت على آثار النبي – صلى الله عليه وسلم – وأصحابه، كمسجد المولد وغيره فليس قصد شيء من ذلك من السنة، ولا استحبه أحد من الأئمة، وإنما المشروع إتيان المسجد الحرام، خاصة والمشاعر عرفة ومزدلفة ومنى مثل: جبل حراء والجبل الذي عند منى الذي يقال: إنه كان فيه قبة الفداء ونحو ذلك، فإنه ليس من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم زيارة شيء من ذلك، بل هو بدعة، وكذلك ما يوجد في الطرقات من المساجد المبنية على الآثار والبقاع التي يقال إنه من الآثار، لم يشرع النبي – صلى الله عليه وسلم – زيارة شيء من ذلك بخصوصه، ولا زيارة شيء من ذلك).

وقال سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز – رحمه الله – في مجموع الفتاوى (3-339): (ولو كان إحياؤها أو زيارتها أمراً مشروعاً لفعله النبي – صلى الله عليه وسلم – في مكة وبعد الهجرة أو أمر بذلك أو فعله أصحابه أو أرشدوا إليه، وسبق أنهم أعلم الناس بشريعة الله، وأحبهم لرسوله – صلى الله عليه وسلم – وأنصحهم لله ولعباده، ولم يحفظ عنه – صلى الله عليه وسلم – ولا عنهم أنهم زاروا غار حراء حين كانوا بمكة وغار ثور، ولم يفعلوا ذلك أيضاً حين عمرة القضاء ولا عام الفتح ولا في حجة الوداع ولم يعرجوا على موضع خيمتي أم معبد ولا محل شجرة البيعة؛ فعلم أن زيارتها وتمهيد الطريق إليها أمر مبتدع لا أصل له في شرع الله، وهو من أعظم الوسائل إلى الشرك الأكبر).

وبهذا يتبين لنا أن تتبع آثار النبي – صلى الله عليه وسلم -، والأماكن التي صلى فيها أو مواقع غزواته أو الجبال التي صعد عليها أو غار ثور أو حراء، أو التبرك بها غير مشروع، وذلك لعدة أسباب:

1) أن ذلك لم يشرعه الرسول – صلى الله عليه وسلم – ولا أمر به.

2) أن ذلك لم يفعله الصحابة الكرام – رضي الله عنهم -، وهم أعلم الناس به وأكثرهم تأسياً به وتمسكاً بسنته.

3) أن ذلك التبرك يفضي إلى الغلو وقد يؤدي إلى الشرك الأكبر، كما يقع الآن من كثير ممن ينتسب إلى الإسلام حتى آل الأمر إلى دعاء النبي – صلى الله عليه وسلم – والاستغاثة به وصرف حق الله تعالى للنبي – صلى الله عليه وسلم – وعظموا القبور والمشاهد وعبدوها مع الله – عز وجل -، وهذا كله من تزيين الشيطان ومن اتباع خطواته؛ فهم في البداية لا يقصدون الشرك، فتدرج بهم الشيطان ممن منطلق حب النبي – صلى الله عليه وسلم – وحب الصالحين إلى غير ذلك من مكائد الشيطان؛ حتى وقعوا في الشرك الأكبر، والذنب الذي لا يغفر إلا لمَن تاب وأناب.

إن الواجب على الأمة الإسلامية هو اتباع سنته – عليه الصلاة والسلام – والعمل بها في الصغير والكبير وتحكيمها والسير على منهاجه – عليه الصلاة والسلام – لا تتبع هذه الأماكن وتعظيمها أو البناء عليها وتشييدها أو شد الرحال إليها وجعلها مزارات، هذا خلاف سنته – عليه الصلاة والسلام -؛ لأنه نهى عن الشرك، ونهى عن وسائله المفضية إليه؛ فقال – صلى الله عليه وسلم -: (لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك)، ونهى عن تجصيص القبور والبناء عليها، وما ذاك إلا لأجل سد الذرائع الموصلة إلى الشرك، وكذلك صحابته الكرام ساروا على ذلك، وما قطع عمر – رضي الله عنه – للشجرة التي بايع تحتها الصحابة رسول الله – صلى الله عليه وسلم – إلا لخوف الغلو فيها وعبادتها واتخاذها وثناً تعبد مع الله – عز وجل -.. والله الموفق وهو الهادي إلى سواء السبيل.